قبل بضعة أيام زار هنا وزير خارجية النرويج بورغيه براندا، وحسب مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وعد نتنياهو بأنه كمشارك في مؤتمر باريس سيضمن أن تكون «نتيجة متوازنة». وقد أوفى بوعده حقا: دعا المؤتمر إسرائيل والفلسطينيين إلى تبني حل الدولتين على اساس خطوط 67 وقرار مجلس الامن لتجميد البناء في الضفة الغربية وشرقي القدس باستثناء التعديلات التي يتفق عليها الطرفان في اطار المفاوضات.
وردا على ذلك ادعى نتنياهو وشركاؤه بأن قرارات المؤتمر ليست اكثر من هجمة معادية ليس لها اسنان ولن تؤدي إلى اي نتيجة حقيقية، بالتأكيد ليس على الارض. فقد قال نتنياهو: «هذه لعبطات اخيرة لعالم الامس. الغد سيبدو مختلفا والغد قريب جدا».
يدور الحديث، كالمعتاد، عن امنية. في كل مرة يوجد فيه انعقاد ما يُعنى بالنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني تعلن الحكومة بأن هذه خطوة عابثة أو لاسامية أو لأغراض داعشية. وانظروا العجب: من مؤتمر إلى مؤتمر ينتقل الفلسطينيون ويجمعون الشرعية، التفهم والدعم الدولي، والذي أدى ضمن امور اخرى ايضا إلى قرار مجلس الامن الاخير في الأمم المتحدة ضد المستوطنات. وضم هذا ايضا وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرو الذي صرح قائلا: «ان نقل السفارة الأمريكية إلى القدس هو استفزاز مع آثار خطيرة».
المؤتمر هو حلقة اخرى في الضغط على إسرائيل والإعداد لعمل آخر في الأمم المتحدة. صحيح أن ترامب هذه المرة متواجد في الميدان، ولكن هنا ايضا تأتي القصة الحقيقية للمؤتمر، النص الضمني الذي يقول ان العالم كله ليس فقط ضد إسرائيل، بل وايضا ضد ترامب، باستثناء بريطانيا التي تراوح بين الخطوط.
منذ ولدت مبادرة السلام الفرنسية قبل نحو سنة، تجري لعبة القط والفأر بين الفرنسيين ونتنياهو. هؤلاء يضغطون كي يأتي، وذاك يهرب. ابو مازن يدعي بأنه مستعد في كل لحظة وبلا اي شروط، ونتنياهو يهرب. فهو يرى سلسلة المؤتمرات والقرارات التي ادت إلى قرار 2334 ولا سيما يرى التواصل: ان يتبنى قرارات المؤتمر مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي، ومن هناك سيذهب هذا إلى الرباعية، إلى الولايات المتحدة، إلى روسيا، إلى الأمم المتحدة وإلى الاتحاد الأوروبي، ومن هناك إلى قرار آخر، اكثر تشددا، من مجلس الامن.
ينعقد المجلس اليوم ولأوباما يوجد يومان آخران لادارة العرض، فهيا إذن، يا أوباما، هيا، ولكن حسب المنشورات، قال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ان مخرجات المؤتمر لن تؤدي إلى قرارات ملزمة في مجلس الأمن. وبعد بضعة اشهر سيصل المشروع إلى الجمعية ويجعل فلسطين دولة، ويمكن لأمين عام ابداعي للامم المتحدة، رغم معارضة ترامب، ان يطرح موضوع فلسطين على الجمعية. ليس فقط من أجل الاعتراف بدولة فلسطين بل وايضا من أجل التصدي لادارة ترامب. ترامب يهدد بتقليص الميزانية للأمم المتحدة؟ هو سيضر أساسا بالمساعدة للاجئي كل العالم.
ان مساعي نتنياهو وشركائه لصد المبادرة العالمية موجهة اليوم نحو إدارة ترامب. والخيار الوحيد المتبقي لحكومة إسرائيل مع ترامب ضد كل العالم (باستثناء بوتين) هو مواصلة الاحتكاك الدموي الحالي والاستخفاف بكل العالم. والمعنى هو اسناد أمريكي لحملة أو حرب في حالة التدهور الذي يحذر الجيش الإسرائيلي منه. الحرب هي موضوع سيء لليهود وسيء للعرب، ولكنه جيد جدا لصورة ترامب وتحقيقات نتنياهو.
معاريف 18/1/2017