تونس ـ «القدس العربي»: تعد سيدة الأعمال وداد بوشماوي من أبرز الفاعلين المؤثرين في المشهد التونسي. انتخبت بعد الثورة التونسية 2011 رئيسة للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، وهي منظمة أرباب العمل في تونس وتسمى أيضا منظمة الأعراف. منذ ذلك الوقت بدأت تنخرط أكثر في المشهد السياسي والعمل العام ولعبت دورا بارزا في انجاح الحوار الوطني للخروج من الأزمة التي عصفت بتونس. اختيرت في 2013 أفضل سيدة أعمال في الوطن العربي، وفي 2014 حصلت على جائزة مؤسسة الأعمال التجارية للسلام وتكلل مجهودها مؤخرا بنيل جائزة نوبل للسلام بالتقاسم مع باقي الشركاء في الحوار الوطني التونسي. استقبلتنا في مكتبها وهي منهمكة في تلقي اتصالات التهاني بنيل الجائزة من كل أنحاء العالم. تقول لـ«القدس العربي» ان نوبل هو تكريم لتونس وبرهان على صوابية خيارها السلمي. مؤكدة ان هذا يضع الرباعي الراعي للحوار أمام مسؤولية أكبر لمواصلة العمل من أجل مصلحة البلاد.
○ ما تعليقكم على فوز الرباعي التونسي الراعي للحوار ومنه منظمتكم العريقة إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل وهيئة المحامين التونسيين ورابطة حقوق الإنسان بجائزة نوبل للسلام؟ وكيف يمكن لتونس ان تستفيد من هذه الجائزة؟
• الحصول على جائزة نوبل للسلام هو شرف وهي جائزة تعبر عن قيمة العمل الذي قام به الشعب التونسي منذ ثورة 2011 وحتى اليوم بطريقة سلمية حضارية، حيث وقع التغيير بصورة تدل على مدى نضج الشعب التونسي وتطوره. ومن ثم اختار الشعب الحوار كطريق للخروج من أزماته التي عانى منها في مسار الانتقال الديمقراطي انطلاقا من قناعته بأنه يمكن عبر الحوار الوصول إلى حلول سلمية وايجابية. في طبيعة الحال هو شرف لنا كتونسيين وعرب، فتونس بلد صغير في المساحة لكنه كبير بما يقدمه للأمة العربية بصفة خاصة والإسلامية بشكل عام. ونحن نشعر اليوم باعتزاز وفخر ولكن في الآن نفسه نشعر بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، لان الجائزة ستحملنا مسؤولية أكبر من أجل مواصلة العمل في ما بدأناه والوفاء بتعهداتنا كاملة أمام الشعب والشباب التونسي الذي طالب بالحرية والتشغيل والكرامة.
○ هل تعتبرين ان النموذج التونسي اليوم جدير بالاقتداء والأخذ به في دول أخرى تعاني الحروب والدمار مثل سوريا وليبيا وغيرها؟
• لم لا، في كل أنحاء العالم يكون نجاح تجربة ما في أي ميدان من الميادين دافعا للاقتداء بها وذلك مع التأكيد على خصوصية كل بلد، لكن الاستئناس بتجربة ناجحة أمر مفيد. واعتقد إذا نجحت تجربة الحوار في تونس يمكن ان تنجح في دول أخرى ونتمنى للمنطقة العربية حلولا بالطرق السلمية بعيدا عن العنف.
○ كيف هي علاقتكم اليوم مع المنظمة الشغيلة بعد الأزمة التي اندلعت منذ وقت غير بعيد بسبب مطالب زيادة الأجور والزيادات في القطاع الخاص؟
• علاقتنا مع الاتحاد العام التونسي للشغل توطدت قبل بداية الحوار الوطني انطلاقا من اعتقادنا كاتحاد تونسي للصناعة والتجارة ان المنظمة الشغيلة ليست عدونا ولا منافسنا بل منظمة نتعامل ونتعايش معها عبر الحوار. ولقد تعاملنا على هذا الأساس مع المنظمة الشغيلة وبدأنا تجربة ثنائية قبل ان تكون تجربة رباعية في المستوى السياسي. جلوسنا مع بعضنا البعض سمح لنا بان نخفض من التوتر وسمح أيضا بإيجاد الحلول لبعض المشاكل. لكن هذا لا يعني اننا نتفق على كل شيء. دور كل منظمة هو ان تدافع عن حقوق أتباعها لكن ما يجمعنا هو تونس ومصلحة تونس. فلا بد مهما كانت الاختلافات ان نصل إلى حل يرضي الجميع بما يتلاءم مع مصلحة بلادنا. ونقول ان منافسنا وعدونا الأول نحن والمنظمة الشغيلة هو الفقر والجهل والتخلف والتهريب والإرهاب. فيمكن ان نكون مختلفين ولكن ما دمنا وجدنا حلا لأصعب مشكلة سياسية لا بد ان نجد حلولا لباقي المشاكل التفصيلية وهي توترات اعتبرها طبيعية جدا وتدخل في اطار المناورات في التفاوض. وندرك تماما شروط اللعبة وقبلنا بها والأهم هو ان نحترم قواعدها. فأي طرف حينما يدخل في لعبة يجب ان يحترم قواعدها ويقبل بخصمه ويعد استراتيجية للرد.
○ إذن أنت مفاوضة ومصارعة جيدة؟
• تحدثنا من قبل عن تجارب الدول الأخرى التي استخدمت الوسائل العنيفة وأدى ذلك إلى تفشي الحروب والدمار دون نتيجة. في المقابل نحن وجدنا طريقنا بالحوار واعطى ذلك نتائج مرضية وجاءت جائزة نوبل لتؤكد للجميع وللتونسيين صواب هذا الاختيار وانه لا بد ان نجلس مع بعضنا ونتحاور وان يأخذ كل طرف بعين الاعتبار الطرف الآخر دون التشبث بموقف معين لان التفاوض مبني على أخذ ورد. والتنازل لا يعني ان يفقد الطرف مصداقيته أو مبادئه.
ونحن يجمعنا مع الاتحاد العام التونسي للشغل مصير واحد ولا بد ان نجد حلولا مهما كانت التشنجات ونوبل تلزمنا أكثر بالحوار.
○ هل تم الحسم بخصوص من سيلقي خطاب تسلم الجائزة؟
• هذا الموضوع أخذ حجما كبيرا. لدينا تنسيقية للرباعي وهي تقوم بعمل متميز للتوصل إلى حل يرضي الجميع في الأيام المقبلة. والمفيد ان تونس تحصلت على الجائزة والباقي يبقى تفاصيل.
○ أنتم نلتم الجائزة مع الأطراف الأخرى الراعية للحوار، فإلى أي مدى يمكن اعتبار هذه الجائزة تكريما لك كامرأة تونسية وتكريما أيضا لنضالات المرأة العربية؟ وما هي الصورة التي يمكن ان تعطيها للخارج عن المرأة التونسية والعربية؟
• انا ثاني امرأة عربية تنال جائزة نوبل بعد توكل كرمان من اليمن. وأيضا رابع امرأة مسلمة بعد الإيرانية شيرين عبادي والباكستانية ملا يوسف واليمنية توكل كرمان. ويمكن القول اني أول امرأة افريقية ومغاربية أيضا تنال الجائزة. وأعتقد ان من المهم جدا ان تتسلم نوبل امرأة عربية لان ذلك يعطي صورة أخرى معاكسة للصورة النمطية لدى الغرب عن المرأة العربية بها متخلفة ومهضومة الحقوق. وهي تبرز ان المرأة العربية لها مواقف ولها إنجازات وقناعات وهي فاعلة ومؤثرة في مجتمعاتها. وأعتقد ان وجودي على رأس منظمة الأعراف بحد ذاته انجاز مهم، فانا أول امرأة عربية تحصل على هذا المنصب بانتخاب شرعي في منظمة يسيطر عليها الرجال. وهدفنا هو ان يصبح الإنسان في المكان الذي يستحقه بغض النظر عن جنسه أو لونه وليس لانه امرأة أو رجل أو أبيض أو أسمر وبعيدا عن أي تمييز جنسي أو عرقي. وأقولها بكل أسى ان صورة المراة العربية سيئة جدا في الخارج. الآن لدينا نجاحات كبيرة وهذه فرصة للمرأة لكي تبرز تميزها. وأعتقد ان الذي يعوز المرأة العربية اليوم هو التحلي بالجرأة والشجاعة الكافية. ففي تونس مثلا عندما برز حديث عن امكانية تغيير في قانون الأحوال الشخصية رأينا النساء كيف نزلت إلى الشارع جنبا إلى جنب لحماية حقوقهن المكتسبة.
○ إذن كيف ترين وضع المرأة التونسية بعد سنوات من الاستقلال وصدور قانون الأحوال الشخصية؟
• لنقلها بصراحة، وضع المرأة التونسية مقارنة بنظيراتها في باقي الدول العربية يعتبر الأفضل. لكن ما زال هناك مزيد من العمل الذي نطمح إلى تحقيقه وهو ان تكون للمرأة الحقوق نفسها مع الرجل وان يكون الفارق في الاجتهاد والكفاءة. ويجب على المرأة ان تتواجد وتبرز حضورها في كل المستويات والمناصب العليا دون استثناء. وأعتقد ان حصول المرأة على 31 في المئة من مقاعد البرلمان هو انطلاقة جيدة وأتوقع ان يبرز أكثر حضورها في المواعيد الانتخابية المقبلة. وهي متواجدة في الحكومة ولدينا ثلاث وزيرات وخمس كاتبات دولة «مساعدات وزراء». وهناك نسبة هامة من المديرات في المؤسسات وهذا امر هام ويبرز انها بدأت تفرض وجودها. ويجب الإشارة هنا إلى ان توفر الإطار القانوني خدم المرأة التونسية.
○ لننتقل للوضع الاقتصادي، إذ تعيش البلاد منذ فترة شبه هدنة سياسية واجتماعية لكن رغم ذلك فإن الوضع الاقتصادي صعب ونسبة النمو ضعيفة جدا ولم تصل بعد إلى الواحد في المئة؟ ما تفسيركم لذلك وكيف يمكن اليوم الدفع بالاقتصاد التونسي وإخراجه من حالة الركود؟
• ما قمنا به في تونس ليس بالهين، فقد نجحنا في التجربة الإنتقالية فيما يتعلق بكل ما هو سياسي، وتمكنا من إجراء انتخابات ديمقراطية شفافة بحسب تطلعات الشعب. ولدينا مؤسسات دستورية منتخبة وحرية الصحافة والإعلام وهذه مكاسب هامة ونتطلع إلى الأفضل. وهنا أريد ان أشير إلى انه في المدة الماضية كان تركيزنا منصبا على الاستحقاق الانتخابي، لكن الإنتقال الديمقراطي لا ينجح إذا لم يترافق مع نجاح اقتصادي. ومن الواضح انه في تونس لم تكن الفرص متكافئة بين الجهات، فهناك مناطق مهمشة لم تأخذ حصتها في الاستثمار والتنمية ويجب على الدولة ان تتحمل مسؤولياتها ونحن أصحاب المؤسسات يجب ان نتحمل مسؤولياتنا أيضا للنهوض بهذه الجهات وان نعطي الفرص لكافة أبناء الشعب التونسي. واشير إلى ان الوضع الأمني الموجود في الجوار الليبي وغياب المؤسسات هناك جعل الإرهاب يلج إلى تونس وهذا أثر بشكل سلبي على الوضع الاقتصادي وتونس ليست مسؤولة عن هذا الوضع. وهنا دعوة إلى العالم لمد يد المساعدة إلى تونس، فبلدنا صغير ورغم ذلك تحملنا أعباء فوق طاقتنا. ومن جهة أخرى أرى ان الحكومة تقوم بالاصلاحات الملائمة لتوفير المناخ الاستثماري والمالي المتميز لجلب المستثمرين الأجانب وتشجيع التونسيين للقيام بإعمالهم. فعندما يتوفر القانون والشفافية والحوكمة الرشيدة والإطار التشريعي فمن شأن ذلك ان يوفر مناخا ملائما للاستثمارات. كما ان الاستقرار والسلم الاجتماعيين من أهم عوامل تسهيل الاستثمار.
○ يرى البعض ان حكومة الحبيب الصيد التي انتخبت لان تكون حكومة برامج وتخطيط للمستقبل باتت مجرد حكومة تصريف أعمال ما رأيكم في هذا؟
• لقد انتخبت هذه الحكومة لمدة خمس سنوات على أساس برنامج عمل محدد. ويجب ان نعطيها الفرصة حتى تنجز ما وعد به رئيس الحكومة يوم 5 شباط/فبراير أمام مجلس نواب الشعب. وفي إطار نظامنا الديمقراطي هناك مراقبون لأداء الحكومة. ويجب ان نأخذ بعين الاعتبار ان الأزمات الأمنية التي مرت بها البلاد منذ حادثتي باردو وسوسة واستشهاد الأمنيين في جبل الشعانبي قد أرهق كاهل الحكومة فكان اهتمامها أمنيا أكثر مما هو اقتصادي ونحن نأمل ان تتوفر الظروف في القريب العاجل مع أكثر نجاعة أمنية للاهتمام أكثر بالاقتصاد وهذا هو الحل الوحيد لتونس.
○ هل ترين ان هناك ضرورة اليوم لتغيير وزاري ليتحسن اداء الحكومة؟
• ليس دوري ان أقوم بهذا التقييم. والمفيد ان يحترم من يتسلم الحكم التعهدات التي وعد بها.
○ ما رأيكم في قانون المصالحة الذي بادر به رئيس الجمهورية؟ هل ترونه حلا مثاليا لتحقيق المصالحة والدفع بالاقتصاد؟ أم انه يضر بمسار العدالة الإنتقالية؟
• نحن مع احترام كل ما هو دستوري وقلنا ان قانون المصالحة هو مشروع قانون فهناك بعض التغييرات التي تطرح وسيتطور هذا المشروع وفق آراء السياسيين والمختصين والمنظمات وبعدها يقع تقديمه أمام مجلس نواب الشعب. وهو يهدف في الأساس إلى الحسم في الملفات التي بقيت دون حل. قلنا ان كل شخص أذنب بحق الشعب التونسي لا بد ان يحاسب، وكل من أخذ مال الشعب لا بد ان يرجع الأموال. وكما توافقنا في ما هو صعب لا بد ان نلجأ للمصالحة لانها تفتح أفقا للمستقبل. وأرى ان تجارب المصالحة نجحت في دول عديدة لديها مشاكل أعمق من مشاكل تونس مثل الفصل العنصري وغيرها. لكن نحن نشدد على أهمية استرجاع الأموال المسلوبة.
○ ما تعليقكم على مغادرة عديد الشركات الأجنبية مؤخرا تونس؟ وما تأثير ذلك اقتصاديا؟
• اعتقد ان هناك نوعا من المبالغة والتضخيم في عدد الشركات التي غادرت تونس منذ الثورة. فالأرقام الصحيحة التي لدينا تتحدث عن وجود 3300 مؤسسة أجنبية مستقرة في تونس،غادرت منها فقط 30 أو 40 مؤسسة. وهذا ليس بالرقم الضخم. كما تجدر الإشارة هنا إلى ان عددا كبيرا من هذه المؤسسات برمج مغادرة تونس قبل الأحداث ولأسباب داخلية تتعلق بها. اما عدد الشركات التي غادرت بلادنا بعد الثورة فهو ضئيل. فالأغلبية الساحقة من المؤسسات والشركات الاقتصادية الأجنبية آمنت بتونس وبقيت متواجدة.
○ بصفتك رئيسة لمنظمة الأعراف ولعبت دورا هاما في الحوار بين الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين في إطار الحوار الوطني ..فما هي مشاريعك المستقبلية وهل يمكن ان تدخلي معترك السياسية قريبا؟
• مسؤوليتي هي خدمة تونس والشعب التونسي، وتفكيري اليوم منصب على كيفية اعلاء اسم تونس. وما يرهقني اليوم هو الحالة الاقتصادية والمعيشية الصعبة ولكن اعتقد رغم ذلك انه بامكاننا ان نحسمها بالعزيمة والعمل وهذا ليس صعبا.
○ هل هناك امكانية لحوار اقتصادي بين الفاعلين في تونس؟
• لم لا، وأرى ان الحوار يجب ان يصبح سبيلا لحل كل المشاكل أينما وجدت.
○ كيف ترين واقع منظمة الأعراف وهل تغير دورها بين الماضي واليوم؟
• منذ تأسيس المنظمة عام 1949 وحتى اليوم وهي تلعب دورا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بارزا وكانت في مستوى آمال وانتظارات الشعب التونسي لانها دافعت عن استقلال البلاد وحماية اقتصاده. ودورها موجود لم يتغير ومعيارها الوحيد هو مصلحة تونس.
روعة قاسم