كنا نعتقد قبل أيام أن التشرذم والتفكك والانفجار الداخلي سيكون من نصيب اليسار الفرنسي دون سواه، طالما بقي تشكيلا سياسيا مقبلا، حسب كل التقديرات، على فترة سبات عميق لن يتمكن من تجاوزه قبل مرور وقت طويل.
لكن فضيحة فيون قلبت الأوراق مئة وثمانين درجة فأوصلت بما تبقى من بوصلة المحلل السياسي المكسورة أصلا إلى مأزق محقق.
إلى المأزق أيضا وصل مترشح اليمين الفرنسي للرئاسيات المقبلة فرانسوا فيون، بعد أن تزايدت مزاعم «تشغيله» زوجته في وظيفة مساعدة برلمانية فاق مجمل مبلغه 100000 يورو على مدى سنوات، كما علم المشاهد والقارئ العربي من سلسلة المقالات والمقابلات التي أجريت مع المحللين في هذا المجال.
لكن المقبل على الأبواب، مؤسف للرجل ومغذ في المقابل لأقلام المنقبين وتحليلات المراقبين. فقد زودتنا أسبوعية «لا اكسبريس» على موقعها الإلكتروني بوثيقة في غاية الدقة، فاتت على ما يبدو عددا من اصدقائنا في وسائل الإعلام في فرنسا، فلا بأس من استدراك قصير لو سمح لي.
كما تداولنا خلال الأيام الأخيرة، لم تكتف السيدة Pénélope بإثارة شبهات حيازتها وظيفة وهمية في البرلمان الفرنسي، بل زاد الطين بلة اعتمادها مستشارة أدبية في مجلة يشرف عليها ملياردير صديق لزوجها. وهنا الجديد، جديد ظهر على ساحة الاستقصاء العام، حسابات المجلة بين سنتي 2011 و2013، حيث يلاحظ القارئ من اطلاع سريع على الوثيقة زيادة مهولة في حصيلة الأجر المدفوعة خلال هذه الفترة.
فكيف نفسر مثلا انتقال حصيلة حسابات المجلة العجيبة من 12719 يوروفـــي سنة 2011، إلى 58453 يورو في 2012، أي بارتفـــــاع مقداره 45734 يورو في عام واحــــد؟ نفسره بكل بساطة بانتقـــــال الســــيدة Pénélope إلى «فريق عمل» المجلة المكون أصلا من شخص واحد مستشارة أدبية، ليصبح عدد العاملين فيها اثنين. يتزامن «قدوم» «العاملة الثانية» في شهر مايو 2012 مع مغادرة زوجها منصب رئيس الوزراء في ماتينيون بعد هزيمة نيكولا ساركوزي في الانتخابات الرئاسية. وينضاف العجب إلى العجب في السنة الموالية 2013، حيث ترتفع الحصيلة مرة أخرى لتنتقل من 58453 يورو إلى 72427. أما في السنة التي تلتها 2014، فنعود إلى حصيلة مقاربة لحصيلة 2011، 15080 يورو «باختفاء السيدة فيون من المجلة»، كما يحسن كتابته الزميل صاحب المقال.
لكن العجب لا يتوقف هنا، وربما استشعره القارئ عندما رأينا ضرورة في الالتجاء إلى القوسين عند حديثنا عن «قدوم» « العاملة الجديدة» إلى المجلة.
أجل، فبعد استطلاع ميداني موسع اجراه كاتب مقال صحيفة «لا اكسبريس» أثناء الفترة المعنية، تبين ألا أحد من المستجوبين أمكن له أن يستحضر مواقف عاين فيها السيدة فيون في مقرات المجلة، سواء أكان على عنوانها الحالي، أم على عنوان مرحلي سابق استقرت فيه المجلة لفترة وجيزة. كل ما أمكن معاينته بالملموس «محضر» قراءة لم يتجاوز صفحتين موقعتين تحت اسم مستعار استعملته السيدة فيون بالـ«مناسبة».
أما الآن، فمع كلام الرجل الذي يقدم دفاعه في وجه القضايا التي تلاحقه على النحو التالي: «من أراد أن يهاجمني فليواجهني وجها لوجه، فقد تحصنت ضد هذه الأنواع من الهجومات الصادرة عن جهات ستتكشف لنا سريعا. ولكن ليترك هؤلاء زوجتي، وأريد أن أذكرها أمام 15000 شخص بأني أحبها». أكثر من نقطة قابلة للتفنيد في هذا الكلام، أولا عن «الجهات» التي يشير إليها من دون أن يحددها. وكيف يحددها وقد تغيرت بين ليلة وضحاها تقريبا، فبعد توجيه أصابع الاتهام إلى وسائل الإعلام والصحافيين، ها هو اليسار ينال نصيبه من التبكيت، غير أنه في الحالتين لا مبررات بيد فيون، تماما مثل الذي يحصل حتى الآن بخصوص وظيفة المساعدة البرلمانية والظروف المحيطة بعمل «المستشارة الأدبية».
قد يرد قائل «القضية تحت متابعة القضاء» لكن أيا كان الحال، ومن باب الأخلاق واللياقة، من الصعب على الرأي العام أن يسمع عن هذه المبالغ المهولة، من دون أن يكون رد فعله مدويا، خاصة بعد سماع أكثر من «درس تأديبي» يلقيه الرجل بخصوص تخفيض الإنفاق على موازنة الدولة.
أما عن مآخذ فيون على الصحافة استهداف زوجته كشخص، ففي منتهى السخافة. من حق الصحافة، خاصة الاستقصائية منها أن تؤدي واجبها من دون أن تتهم بشخصنة تحقيقاتها وهو ما لم تفعل.
وإذا كان الرجل وزوجته متأثرين إلى هذه الدرجة بمجرى أمور لا يمثل إلا مجرى عاديا من أطوار الحراك السياسي، فلا بد أن شعورا بعدم الثقة بدأ يتنامى لديهما ويبدو أنه يتعزز بمرور الأيام، فأجدى بهما في هذه الحالة اعتزال الحياة العامة إلى غير رجعة. وبأسرع ما يكون.
أما عن مصير اليمين الفرنسي، فلنتذكر ما يلي «إذا تراجع اليمين عن العدالة الاجتماعية فهي ليست ضائعة، بل وجب نبذها». والكلام لـJean d’Ormesson، أحد اشهر المفكرين الفرنسيين اليمينيين.
٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي
بيار لوي ريمون