قبل مئة سنة، في أيار 1916، قسّم شخصين، فرنسي وبريطاني، بقايا الامبراطورية العثمانية التي انهارت في الحرب العالمية الاولى. تقسيم الشرق الأوسط حسب كتاب جيمس بار «خط الرمال» تم بشكل أقل رسمية من النقاش في اللجنة القطرية لبنيامينا.
مارك سايكس الذي أدار المفاوضات في حينه أمام الممثل الفرنسي شارل بيكو، التقى مع القيادة البريطانية ومنها اللورد جيمس بلفور. بروتوكول تلك الجلسة يوضح بالضبط كيف تدحرجت الفوضى الحالية. «ما هو الاتفاق الذي ترغب في التوصل اليه مع الفرنسيين؟»، سأل بلفور، «أنا أريد أن احافظ على المنطقة جنوب حيفا»، قال سايكس وهو يشير إلى الخريطة. «وما الذي تريد أن تعطيه للفرنسيين؟»، تساءل اللورد. سايكس وضع اصبعه على الخريطة «أريد مد خط من الحرف الاخير لعكا حتى الحرف الاخير لكركوك»، قال وحرك اصبعه بخط مستقيم من هنا إلى هناك.
هكذا وبخط مستقيم قسم سايكس وبيكو الشرق الأوسط. فرنسا حصلت على لبنان وسوريا والجليل الاعلى وحصلت بريطانيا على الاردن والعراق والخليج العربي والضفة الشرقية وارض اسرائيل. في داخل كل دولة أقيمت على أيدي البريطانيين والفرنسيين، كانت مئات الحمائل والقبائل المتصارعة فيما بينها، سواء كمهنة أو كهواية.
الخط الذي وضعه سايكس كان مستقيما، والنتائج كانت سيئة وكارثية منذ ذلك الحين إلى الآن. القاسم المشترك بين المناطق التي سميت دول كان أنه في جميعها سيطر ديكتاتور محلي برعاية أسياده الاوروبيين. خلال مئة عام تقريبا كان هناك عداء بسبب الفوارق القبلية والدينية، التي اندلعت بين فترة واخرى داخل ما يسمى الدول. كل ذلك انتهى في شلال الدماء المسمى «الربيع العربي». في هذه الاثناء تحولت خطوط سايكس بيكو إلى نقاط لا يمكن لأي خط مستقيم أن يصل بينها. الدول القومية التي نشأت كانت مجرد خدعة، من سوريا إلى العراق والى افغانستان والخليج، حيث استمر الانفصال الديني والقومي. باستثناء الشعب اليهودي.
بعد سنة من توقيع اتفاق سايكس بيكو تم توقيع وعد بلفور. البريطانيون اعترفوا بالمؤسسات الصهيونية كممثلة لمصالح الشعب اليهودي في ارض اسرائيل. حاييم وايزمن واللورد روتشيلد قادا بمهارة السياسة الداخلية في بريطانيا ونظما الرعاية البريطانية. بن غوريون وقيادة الحاضرات قرأوا جيدا خريطة ميزان القوى وحصلوا على التأييد الدولي عن طريق الامم المتحدة حول حدود التقسيم. وفي السياق ايضا حول حدود الـ 1948 والـ 1967.
إن «م.ت.ف» الفلسطينية تعمل الآن كما عملت الصهيونية في تلك الايام. وهناك فرصة كبيرة لأن يفوزوا بالاستقلال ويضعوا حدود دولتهم. الامر الذي يمنعهم من تحقيق استقلالهم هو الانقسام الداخلي ومعارضة حكومة اسرائيل في الوقت الحالي.
استقلال دولة اسرائيل في تلك الايام اعتمد على وحدة الهدف وعلى القيادة الحكيمة والتكافل الاجتماعي، وباستثناء عدد من الخلايا السرية الهامشة، كان الشعب موحدا حول قيادة واحدة وسياسة خارجية وامنية واحدة. صحيح أن البريطانيين في البداية والأمريكيين فيما بعد اعتبروا دولة اسرائيل بمثابة كولونيالية ستدافع عن مصالحهم. لكن مؤسسي الدولة وما جاء بعدهم حتى حرب يوم الغفران، عرفوا كيف يخرجون من مسألة التعاون عناصر الاستقلال الاقتصادي والامني من اجل البقاء في عالم متغير ومعادٍ.
من لم يفهم تعقيد الحرب الوجودية، كان احزاب اليمين التي أدارت حتى اللحظة الاخيرة لحرب الاستقلال، الصراع الذي لا حاجة اليه ضد البريطانيين، كما يديرون اليوم معركة لا داعي لها وضارة ضد الأمريكيين وضد كل العالم. الوحدة الاسرائيلية الداخلية التي كانت المادة اللاصقة القومية تفككت مع صعود ائتلاف التفرقة لليكود، وهي آخذة في التحطم.
يقولون إن هذا هو اتحاد القبيلة البيضاء المتعالية. يحتمل. يحتمل أن مشاعر الاهانة والارث والدين قد فككت الوحدة ووحدة الهدف. الامر الواضح هو أنه في غياب الوحدة، حيث أن هوة تفرق بين الاهداف القومية، لا يوجد استقلال. خصوصا عندما يقوم طرف ديني قومي بفرض اهدافه على الطرف العلماني الليبرالي. صحيح أن الديمقراطية تسمح بوجود ديكتاتورية الاغلبية في الداخل. ولكن لسوء حظ اليمين الديني المحافظ فان العالم في اغلبيته هو يساري علماني ليبرالي، ليس فقط لأنه يطالب بحدود 1967 بل لأن التوجه الدولي هو أن مفاهيم الاستقلال المعروفة تفقد صلتها بين الحدود والقومية.
لا يوجد هنا تناقض لأن الصراع من اجل استقلال الفلسطينيين هو اصلاح للاجحاف. المزيد والمزيد من الناس في ارجاء العالم يعتبرون أنفسهم «مواطني العالم» قبل أن يكونوا مواطني دولتهم.
استطلاع دولي أجرته الـ بي.بي.سي شارك فيه 20 ألف شخص من 18 دولة يظهر أن التعاون الدولي في الاقتصاد يتطور. الناس ينظرون إلى الخارج ويطورون تفكيرا دوليا.
من الاستطلاع الذي أجراه معهد غالوب يتبين أن 56 في المئة ممن سئلوا في الدول النامية قالوا إنهم مواطنو العالم قبل أن يكونوا مواطني بلادهم. في نيجيريا قال 73 في المئة ذلك، وفي الصين 71 في المئة، وفي البيرو 70 في المئة وفي الهند 67 في المئة. وفي اندونيسيا كانت نسبة من قالوا عن انفسهم إنهم مواطنو بلادهم هي الاكثر انخفاضا، 4 في المئة. وفي المقابل، في ألمانيا مثلا، 30 في المئة فقط يتضامنون مع مواطني العالم، وهذه هي النسبة الاقل منذ 2001. الباحثون ينسبون ذلك إلى الازمة الاقتصادية الكبيرة في 2008 وازمة اللاجئين.
هناك مشكلة في تحديد مفهوم «مواطن دولي»، والمستطلعون اختاروا ابقاء المسألة مفتوحة لتفسير الاشخاص، لكن من الواضح أن مسألة الموقف الدولي آخذة في الازدياد.
وحول مسألة اللاجئين، 54 في المئة فقط من المستطلعين في ألمانيا قالوا إنهم يباركون اللاجئين السوريين. وفي بريطانيا قال 72 في المئة إنهم يستقبلون اللاجئين وفي اسبانيا 84 في المئة. في روسيا، في المقابل، 11 في المئة قالوا إنهم يوافقون على استقبال اللاجئين السوريين. وفي أمريكا الشمالية 77 في المئة رحبوا باللاجئين مقابل 55 في المئة من الأمريكيين. الله يحفظنا لو كان هذا الاستطلاع حدث في اسرائيل. ما كان سينقذنا هو أن اجابة 20 في المئة من مواطني اسرائيل العرب ستكون مع استقبال اللاجئين، ولكن ما صلتهم باستقلال دولة اسرائيل؟ دون الحديث عن الاستقلال حسب الحكومة الحالية، يوجد لهم استقلال وهم يجدون بسهولة شركاء حول الوجود الانساني في العالم الواسع. لماذا احتفل مع سموتريتش في يوم الاستقلال؟ قوموا أنتم بالاحتفال معه.
وللتذكير ـ ونحن نحتفل باستقلالنا ـ هناك 3.5 مليون فلسطيني يعيشون تحت الحصار والاغلاق. ويعتقد اريك آينشتاين أنه كانت هنا سعادة ذات يوم.
معاريف 13/5/2016