في الحلقة الماضية رأينا كيف قام محمد حسن الوزاني بمناقشة نظرية الحق الإلهي التي ظهرت في أوربا «لكي يبدد ما تقوم عليها من الأوهام والأباطيل وما يحوم حولها من الشبهات»، غير أنه بذلك فهو يريد أن ينزع المشروعية الدينية على السلطة العليا ليقرر حق الأمة في اختيار من يحكمها،وليعطي لموقع الإمام طابعا مدنيا صرفا، يستمد مصدر سيادته من الأمة، دون ادعاء العصمة أو وراثة النبوة، أو الحكم بمقتضى تفويض منها.
إلا أنه لا يشدد على استخلاص أن وراثة الحكم بدعة غريبة عن الإسلام، لأن في تقديم فكرة من هذا القبيل تحديا صريحا لقواعد اللعبة السياسية الداخلية، فالمؤسسة الملكية المغربية اعتمدت نظام تعيين ولي العهد من طرف الملك».
ولكننا مع ذلك، نعثر على نص صريح يعتبر بأن «الرئاسة السياسية لا تكون بالوراثة ولا بالتعيين، بل هي منتخبة على أساس الشروط الشرعية المرعية في الخلافة،وأن الشعب هومصدر السلطة الحاكمة بلا نزاع، وأن وظيفة الرئاسة السياسية خدمة مصالح الأمة العامة بمقتضى الشريعة، وأن نظام الحكم الإسلامي يقوم على الشورى، وأن الرعوية مستندة على الحقوق التي منها حرية الرأي بجميع أشكالها»، ويعتبر الوزاني بأن هذه الأصول ترجع إلى أصل واحد باعتباره جوهر المسألة السياسية، وذلك هو أن «الأمة مصدر الحكم والسلطان بلا جدال، وهذه الحقيقة الخطيرة هي عماد الديمقراطية الإسلامية الرشيدة».
ثم يستمر محمد حسن الوزاني في استعراض آثار «الحق الإلهي» ويعتبر أن من تجليات هذه النظرية في تاريخ المسلمين، ما ذهب إليه الشيعة من إجلال مفرط وتقديس مسرف لمنزلة الإمام، فالإمامة عندهم هي «منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء، إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول.. الإمام المطهر من الذنوب والمبرأ من العيوب..فهو معصوم مؤيد موفق مسدد، قد أمن من الخطأ والزلل، يخصه الله بذلك ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه»! ولكي يبرز مظاهر الانحراف العقيدي عند الشيعة واضطراب تصورهم لمنزلة الحاكم، يورد العديد من الأقوال المنسوبة إلى أئمتهم، والمختارة بدقة متناهية، ومنها ما قاله أبو عبد الله: «نحن شجرة النبوة، وموضع الرسالة،ومختلف الملائكة، وموضع سر الله، ونحن وديعة الله في عباده، ونحن حرم الله الأكبر، ونحن ذمة الله، ونحن عهد الله، فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد الله، ومن خفرها فقد خفر ذمة الله وعهده». ويورد الوزاني قولا منسوبا لأبي جعفر جاء فيه: «إن لله عز وجل عِلمين: علم لا يعلمه إلا هو، وعلم علمه ملائكته ورسله. فما علمه ملائكته ورسله فنحن نعلمه». إن هذا التعريف الذي يبسطه الوزاني لنظرية الشيعة في الإمامة، من خلال أقوالهم وأقوال غيرهم، كاستعراض التعريف الذي أورده ابن خلدون لهم، يندرج في إطار استراتيجية العرض والتجاوز التي يستعملها اتجاه «خصومه» التاريخيين الذين يوفرون سندا للاستبداد في الوقت الحاضر.
وللرد على هذه الأفكار يلتجئ الوزاني إلى الخليفة الأول في الإسلام، وهو أبو بكر الصديق ليعتمد على أقواله في الموضوع، وهذا الاختيار ليس اختيارا عشوائيا، بقدر ما هو استناد إلى العصر الإسلامي الأول المشهود له بالرشد بين المسلمين، ليعزز موقفه ويسنده من داخل التراث السياسي الإسلامي، حتى يكون رده ردا مفحما، بحيث يقتبس من أبي بكر قوله «إن الله ليس له شريك وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرًا ولا يصرف عنه سوءا إلا بطاعته واتباع أمره، فإنه لا خير في خيرٍ بعده النار، ولا شر في شر بعده الجنة».
ولكي يرجع الأمر إلى نصابه يندفع الوزاني لتوضيح موقع الخليفة في نظر أهل السنة، وهو الرأي الذي يتبناه هو شخصيا باعتباره مسلما سنيا يستمد جزءا من تصوره السياسي من الدين،وفي هذا الإطار يعتمد على قولة مطولة لأحمد أمين من كتابه «ضحى الإسلام» الذي يستشهد به في هذا المقام على سبيل التنويه، ونحن نقتطف منه بعض الجمل نظرا لغزارة الرسائل السياسية التي يتضمنها، ومن ذلك قوله: «الخليفة عند أهل السنة إنسان ككل إنسان، ولد كما يولد الناس، وتعلم أوجهل كما يتعلم الناس أو كما يجهل الناس، ليس له من مزية إلا أن كفايته وأخلاقه جعلت الناس يختارونه، أوأنه تلقى الخلافة ممن قبله، ليس يتلقى وحيا وليس له سلطة روحية، إنما هو منفذ للقانون الإسلامي، وقد ينحرف عن التنفيذ فلا طاعة له على الناس، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وليس له أن يشرع إلا في حدود القوانين الإسلامية وإلا فتشريعه باطل. ثم قد يجور وقد يعدل، وقد يتهتك ويشرب الخمر فيكون عاصيا. والمؤرخون أحرار في تشريحه كتشريح كل الناس، ويزنونه بنفس الموازين التي توزن بها أعمال الناس، وإن انحرف واستطاعوا عزله عزلوه».
إن الوزاني حينما يورد هذا الكلام لأحمد أمين مستعرضا بذلك نظرية أهل السنة، فإنه بذلك يوجه رسالة ذكية إلى من يهمهم الأمر محذرا إياهم من استنساخ التجربة الشيعية التي «تشل العقل وتميت الفكر، وتعطي الخليفة أوالإمام سلطة لا حد لها فيعمل ما يشاء وليس لأحد أن يعترض عليه (…) لأن العدل هو ما فعله الإمام، وهي أبعد ما تكون عن الديمقراطية الصحيحة التي تجعل الحكم للشعب، وتزن التصرفات بميزان العقل، ولا تجعل الخليفة والإمام والملك إلا خادما للشعب، فيوم لا يخدمهم لا يستحق البقاء في الحكم». إن هذه الجملة المقتبسة بعناية من أحمد أمين يراد لها أن تبرز مظاهر التأثير السلبي للتصور الشيعي لمنزلة الإمام، وترسم الديمقراطية كمثال أعلى لنموذج الحكم الذي ينبغي أن يقاس به مدى نضج أي تجربة سياسية.
ولكن الملفت للانتباه هو تبني الوزاني للفكرة الذي تعتبر الخليفة والإمام وكذلك الملك خادما للشعب، و»عندما يتراجع الحكام عن هذه الوظيفة، فهم لا يستحقون البقاء في الحكم»، فهذه دعوة مباشرة لمشروعية الخروج عن الحكام وعزلهم إن هم أساؤوا التصرف، إن ما يعزز هذا التأويل هوما ذهب إليه الوزاني في الأخير من أن «أهل السنة (وإن كانوا) أعدل وأقوم وأقرب إلى العقل (فإنهم) يؤاخذون مؤاخذة شديدة على أنهم لم يطبقوا نظريتهم تطبيقا جريئا، فلم ينقدوا الأئمة نقدا صريحا، ولم يقفوا في وجههم إذا ظلموا ولم يقوموهم إذا جاروا،ولم يضعوا الأحكام الحاسمة في موقف الخليفة من الأمة وموقف الأمة من الخليفة، بل استسلموا لهم استسلاما معيبًا فجنوا بذلك على الأمة أكبر جناية، ولكنهم كانوا أحسن حالا من الشيعة».
إن هذا الرأي المعبر عنه على لسان «أحمد أمين» يعكس البعد الثوري في قراءة الوزاني لنظرية أهل السنة إلى الخلافة. وفي فكره السياسي عموما، هذا الفكر الذي لم يكن ليعبر عن مفرداته الحقيقية بالوضوح الكامل، نظرا لاعتبارات سياسية مرتبطة بخصوصية النظام السياسي المغربي، ولكنه مع ذلك استطاع أن يفصح عن معالمه الكبرى سواء من خلال اقتباساته الذكية والممنهجة، أو من خلال أفكاره النظرية التي عبر بها عن أصول الحكم في الإسلام، والتي لا يمكن للفكر الدستوري المغربي المعاصر إلا أن يستلهم الكثير من عناصره منها.
٭ كاتب من المغرب
د. عبد العلي حامي الدين