لندن ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: أصبحت الكثير من أفلام الرعب مؤخرا تقتات على إثارة التقزز بدلا من إثارة الرعب النفسي الحقيقي، حيث أصبحنا نشاهد أفلاما تراق فيها الكثير من الدماء وتتقطع فيها الأوصال تحت مسمى الرعب مع حبكة واهية.
ولكن المخرج الأمريكي أري آستر يقدم في فيلمه «وراثي» (2018)، المعروض حاليا في دور العرض اللندنية، يعيد أفلام الرعب إلى أوجها النفسي، إلى ذلك الخوف الذي يجمد الدماء في الأوصال، ويجعلنا نجفل لأقل حركة تحدث في قاعة العرض ونحن نشاهد الفيلم.
«وراثي» هو أحد الأفلام القليلة التي ستزورك في منامك ليلا، وتقض مضجعك وتوقظك فزعا تبحث عن شربة ماء.
يقدم آستر في «وراثي» صورة لأسرة فيها من العطب النفسي الكثير، عطب يقارب الجنون، وينتهي بنهاية يبني لها طوال الفيلم، ولكنها حين تأتي تثير همهمات العجب وصيحات الخوف في آن. ولكننا طوال 90 دقيقة هي مدة الفيلم لا يسعنا إلا أن نقبض راحتنا فزعا وأن يتفصد العرق البارد من جباهنا خوفا. لا يفصح «وراثي» عن كل ما في جعبته من تشويق وخوف مرة واحدة، بل يبقينا على أطراف أصابعنا ترقبا ورغبة في المشاهدة، ليكشف تدريجيا ما يكتنف مصير هذه الأسرة المكلومة، وما الذي تخبئه الأقدار لها، وما أسباب هذه اللعنات التي حلت بها. نود لو كان باستطاعتنا أن نشيح بأنظارنا فزعا، ولكن أعيننا تبقى شاخصة أمام الشاشة، نترقب ما سيكشف عنه الفيلم، وتزيد موسيقى الفيلم، التي ألفها كولن ستيتسون، من ترقبنا وفزعنا.
تدور أحداث الفيلم حول آني غراهام (توني كوليت في أداء متميز للغاية)، وهي فنانة تشكيلية تعتمد في أعمالها على خلق نماذج مصغرة للغاية من المشاهد الحياتية. آني زوجة وأم لصبي وصبية، ولكنها فقدت للتو أمها التي كانت على خلاف وقطيعة معها، وتشعر بحزن بالغ لهذا الفقد. ما تشعر به آني تجاه أمها هو مزيج من ألم الفقد والغضب، كلها مشاعر مكبوتة لم تفصح آني عنها من قبل. تشعر آني بحنق ونقمة بالغة على أمها، خاصة أن الجدة الراحلة نجحت في استقطاب تشارلي (ميلي شابيرو)، ابنة آني، وأبعدتها عن أمها. أصبحت الجدة الراحلة بمثابة الأم لتشارلي بينما تعامل أمها ببعد وجفاء. وبعد وفاة أمها ودفنها، تشعر آني بحضور غريب في منزلها، كما لو أن روحا حلت فيه أو تلبسته، وتثير تصرفاتها التي تزداد غرابتها يوما عن يوم قلق زوجها ستيف (غابرييل بايرن) وابنها بيتر (ألكس وولف). في محاولة للتغلب على الحزن المصحوب بالغضب، تقرر آني الانضمام لمجموعة للدعم النفسي لمن فقدوا عزيزا. وهناك تلتقي بجوان (آن داود)، التي تقول إنها فقدت ابنها وحفيدها في حادث سيارة، والتي تقترح بلطف على آني أن تقيما جلسة للتواصل مع روح أمها، قائلة إن هذه الجلسات منحتها الكثير من السلام بعد فقد ابنها. وسريعا ما يطبق علينا الفيلم بذلك الإحساس من القلق والخوف والرعب، يزيد منها كل اختلاجة من اختلاجات وجه توني كوليت، وكل نظرة من نظراتها التي تبدو أنها توشك أن تنطق برعب لا تقدر صاحبته على التعبير عنه. يرفع آستر حدة الرعب والفزع والتلاعب العقلي والنفسي تدريجيا، لتبلغ إحدى ذراها بالنسبة لنا عندما يقود بيتر سيارته، بينما تنظر شقيقته التي تشعر بالاختناق من نافذة السيارة، فيباغتنا مشهد ارتطام رأس الفتاة بشجرة وبترها. نحن لا نرى الدماء ولا نرى من الحادث إلا صوته، ولكن الأجواء المحيطة تكفي لإثارة فزعنا التام. قد تكون خاتمة الفيلم وحل لغزه متوقعا وشاهدانه مسبقا في بعض أفلام الرعب الجيدة، لكن التميز في «وراثي» ليس في خاتمته ولكن في بنائه الذي يوصلنا إلى تلك الخاتمة.
يعيد آستر في فيلمه الأول، الذي كتب له أيضا السيناريو، إلى الأذهان ويستلهم أفلاما من كلاسيكيات أفلام الرعب، مثل «طفل روزماري» لرومان بولانسكي و«لا تنظر الآن» لنيكولاس روغ. تتضافر كل عناصر الفيلم من الإضاءة إلى التصوير إلى الموسيقي في خلق أجواء الرعب ومضاعفتها أضعافا. ولكن هذه العناصر مجتمعة ما كانت لتكون بهذا التأثير بدون الأداء المذهل لكوليت.