ورث عشق الأرض وفلاحتها أبا عن جد الحاج بركات يبوح بأسرار حب عمره ستة عقود

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: بدأت قصة الحب مع الأرض مبكرا، يوم كان في الخامسة ويمتطي الفرس «الصقلاوية» خلف والده ويرافقه بفلاحتها وفي وعيه تختزن ذكريات الطفولة والصبا. هذه مقدمة حديث الفلاح الفلسطيني من بلدة كفركنا، بركات مصطفى طه أبو مصطفى (71 عاما) حينما التقيناه في أرضه ليروي على مسامعنا قصة غرام تقيد نارها مع الأيام.
يستذكر أبو مصطفى بعض ما علق في ذاكرته يوم ظن أن بمقدوره هو أن يزرع ويحصد ويكسب، فزرع قرشا على أمل أن ينبت قرشين و«يحوش مصاري» كما يقول. يروي وتتسع ابتسامته ويزداد فرحه وهو في رحاب معشوقته يجني ثمارها الخضراء. حاول أن يجد رزقه في أعمال أخرى وما لبث أن عاد للحب الأول فـ «الزراعة تسري في دمي» يقول وعيناه تشع بما لا يقوى اللسان على التعبير عنه. بركات الذي يواظب على فلاحة الأرض في السهل والتلال المحيطة ببلدته الجليلية منذ ستة عقود لا تطفئ الأيام عشقه ويقول «آخر الدنيا» بالنسبة له عندما يصل مقثاته (أرضه) قبيل إشراقة الشمس بدقائق فيشعل النار ليعد قهوة الصباح ويرقب بزوغ الشمس على مهل.

في جوار الجبل

في السهل المسمى طرعان يفلح بركات عدة قسائم أرض، لكن أحبها إلى قلبها تلك المجاورة للجبل. هنا الأرض أكثر خصوبة لأن الجبل يطعمها بسيول الشتاء جرفه ومواده العضوية الطبيعية، ولأن حجارتها المتناثرة تعينها على الاحتفاظ برطوبتها الباطنية. بخلاف بقية «مقاثيه» في سهل طرعان المقابل لشجرة ناجي العلي (الشجرة في القرية التي ولد فيها الفنان العلي)، فإن أبو مصطفى يفلح مقثاته المجاورة للجبل على طريقة البعل المعتمدة على ماء السماء لكنه يرويها بعرق الجبين طيلة شهور حتى يرى الزرع فيها وقد أينع. لكن فرح الفلاح العاشق يبدأ قبل ميلاد ما تجود به محبوبته ويبوح بهذا الحب على طريقته فيقول إنه طالما كان يجلس بجوار بذرة الكوسى بعد زرعها بـ 16 ساعة(المدة التي تستغرقها كي تنبت) ويمتلأ إثارة ودهشة وسعادة وهو يرقب كيف تتحول إلى نبتة ويتابع وصفه بدقة «تنبت البذرة ساقا وما أن ترى نور الشمس حتى تورق ورقتين صغيرتين».
ومن الشمس ينتقل للحديث عن القمر فيقول استنادا لتجربته، إن المقثاة تضاعف ثمارها بعد ليلة قمراء إذ يتبدى لها الليل نهارا. يوم التقيناه كان نهاره قد ازداد رواقا بعدما «استفتح « بغزالين قدما لتناول نصيبهما من مقثاته. ويعرف بركات ماذا يريد ولا يدع الوهم يساوره، فعلاقته الوجدانية بالأرض مراميها ليست مادية. فهي كما يقول «بالكاد تجني القليل أكثر مما تستثمر بفلاحتها لكنها غذاء للروح». ويوضح أن سعادته تبلغ ذروتها حينما يعود للبلدة محملا بما تجود به الأرض فيحيط به أحفاده و «كأنني بابا نويل» فأوزع عليهم الثمار. ويضيف والحديث عن معشوقته ينسيه عطش وجوع الصيام في رمضان «بت أسيرا للأرض بعدما وقعت في حبها منذ صغري فأعمل فيها واستريح في عريشتي هذه وأبقى هنا من الصباح حتى المساء هي غذاء للروح ورياضة للبدن وهي رفيقتي طيلة العام وإن أغيب عنها في بعض أيام الشتاء. أحيانا تأتي بي أقدامي إلى هنا دون سبب. فهي بالنسبة لي كياني وعالمي».
يحرص أبو مصطفى على تحاشي المبيدات الكيميائية فلا يستخدمها سوى مرة واحدة قبل أن تزهر مزروعاته من كوسى وبندورة وبطيخ وشمام ولوبية وبامية وقرع وغيرها. ويوضح ذلك بالقول إن هذا ما يميز ثمار مقثاته عن المزارع العصرية، متحديا أن أجد خيارا بطعم خياره الطبيعي في كل العالم. ويبدي وعيا عميقا بمخاطر المبيدات والأسمدة الكيميائية ويوضح أن الإنسان اخترق الطبيعة وطوعها فباتت الأرض اليوم تعطي ثمارها أكثر بعدة أضعاف من الماضي بفعل عوامل منها المواد الكيميائية منوها للثمن الباهظ المنوط بذلك بالنسبة لصحة الناس.
ورث الحاج بركات قسائم أرض كثيرة من والده وهو ملاك كان معروفا في بلدته بكنية الصقلاوي بعدما اقتنى قبل نكبة 48 فرسا «صقلاوية» قوية البنية من لبنان. والخيول القادمة من جزيرة صقليا تعتبر أصيلة ويجلها الفلسطينيون وتتناولها بعض أهازيجهم الشعبية النسائية كالقول «إجتكوا الخيل الصقلاوية يا بنات».
وردا على سؤال لمن الأرض لمن يرثها أم لمن يزرعها؟ يتمهل الحاج بركات قبل أن يجيب وكعادته يستحضر قصة لإيصال رسالة فاستذكر هذه المرة قصة المرأتين اللتين ذهبتا إلى سيدنا سليمان ليحكم بينهما في أمر الولد الذي تركته أمه التي ولدته للمربية التي ربته. بعدها يؤكد أن الأرض لمن يفلحها ولا يهملها.
وهكذا كما في مسرحية بريخت (دائرة الطباشير القوقازية) تصبح وراثة الأرض أمرا غير مقنع لدى أبو مصطفى الذي يتحفظ على مقولة درويش «الأرض تورث كاللغة». أبو مصطفى المرتبط بعمره وكل جوارحه بالأرض يؤمن أن هجرانها يفقد صاحبها ملكيتها. لم يحظ أبو مصطفى سوى بدراسة بضع سنوات في الابتدائية كما الكثيرين من أترابه الناجين من زلزال النكبة، لكن الأيام أكسبته ثقافة وتجربة وحبا للشعر.
« لا أستطيع أن أترجم مشاعري لكلمات لكنني أكتب روايتي بفأسي ودموع عيني وعرقي كل يوم فأرث الأرض والمكان. من يكتب حكايته بالفأس والمنجل هو الوارث الأجدر للأرض صاحبة العجائب والغرائب لكثرة تنوع ثمارها وهي إن أعطيتها أعطتك أكثر».
يقول هذا وربما بإيحاء قصيدة «لماذا تركت الحصان وحيدا» وهو يشير لمستوطنة»بيت ريمون المجاورة والطامعة بالتوسع منذ قامت ضمن خطة تهويد الجليل قبل 40 عاما.
ويعود ويستوحي شاعر الفلسطينيين الأول ليعبر بلغته عن تطور الباقين في وطنهم كما وكيفا بسواعدهم وتضحياتهم : «فعلا انتشرنا كالنمال على الحصيرة… ثم أصبحنا خيولا تسحب العربات». كما ترى ففلاحة الأرض هنا عبادة وبدونها تتضاعف مخاطر المصادرة فشهية المستوطنين الجدد مفتوحة على السلب والنهب.

ورث عشق الأرض وفلاحتها أبا عن جد الحاج بركات يبوح بأسرار حب عمره ستة عقود

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية