الناصرة ـ «القدس العربي»: لكل بلدة فلسطينية أوراقها التي حولت الصهيونية لسجل أحمر بفعل جرائم اقترفتها وما زالت تمعن بها منها كفر قاسم التي ذبحت ذات المساء ولم ترحل ولم تمت.. لأن «من خلف ما مات» كما يقول المثل. فتعدادها تضاعف بما يثير هوسا ديمغرافيا في دولة تصر على أن تكون يهودية.
الحاج محمود محمد فريج (أبو الأمين) من كفر قاسم داخل أراضي 48 يبلغ هذا العام السادسة والثمانين لكن ذاكرته ما زالت تعينه على استعادة صفحات سوداء من تاريخ إسرائيل، عمرها ستة عقود. روى أبو الأمين لـ «القدس العربي» مأساته التي ترفض إسرائيل الاعتراف بها وتحمل مسؤوليتها وتعليمها في المدارس وأنامله تداعب مسبحته وكأنها تعينه على تخفيف الغضب والتوتر المتصاعد داخله. بروايته التي يحفظها بالتفصيل اللافت وبكثير من الغضب الداخلي قال «عدت مساء الإثنين في 29.10.56 لبلدتي كفر قاسم برفقة شقيقي أحمد وصديقين علي عثمان علي وعبد الله سمير بدير، كل على دراجته من العمل في مقلع مجاور. سيارة جيب لحرس الحدود الإسرائيلي كانت تقف في مدخل البلدة الغربي عند الخامسة مساء من ذاك اليوم ما لبثت أن داهمتنا. فتح الجنود النار علينا ببنادقهم فسقط أرضا. أصبت بساقي برصاصة واستشهد شقيقي أحمد وصديقه علي. خلال ذلك سمعت أحد الجنود الثلاثة يأمر زميليه بإطلاق رصاصة واحدة بالرأس لكل منا حفاظا على الذخائر. عندئذ انتظرت الرصاصة بالرأس ولكن شاء القدر أن مرّ في تلك اللحظة عثمان حماد عيسى وشقيقه مع أغنامهما فانشغل الجندي القاتل بهما وأفرغ رصاصه بهما وتركنا وخلال ذلك مشى عبد الله سمير بدير بين الأغنام على قدميه ويديه فنجا». أما أنا فتظاهرت بأنني ميّت مستغلا الظلام وكنت كل الوقت أفكر بابنتي الطفلتين بعد مماتي. كنت أعزي نفسي بأن والدي سيكون والدا لهما في حال موتي. أهل البلدة العائدون من أعمالهم توافدوا للبلدة وتعرضوا لذات المصير. كنت أسمع استغاثات الأهالي العائدين قبل إعدامهم وأتعرف على هويتهم من أصواتهم وفي سري كنت أقول «الله يرحمهم». كنت أسمع بكاء الطفل ابن محمد سليم صرصور الذي كان داخل سيارة البنات وينادي بعد إصابته «يابا .. يابا» وبعد قليل جاء الجندي وأطلق رصاصة في رأسه. بعد ساعة من السكون المرعب وبعد أن تيقنت من مغادرة الجنود قمت وغطيت دمائي على الأرض بالتراب كي لا يستشعروا بهربي. اختبأت تحت شجرة وكنت أغمض عيني وما ألبث أفتحهما وعقلي لا يصدق ما شهدت وسمعت وعند الفجر زحفت نحو أقرب منزل لصاحبه صبحي صرصور ودخلته ومكثت فيه حتى يوم الأربعاء. كانوا قد أبلغوا والدي بنجاتي فجاء بحالة هستيريا وكنت أسمع والدي يخاطب أمي معزيا: راح أحمد وفضل محمود يا عائشة.. زغرتي يا عائشة راح واحد وظل واحد». ولا تقل شهادة الحاج اسماعيل عقاب بدير أبو عزمي (85) ترويعا منوها أنه كان عائدا في ذاك المساء من عمله في سوق الخضراوات في الرملة حينما اصطدم بثلاثة جنود ملثمين في مدخل كفر قاسم. ويستذكر والاحتقان باديا في وجهه كيف أوقف الجنود كل من وصل في طابور ولما بلغ الحاجز ابن بلدته سليم أحمد بدير قالوا له: «صف يا كلب» ..وما لبث الضابط أن أصدر أمره بالعبرية: احصدوهم وفعلا فتحوا النار علينا وكنت أسمع سليم يصرخ «يا أولادي..».
ويتابع بشهادته المبللة بحسرة لم تتبدد «سارع الجنود لنقل الجثث من الشارع نحو كرم زيتون مجاور فتظاهر بالموت بعد إصابتي بساقي. عندها سمعت أحد الجنود يقول عبر جهاز اللاسلكي: لقد قتلنا أكثر من عشرين وكان القائد يجيبه: أكملوا ..أكملوا. زحفت وسط العتمة حتى تسلقت شجرة زيتون قريبة ومكثت طيلة يومين عليها بعد أن لففت موقع الجرح بخرقة» ويضيف «مكثت على الشجرة حتى شاهدت إمرأة تمر قريبا مني فألقيت بنفسي أرضا صباح الخميس فاستدعت أهل البلد الذين نقلوني للمستشفى حيث بترت ساقي».
اسم العملية: «خلد» والهدف: تهجير
وفي 25 تشرين الأول/اكتوبر عام 1991 الذي صادف مرور 35 عاماً على وقوع المجزرة التي ارتكبتها إسرائيل تحت غطاء حرب العدوان الثلاثي على مصر، كشف الصحافي الإسرائيلي روبيك روزنتال في صحيفة «حداشوت» الإسرائيلية حقيقة ملابسات المذبحة، وذلك بعد إجرائه بحثاً حولها لغرض كتابة مسرحية حول الموضوع، فالتقى الكثير من الشخصيات الضالعة بالموضوع، وسمح له بقراءة محاضر محكمتي ملينكي والعقيد شدمي في الأرشيف التابع للجيش الإسرائيلي، ووثائق لم يكشف عنها قبل ذلك. ويقول روزنتال إنه ليس من الممكن فهم المذبحة دون معرفة «المخطط العسكري المذهل» الذي شكل الخلفية لها، والذي يحمل اسم «خلد». واستهدف هذا «المخطط المبيت» إخلاء المواطنين العرب من المثلث. وإسرائيل حتى اليوم تتهرب وترفض الاعتراف بالمجزرة وتبعات مسؤولياتها بالنسبة لأهالي كفر كقاسم وشقيقاتها هنا وكل الشعب الفلسطيني.
وديع عواودة