تونس ـ «القدس العربي»: أكد وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي رفض بلاده لأي تدخل عسكري عشوائي في ليبيا مشددا على ضرورة إيجاد حل سلمي بين الفرقاء الليبيين. وأكد ان تجربة التوافق التونسية أنقذت البلاد من مخاطر الاقتتال الأهلي. ورأى في حديثه لـ «القدس العربي» ان القضية الفلسطينية تراجعت ودفعت الثمن الأكبر لما يجري في العالم العربي. وأوضح أن هناك مبادرات واجتماعات تمت مؤخرا بين وزراء الخارجية العرب من أجل إعادة وتفعيل العمل العربي المشترك.
○ عارضتم بشدة الحرب والتدخل العسكري الأجنبي في ليبيا، فهل توضح لنا موقفكم وما هي استعدادات تونس لهذه الحرب؟
• نحن ضد التدخل الأجنبي العشوائي، ولكن القضاء على الإرهاب هو من مصلحة الجميع. ليبيا ودول الجوار وحتى الدول الأوروبية متخوفة من تمدد هذه الجماعات الإرهابية داخل القطر الليبي. ونحن مع القضاء على الإرهاب من قبل الليبيين أنفسهم. وإذا ما حصل أي تدخل عسكري فلا بد أن يكون في إطار الشرعية الدولية وعبر مجلس الأمن، أو أن تطلب حكومة التوافق الشرعية من الأطراف الأجنبية التدخل وهذا شأن ليبي وليس لنا التدخل به. أما عن استعداداتنا فنحن نتهيأ لكل السيناريوهات المحتملة.
○ وكيف ستتعاملون مع مخاطر تسلل إرهابيين عبر الحدود؟
• لقد أعددنا خططا إنسانية وأمنية وهي جاهزة للتصدي لكل المصادر التي يمكن ان تنجم عن أي تدخل عسكري محتمل في ليبيا وذلك بمشاركة كل الوزارات المعنية من دفاع وداخلية وغيرها..وهنا أريد أن ألفت ان من حق تونس ان تطلب مساعدة ودعم المجتمع الدولي للتعامل مع أي أزمة مستقبلية تتعلق باللاجئين والنازحين الليبيين الهاربين من المعارك ان وقعت.
○ وماذا عن تحضيرات تونس لاستقبال اجتماع دول جوار ليبيا؟
• لقد تم الاتفاق على أن ينعقد الاجتماع في 21 و 22 آذار/مارس وستكون هناك مشاركة لكل الدول المجاورة لليبيا والمعنية بهذا الملف وهي تونس والجزائر ومصر وتشاد والسودان وليبيا أيضا. ويهدف الاجتماع لإيجاد صيغة لتشجيع الليبيين على التوافق ومساندة الحكومة الجديدة – ان تشكلت- لاستلام مهامها والاهتمام بالقضايا الشائكة وعلى رأسها مكافحة الإرهاب.
وهنا أريد ان اؤكد أن دول الجوار حريصة على وحدة ليبيا وتوافق الليبيين فيما بينهم وقد ذهبنا إلى الجزائر وطلبنا ان تكون هناك لحمة وموقفا موحدا من الأوضاع في ليبيا والشيء نفسه مع المغاربة. فنحن نؤيد الحل السياسي في ليبيا باعتبار ان كل تجارب التدخل الأجنبي الخارجي كانت فاشلة في المنطقة وعواقبها وخيمة، ولك فيما يحدث في سوريا والعراق أفضل مثال على ذلك.
○ كيف هو التنسيق اليوم بين تونس والجزائر فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب؟
• علاقتنا مع الجزائر متميزة، وخلال زيارتي الأخيرة حملت رسالة من الرئيس الباجي قائد السبسي تأتي في إطار العودة إلى سنة التشاور مع الأشقاء والجيران حول القضايا ذات الاهتمام المشترك. وقد أخذ الملفان الليبي والإرهاب حيزا هاما من المحادثات مع المسؤولين في الجزائر. وهناك تعاون وتنسيق أمني بين البلدين على أعلى مستوى.
○ كيف تقرؤون تجربة التوافق التونسية وفي رأيكم هل يمكن ان تصبح نموذجا للدول الأخرى العالقة في حروبها وفتنها الداخلية؟
• حصل التوافق في تونس نظرا لطبيعة المجتمع التونسي. فهناك تراكمات تاريخية وبيئة شجعت على هذا التوافق من طبقة وسطى وامرأة تتمتع بحقوقها وتعليم. فهذه المقومات دفعت التونسيين نحو التوافق وكانت بالفعل صمام أمان أنقذ تونس. والحمد الله نجحنا في القيام بانتخابات حرة وديمقراطية انبثقت عنها حكومة منتخبة ورئيس جمهورية منتخب. ونؤكد، نحن لا نريد ان نصدر تجربتنا، لكن نقول بصراحة هذه التجربة على المستوى الداخلي مهمة جدا وأعطت دفعا لنا على مستوى العمل الدبلوماسي في إطار ما يسمى بالقوة الناعمة. ونتمنى على أشقائنا في الدول الأخرى ان يستلهموا من هذه التجربة التي نجحت في تونس، ونلنا بها جائزة نوبل للسلام . واليوم لمسنا تشجيعا من الأطراف الأجنبية والمجتمع الدولي لأنهم رأوا أن هذا النموذج ناجح ويمكن ان يكون مصدرا للاستئناس به في تجارب أخرى.
في سوريا مثلا تقاتلوا أكثر من خمس سنوات دون الوصول إلى حل. ولكن الآن وصلت الأطراف المتصارعة إلى قناعة بأهمية الجلوس على طاولة واحدة. واعتقد ان هناك حكمة في ذلك. فنحن لم نتقاتل وجلسنا حول مائدة واحدة ونال الرباعي الراعي للحوار بسبب ذلك جائزة نوبل للسلام. ونحن نطلب من الليبيين ان يأخذوا بهذه التجربة ويتوافقوا فيما بينهم ويعطوا الأولوية لمصلحة ليبيا قبل التوجهات السياسة أو الايديولوجية وغيرها، فسوريا وليبيا قبل كل إعتبار.
○ جائزة نوبل هل غيرت صورة تونس في الخارج؟
• سنلتقي مع الرباعي الراعي للحوار قريبا للتباحث في كيفية استثمار هذه الجائزة، فهؤلاء هم سفراء تونس في الخارج، وجائزة نوبل هي أحسن رد على الإرهاب وعلى عملية سوسة. جائزة نوبل للسلام بكل رمزيتها هي أهم رسالة للخارج ويجب ان يكون التونسيون فخورين بما تم انجازه في تونس، وما علينا إلا أن نجتمع مهما كانت مشاربنا ونتوحد لمصلحة البلاد.
○ كيف هي العلاقات اليوم بين تونس ودول الخليج وما صحة الحديث عن أزمة مع الإمارات؟
• الحديث عن أزمة مع الإمارات غير صحيح وعلاقتنا معها متطورة جدا وعلاقتنا مع كل الأشقاء في الخليج أيضا متميزة وتونس تبقى حريصة على أمن واستقرار الدول الشقيقة. ونحن نتفهم حرص الأخوة الإماراتيين على أمنهم وأمن بلادهم وذلك هو سبب التشدد في إعطاء التأشيرات.
○ كيف هي العلاقة اليوم بين وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية
ومن يحدد اليوم السياسة الخارجية للبلاد؟
• الدستور واضح في هذا المجال ورئيس الجمهورية هو من يحدد التوجهات الكبرى للسياسات الخارجية لتونس والحكومة مطالبة بتنفيذ هذه السياسة ووزارة الخارجية هي جهاز لتنفيذ السياسة الخارجية. التسميات في المناصب العليا يتكفل بها وزير الخارجية ورئيس الدولة بالتشاور مع رئيس الحكومة. وأنا همزة الوصل بين رئيس الدولة الذي هو السلطة الدستورية المكلفة دستوريا بصياغة السياسة الخارجية ورئيس الحكومة الذي يشرف على الحكومة. وبصفتي كنت مستشارا دبلوماسيا لرئيس الجمهورية فقد ساعدني ذلك على فهم توجهاته وأؤكد ان العلاقات اليوم يسودها التناغم.
وكما قلت السياسة الخارجية هي محل توافق ولا يمكن ان تكون محل جدل لانها صورة تونس في الخارج.
وفي الديمقراطيات العريقة لا يكون هناك اختلاف كبير حول التوجهات الكبرى. ففي الولايات المتحدة ومع انتقال الحكم بين الديمقراطيين والجمهوريين لا تتغير السياسة الخارجية للبلاد والشيء نفسه بالنسبة لفرنسا. وسياستنا الخارجية يجب تكون مدعومة من كل الأطراف بما في ذلك الإعلام والمجتمع المدني والبرلمان ونحن بصدد صياغة آليات في وزارة الخارجية لننسق بين مختلف هؤلاء المتدخلين. فعلى سبيل المثال دور البرلمانيين مهم جدا في دعم السياسة الخارجية التونسية والمجتمع المدني له دور مهم جدا ونحن بتونس نتكلم بصوت واحد ونتفاعل مع مختلف هؤلاء الأطراف لكي نتمكن من صياغة سياسة خارجية أكثر نجاعة والهدف هو ان تكون السياسة الخارجية أداة في دعم أمن تونس والنهوض باقتصادها.
○ ما تفسيركم لتصدر التونسيين اعداد الإرهابيين في سوريا والعراق، ولماذا انخرط الشباب التونسي في دوامة الإرهاب؟
• هذا قول اعتقد فيه تهويل، إذ ليست هناك إحصاءات دقيقة حول أعداد المقاتلين والإرهابيين. وبعد 2011 تم تدليس عديد جوازات السفر من قبل عدد من الإرهابيين وجاءتنا معلومات من بعض الأطراف أن هناك أشخاصا قدموا انفسهم كتونسيين وهم ليسوا تونسيين. وبالتالي ليس من الثابت ان التونسيين بهذا العدد الكبير. صحيح هناك تونسيون لكن هناك علامة استفهام كبيرة حول أعدادهم الحقيقية. وهناك تكفيريون فرنسيون وألمان ومن جنسيات أخرى فلماذا يقع التركيز على التونسيين فقط؟
○ ما هي استراتيجيتكم لمكافحة الإرهاب؟
• هناك لجنة على مستوى وزارة الخارجية التونسية اشتغلت على ملف الإرهاب وقدمت وثيقة بصدد الدرس، ولكن متابعة الإرهاب هي شأن وطني وليست من مشمولات الخارجية فحسب، والدولة التونسية بصدد الاعداد لمؤتمر حول الإرهاب.
○ هناك تنافس أمريكي فرنسي على شمال افريقيا والشرق الأوسط أين تونس في خضم هذا الصراع؟
• الدول تتعامل مثلها مثل البشر، فهناك تنافس بين البشر وكل طرف يريد ان تكون له الأسبقية. فيما يتعلق بتونس نعتبر فرنسا شريكا قديما كما ان لدينا علاقات متميزة مع أمريكا تتعزز أكثر.
○ وهل يثير ذلك حفيظة فرنسا؟
• أبدا لم نشعر بحفيظة من الفرنسيين، ولدينا سيادة وقرارنا سيد ونحن من يقرر في إطار تعدد الشراكات والأهم في كل ذلك هو مصلحة تونس، وتطوير علاقتنا مع الولايات المتحدة لا يتعارض مع تطوير علاقتنا مع فرنسا التي زارها رئيس الجمهورية أيضا وهناك علاقات وطيدة ومتطورة واستعداد من جانبنا لتطبيقها.
○ ماذا عن الدبلوماسية الاقتصادية وأين وصلت الاتفاقات التي وقعت في عهد سلفكم المنجي الحامدي مع روسيا؟ ولماذا تأخرت زيارة بوتين إلى تونس؟
• أولا لم تكن زيارة بوتين إلى تونس مطروحة. بوتين سلمت له دعوة لزيارة تونس لكن هناك فرقا بين تسلم دعوة وبين القيام بزيارة. علاقاتنا مع روسيا هامة ومتميزة، والتبادل التجاري بيننا وبين روسيا يفوق المليار دولار. وستكون لي زيارة إلى روسيا يوم 14 اذار/مارس بدعوة من وزير الخارجية سيرغي لافروف، وستكون لنا لقاءات مع المسؤولين الروس حول دعم علاقاتنا الثنائية ودعم التبادل التجاري خاصة على مستوى السياحة لاستقطاب السياح الروس وتبادل الأفكار حول القضايا المهمة التي لروسيا فعل وتأثير كبير فيها مثل الملف السوري والإيراني وفلسطين، وستكون فرصة لتبادل الآراء مع لافروف والمسؤولين الروس حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، وستنعقد اللجنة المشتركة آخر شهر آذار/مارس.
○ ماذا عن العلاقة مع افريقيا هل لديكم خطط لتنشيطها؟
• نحن الآن بصدد اعداد خطة تجاه افريقيا، وهناك العديد من المواعيد المبرمجة. بعد أسبوع سيزورنا وزير خارجية الكاميرون لتنشيط العلاقات مع هذا العمق ونعطيه اهتماما أكبر. وهناك لجنة مشتركة تونسية ايفوارية ستعقد في نيسان/ابريل. ودعونا السفراء الافارقة المتواجدين في تونس يوم 17 من الشهر الجاري ضمن لقاء تحسيسي باهمية التعاون في المجال الاقتصادي مع بلدانهم. هناك خطة أيضا في طبيعة الحال تجاه أوروبا. لدينا مجلس الشراكة التونسي الأوروبي سينتظم يوم 18 نيسان/ابريل المقبل ونحن بصدد الإعداد لهذا المجلس الذي يقع في مستوى وزير الخارجية ووزراء الخارجية الأوروبيين في لوكسمبورغ، كي نضفي بعدا جديدا لعلاقاتنا مع الاتحاد الأوروبي.
○ خلال زيارة وزير الخارجية العراقية حصل اتفاق بتسلم إرهابيين تونسيين في السجون العراقية فهل توضح لنا أكثر؟
• لدينا 15 سجينا تونسيا في السجون العراقية وكلفنا محامين عراقيين ليتابعوا ملفاتهم، ولدينا معلومات من أطراف تونسية أن بينهم 6 محكومين بالإعدام، وطرحنا الموضوع أمام وزير الخارجية العراقي الذي أكد لنا ان ليس هناك أي تونسي محكوم بالإعدام.
وطلبنا منه بصفة رسمية تسهيل الإجراءات لتمكين عائلات هؤلاء التونسيين من زيارة أولادهم ووعد بالمساعدة في ذلك، وطلبنا منه أيضا عندما تستوفى المحاكمات والإجراءت في العراق ان يتم نقل باقي المحكومين إلى تونس لإكمال مدة الحكم.
○ وهل هؤلاء معتقلون على خلفية قضايا إرهابية؟
• هي قضايا متنوعة، والشؤون القنصلية تتابع الموضوع. وكلفنا محامين في العراق لتتبع قضاياهم.
○ هل نحن اليوم أمام سايكس بيكو جديد أو معدل للمنطقة؟
• لا اؤيد كثيرا التحليل الذي يقول أننا دائما مفعول بنا والآخرون يقررون عنا.
○ لكن الخرائط التي تعد اليوم للمنطقة قديمة وتعود إلى اكثر من مئة عام؟ فإلى أي مدى سنظل نلعب دور المفترج دون فعل، وأين هو العمل العربي المشترك تجاه القضايا المصيرية؟
• اعتقد ان العمل العربي المشترك هو في حالة وهن وهذه إشكالية كبيرة. ورغم ذلك ثمة بوادر خير. فقبل شهر اجتمعنا في إمارة أبو ظبي في إطار خلوة لوزراء الخارجية العرب وذهبنا إلى هناك بصفة غير رسمية. وكانت هذه أول مرة ينعقد فيها مثل هكذا اجتماع وذلك للنظر في مشكلة العمل العربي المشترك. وللأسف فإن القضايا الأساسية العربية أصبحت تدار خارج الإطار العربي.
○ أين القضية الفلسطينية اليوم ولماذا تراجع موقعها؟
• للأسف القضية الفلسطينية أكبر خاسر من كل ما يجري، لان إسرائيل ليس أمامها أي عائق. وأريد ان أشير هنا إلى مشاركتي في جاكرتا في قمة المؤتمر الإسلامي التي ستكون مناسبة لتأكيد دعم تونس للقضية الفلسطينية وقضية القدس كقضية تحرر وطني، ونحن ندعم معركة اشقائنا الفلسطينيين ليسترجعوا حقوقهم الكاملة في فلسطين.
○ كيف تنظرون إلى ما يحصل في سوريا؟
• سوريا بلد شقيق ومهم ولنا أمل، شأنها شأن ليبيا، بان تسترجع وحدتها ومستقبلها. وسوريا دولة مهة جدا على المستوى الإقليمي وعلاقتنا مع سوريا ليست مرتبطة بأشخاص بل مع الشعب السوري الشقيق، ولدينا علاقات تاريخية معه ونحن نريد ان يسترجع استقراره. وأعتقد ان هناك بوادر أمل ونأمل ان تكون الهدنة بداية خير حتى يستتب الأمن في سوريا.
اقتباسات
السياسة الخارجية هي محل توافق ولا يمكن ان تكون محل جدل لانها صورة تونس في الخارج
جائزة نوبل هي أحسن رد على الإرهاب وعلى عملية سوسة
القضية الفلسطينية أكبر خاسر من كل ما يجري
روعة قاسم