وزير الخارجي التونسي منجي الحامدي لـ «القدس العربي» نحن ديمقراطية ناشئة وليس لحزب الأغلبية أن يقصي باقي الأحزاب

حجم الخط
1

تونس – «القدس العربي»: أعرب وزير الخارجية التونسي منجي الحامدي عن ثقته بأن مستقبل تونس سيكون واعدا، مشيرا إلى أن المرحلة الحالية تتطلب ترسيخ نوع من الديمقراطية التوافقية. وهذا الأمر يتطلب إشراك كل الاحزاب في المسار الانتقالي. وقال أن الحكومة الحالية تعمل على ترسيخ دبلوماسية «صفر مشاكل» مع جميع الدول، لافتا إلى أن الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة تتطلب تعاونا على أعلى مستوى مع كل الدول المعنية. وعن رؤيته للحل في ليبيا، ركز المنجي الحامدي على ضرورة تعزيز القنوات الدبلوماسية لترسيخ المصالحة بين كل الأطراف، مبينا أن المعارك لم تتوقف منذ أربع سنوات وهذا يظهر – بحسب رأيه – أن الحل لن يكون إلا سياسيا من خلال الجلوس الى طاولة الحوار الوطني. في هذا اللقاء مع «القدس العربي» يوضح رئيس الدبلوماسية التونسية أيضا ملامح السياسة الخارجية لبلاده في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

○ احتضنت تونس مؤخرا المؤتمر الدولي «استثمر في تونس» ، فما هي أبرز نتائجه وهل حقق النجاح المأمول؟
• هذا المؤتمر هو رسالة طمأنة للخارج ويهدف إلى اطلاع المستثمرين والدول المعنية على رؤيتنا الاقتصادية لتونس، كما أنه بمثابة العرض للمجالات الاستثمارية الواعدة التي تتوفر في بلادنا.
ورغم أن حكومتنا مؤقتة إلا أنها ارتأت بإيعاز من الرئيس مهدي جمعة أن تركز في المرحلة الحالية على الاقتصاد. فبعد أن دخلت البلاد مدة ثلاث سنوات في التجاذبات السياسية، كان لا بد من التركيز على بناء المرحلة المقبلة من خلال النهوض بالاقتصاد. وهذا الأمر لا يتم بصورة اعتباطية بل يتطلب رؤية واضحة ودقيقة والتزاما على أعلى مستوى . وقد قدمنا خلال المؤتمر الذي عقد في الثامن من أيلول/سبتمبر برنامجا دقيقا يتضمن هذه الاستراتيجية التي تشمل كل المجالات، الطاقة، والبنية التحتية، والتعليم والتربية والصحة، وكل مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وتم عرض هذه البرامج على المشاركين في المؤتمر حيث لمسنا اهتماما كبيرا من كبار رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية والدول المشاركة، بالاستثمار في تونس بسبب موقعها الاستراتيجي وأيضا بسبب الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها . أردنا من خلال هذا المؤتمر أن ننسج علاقات شراكة ندية مع الخارج في إطار دبلوماسية تقوم على مبدأ «صفر مشاكل» مع دول الجوار والعالم. ولدينا ثقة كبيرة بأن المستقبل واعد لتونس .
○ كيف يسير اليوم التنسيق بين دول الجوار الليبي من أجل مواجهة آثار الأزمة الليبية على هذه البلدان؟ وماهو الحل في رأيكم لإنهاء حالة اللا استقرار في هذا البلد ومواجهة خطر الإرهاب؟
• تونس كانت من أولى الدول التي طرحت مبادرة لمساعدة الأخوة الليبيين لإيجاد حل سلمي لأزمتهم. وأنا شخصيا تشاورت مع أكثر من عشرين سفيرا ورئيس وزراء بالنسبة للدول المهتمة بالشأن الليبي. وكتبت رسالة الى الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام للجامعة العربية ومفوضية الإتحاد الأفريقي تتضمن طلبا عاجلا للتحرك من أجل مساعدة ليبيا وتشجيع أبناء هذا البلد على البدء في حوار وطني وذلك قبل احتدام الأوضاع وتطورها بشكل خطير. لأننا نعتقد ان الحل الوحيد للأزمة الليبية لا يمكن ان يتم إلا عبر القنوات الدبلوماسية من خلال إقامة حوار وطني يرسخ المصالحة بين كل الأطراف.
○ وهل يمكن لتجربة التوافق التي حصلت في تونس ان تنجح في ليبيا؟
• الوضع في ليبيا معقد جدا ومختلف لان هذا البلد يفتقر الى مؤسسات ومجتمع مدني وهناك صعود للمعطى القبلي. لكنني اشدد دائما على ان الحل يستحيل ان يكون عسكريا ونحن نسعى في إطار دول الجوار الى حل هذه المسألة سلميا .
لان هذه الدول معنية بالدرجة الأولى بتداعيات الأزمة الحاصلة في هذا البلد خاصة على المستوى الأمني والاقتصادي والاجتماعي. في تونس مثلا نتعامل مع المسألة الليبية مثلما نتعامل مع المسائل الوطنية انطلاقا من ان أمن تونس من أمن ليبيا ولا استقرار لأوضاعنا طالما هناك عدم استقرار في ليبيا. ولن يكون اقتصادنا قويا طالما هناك مشاكل في الجوار لان المستثمرين التونسيين والأجانب يخشون من حالة عدم الاستقرار. لهذا السبب وحفاظا على السلامة الترابية لليبيا، تسعى تونس بكل ما أوتيت من جهد في إطار دول الجوار لإيجاد حلول ترتكز على الحوار الوطني.
○ هل لديكم معلومات بخصوص تسلل إرهابيين الى الحدود ومخاطر من تهديدات إرهابية بالتزامن مع حلول ذكرى 11 سبتمبر؟
•لقد رفعنا من درجة الإستعداد الأمني على كل الشريط الحدودي كذلك رفعنا من حالة التأهب على المعابر الليبية – التونسية .
○ وهل وصلتكم تهديدات بشأن حصول عمليات إرهابية؟
• التهديدات يومية وتحصل بصفة متواصلة وقد أحبطنا العديد من المخططات التي كانت ستحصل في تونس.
○إلى أي مدى يمكن القول أن هناك ثلاث سياسات خارجية لتونس اليوم: واحدة لحكومة التكنوقراط وواحدة للرئاسة وأخرى لحركة النهضة؟
•هناك سياسة خارجية واحدة وهي سياسة الحكومة الرسمية. بعض الأحزاب تمارس نشاطها السياسي وهذا من حقها لكن هؤلاء يمثلون أحزابهم وليس الدولة التونسية. حتى لو كان نشاطهم يصب في صالح المصلحة الوطنية لكن هم يمثلون احزابهم فقط. والذي يتكلم باسم تونس هو الحكومة والوزارة المختصة.
وهنا أريد أن ألفت إلى أن الأحزاب اليوم تخوض حملات انتخابية لكسب تأييد الناخبين. فمن حق هذه الأحزاب أن تلمع صورتها ولكن هذا لا يعطيها الحق بالتكلم باسم الحكومة التونسية وقادة هذه الأحزاب على اطلاع بهذا الأمر ولا أتوقع أنهم يقومون بما يخالف ذلك. الأحزاب التونسية تريد المصلحة الوطنية لكن المقاربات تختلف باختلاف الأيديولوجيات والنظريات ولكنها تصب في المصلحة الوطنية.
○لكن هل يتم التنسيق معكم بخصوص الزيارات الخارجية للأحزاب؟ في ظل الظرف الانتقالي الحساس؟
• لا ليس هناك أي تنسيق بخصوص اجتهادات الأحزاب ونحن على مسافة واحدة من كل الأحزاب وسياستنا واحدة من كل القوى السياسية.
○هل يؤثر هذا على برامجكم؟
• أبدا، نحن على مسافة واحدة من الجميع ولا نأخذ أثناء إعداد برامجنا بآراء أي حزب وهذا واضح.
○ بالنسبة للعلاقة مع مصر كيف تقيمونها اليوم وهل بالإمكان القول ان هناك ازدواجية دبلوماسية أيضا في هذا المجال؟
• تونس ومصر تواجهان التحديات الأمنية والاقتصادية نفسها ونحن نمر بظروف إقليمية متسمة بالتوتر المستمر والأزمات العميقة، الأمر الذي من شأنه أن يفرض علينا التعامل والتنسيق والتشاور. ويحب أن يتم في ثقة كاملة ويتطلب وجود علاقات استراتيجية على أعلى المستويات، وهذا هو الموجود في الوقت الحاضر. فتعاملنا مع الجانب المصري يتم في إطار علاقة طيبة ومتميزة، كذلك مع الجزائر ومع كل الدول الإقليمية، نتعامل في إطار استراتيجية مثلى .
○وكيف ترون العلاقات مع الجزائر خاصة أن قادة هذا البلد لطالما كانوا ينظرون بعدم إرتياح للتطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الماضية في إطار ثورات ما يسمى «الربيع العربي»؟
• أؤكد أن التجربة التونسية هي تجربة لتونس فقط وليست للتصدير ونحن لا نعتبر أنفسنا نموذجا، نحن نصدر البضائع والمعرفة والعلم ولا نصدر الثورات. والحكومة في الجزائر تعرف هذا الموقف لذلك هناك ثقة ورغبة على أعلى مستوى للحفاظ على هذه العلاقة الاستراتيجية والتعاون المستمر اليومي اقتصاديا وأمنيا.
○في رأيكم لماذا تحول «الربيع العربي» إلى حروب أهلية في بعض الدول على غرار ليبيا وغيرها؟
• لا أريد التحدث عن دول أخرى بل عن تونس فحسب. وشعبنا هو شعب اعتدال ومتجانس منذ قرون ومتسامح، وتونس تتسع لكل الأطياف والايديولوجيات، لذلك وصلنا الى الحوار الوطني. كما أننا نمتلك مؤسسات قوية ومجتمعا مدنيا واعيا وكلنا نبحث عن المصلحة الوطنية. في بعض الدول هناك ديانات مختلفة وانقسامات إثنية وطائفية وهو ما ينعكس سلبا على وضع هذه الدول. في تونس لدينا انقسامات من نوع آخر، لكن الطبقة السياسية واعية وتريد المصلحة الوطنية وهذا الأمر يقتضي الحوار الوطني. نحن ديمقراطية جديدة ناشئة وهذا الأمر يحتم أن لا يقصي الحزب الحاكم المنتخب بالأغلبية بقية الأحزاب، وهذا الخطأ للأسف تقع فيه بعض البلدان .
○إلى أي مدى بقيت تونس اليوم وفية لتقاليدها وموروثها الدبلوماسي؟
• تونس بلد اعتدال وتتمتع بمصداقية عالمية، وبشهادة الجميع تمكنت حكومتنا من إعادة الإعتبار للدبلوماسية التونسية، «وإن شاء الله ربي يوفقنا». نحن لا ندعي العلم أكثر من الآخرين لكن سعينا إلى إرجاع المصداقية للدبلوماسية التونسية وذلك بالتركيز على سياسة «صفر مشاكل» مع كل البلدان. لدينا علاقات ممتازة مع قطر التي كانت من أكثر الداعمين لتونس خلال المرحلة الماضية، كما لدينا علاقات ممتازة مع الإمارات والسعودية والجزائر وعلاقات مثالية مع المغرب وباقي الدول. ومع سوريا أيضا تربطنا علاقات صداقة وأخوة ونحن نسعى لإعادة علاقاتنا مع هذا البلد حينما تسمح الظروف بذلك.
○كيف كان الدور التونسي في حرب غزة الأخيرة خاصة أن تونس تحتضن عددا من المصالح الفلسطينية؟
• الدور التونسي كان فعالا وقد لمسنا تعاونا من الأخوة المصريين وسمحوا لنا بكل أريحية بإيصال مساعداتنا إلى غزة وقد أرسلنا أربع طائرات محملة بالأدوية والأغذية. ونأمل بأن نكون قد قمنا بواجبنا تجاه شعبنا في غزة وعموم فلسطين. أريد أيضا أن ألفت إلى أننا شاركنا بصفة فعالة في اجتماع وزراء الخارجية العرب المقام في القاهرة وقد قدمنا اقتراحاتنا الى مجلس حقوق الإنسان في جنيف للنظر في الإنتهاكات الاسرائيلية لغزة وفعلا انعقد المجلس وقام بارسال لجنة أممية لتقصي الحقائق بخصوص الإنتهاكات الاسرائيلية في حرب غزة.
○ما هو مستقبلكم السياسي بعد نهاية فترة الحكومة الانتقالية؟
• نحن لسنا سياسيين في الأساس، نحن حكومة كفاءات لسنا متسيسين وحالما ننهي مسؤوليتنا سنرجع الى حيث كنا.
○وهل ستواصلون العمل الدبلوماسي؟
• إذا اقتضت المصلحة الوطنية ذلك لما لا، فنحن جئنا لخدمة الوطن، ولدينا التزام معنوي واخلاقي تجاه شعبنا وهذا ما نقوم به الى آخر يوم. المستقبل أمامنا وأنا شخصيا لدي عملي الذي ينتظرني في منظمة الأمم المتحدة. فأنا رئيس لجنة العلوم والتكنولوجيا في جنيف. ونحن لا نبحث عن مناصب ولا عن كراسي لكن الواجب الوطني هو الذي دفعنا الى العودة إلى تونس وكل زملائي في الحكومة لديهم الفكرة نفسها وسيرجعون إلى أعمالهم. وطموحنا الوحيد هو إخراج البلد، الذي علمنا ودرسنا وأوصلنا إلى ما نحن فيه من أزمته الاقتصادية والأمنية. وهدفنا أيضا هو الوصول إلى الانتخابات بكل شفافية ونزاهة وإذا حققنا ذلك نكون قد أنهينا شوطا أساسيا من العملية الإنتقالية وأعتقد أن التاريخ سيذكر هذا الأمر.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية