وزير خارجية بريطانيا و«نكتة» جثث الليبيين

حجم الخط
23

على عادته في خلط الجدّ بالمزاح، قام وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بالتعليق على الأوضاع الليبية، عبر الحديث عن مدينة سرت، بالقول إنها ستكون مركز جذب سياحي عالمي مثل دبيّ حين «تتخلص من الجثث».
سرت، كما هو معروف، هي مسقط رأس الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، والتي تحوّلت، في آذار/ مارس 2015، إلى معقل حصين لتنظيم «الدولة الإسلامية»، وكانت، خلال عام 2016، مركزا لصراع دمويّ عنيف مع قوّات حكومة الوفاق، وهو ما أدّى إلى سقوط مئات القتلى من الطرفين.
جونسون كان في ليبيا في آب/أغسطس الماضي ووعد حكومتها بتقديم 3 ملايين جنيه للمساهمة في إزالة أكثر من 5000 لغم زرعها تنظيم «الدولة» في تلك المدينة، كما أن وزير الخارجية البريطاني كان أحد أقطاب مؤتمر عقد الشهر الماضي لتباحث مستقبل البلاد.
تعليق جونسون يتعلّق، على ما يبدو، بالتكتيك الذي اتبعه تنظيم «الدولة» وهو تفخيخ أجساد مقاتليه القتلى بالألغام لتنفجر بمن يحاول لمسها، كما أنه فخخ سيارات بحيث تنفجر عندما يحاول راكبها العودة بها للوراء، وهي وقائع ترتبط في أذهان الليبيين (والعالم) بمأساة كبرى ما زالت فصولها تتوالى ويمكن أن يعتبر تظارف أي كان بشأنها نوعاً من الوقاحة وقلة الاحترام والغطرسة.
حزب العمال رأى في جملة جونسون حول من قتلوا في سرت «بلاهة لا تصدق، وانعدام للحساسية، وقساوة»، كما أن بعض نواب حزبه نفسه، مثل النائبة هايدي ألان، طالبوا بإزاحته عن منصبه قائلة إن تعليقه «غير مقبول 100٪ من أي شخص، فما بالك بوزير الخارجية» ثم تابعت: «بوريس يجب أن يطرد. إنه لا يمثل حزبنا».
نائبة أخرى في «المحافظين» تدعى سارة والستون انضمت لناقدي جونسون معتبرة «النكات المسيئة بحق أشخاص حقيقيين قتلوا في ليبيا أمرا أخرق حتى لو قام به كوميدي»، وهو ما ساندته وزيرة سابقة في الحكومة تدعى أنا سوبري.
وبدلا من الاعتذار فإن جونسون هاجم منتقديه على «تويتر» معتبرا أنهم جاهلون ولا يفهمون ما يحصل في ليبيا ويريدون أن يتلاعبوا سياسيا بالوضع المرعب والخطر للواقع في سرت!
شرح جونسون وأنصاره زاد الطين بلّة فالوزير داميان غرين قال إن جونسون لم يفعل غير أن يصف الواقع، وأنه كان يقصد جثث عناصر تنظيم «الدولة»، وليس جثث جنود الحكومة، وإذا قبلنا هذه الكذبة الصفيقة فهي لا تعفي جونسون، فهذا القول يستطيع خفض قيمة البشر الذين نختلف معهم سياسياً، (وكذلك أطفالهم وزوجاتهم)، إلى مرتبة الأشياء أو الحيوانات، التي يمكن التخلّص منها براحة ضمير.
والسؤال في هذه الحالة، ما الذي يختلف أعضاء تنظيم «الدولة» في رؤيتهم إلى أعدائهم عن رؤية جونسون وأنصاره، وهم أبناء الحضارة الغربية التي قدّمت النظام السياسي الديمقراطي ورفعت شأن الجنس البشري وقيم الإنسانية وشرائعها؟

وزير خارجية بريطانيا و«نكتة» جثث الليبيين

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية