وسائل منع الحمل الطارئ… ممنوعة في مصر

حجم الخط
0

السادس والعشرين من أيلول/سبتمبر هو اليوم العالمي لوسائل منع الحمل، ليلحق به 28 أيلول/سبتمبر يوما عالميا للإجهاض الآمن.
وبين مطرقة منع الحمل وسندان الإجهاض الآمن، مازالت حرية النساء الجنسية مغلولة بأيادي الدولة المصرية. تبدأ قصتنا منذ عدة سنوات، حين تم وقف بيع أقراص منع الحمل الطارئ من الصيدليات المصرية لأسباب غير معروفة؛ وأقراص منع الحمل الطارئ هي أقراص تتناولها النساء عن طريق الفم خلال 72 ساعة من الإتصال الجنسي لمنع حدوث حمل.
وتعتبر هذه الوسيلة من أكثر الوسائل فاعلية في حالات الطوارئ والتي قد تنتج عن نسيان تناول حبة منع الحمل العادية أو تحريك اللولب من مكانه أو حتى في حال ثُقِبَ الواقي الذكري وغيرها.
تكمُن أهمية هذه الحبوب في أنها كانت مُتاحة في الصيدليات، وهذه الإتاحة هي ما تجعل منها خير وسيلة لمنع الحمل غير المرغوب فيه والناتج عن حالات الإعتداء الجنسي.
ولم تكن أزمة الدولار هي السبب الأول لوقف استيراد بيع وسائل منع الحمل الطارئة، حيث تم إيقاف البيع منذ عدة سنوات، على توافرها بين الحين والحين في السوق السوداء أو من خلال منافذ بيع غير رسمية بأسعار مُضاعفة، غير متوفر معها وجود استشارات طبية تضمن سلامة النساء الصحية.

الحكومة المصرية وجنسانية النساء في مصر

واستكمالا لمسلسل محاولات سيطرة الدولة على أجسام النساء سواء بتنفيذ القوانين كما هو الحال في جرائم الشرف والمنصوص عليها في قانون العقوبات المصري، أو بوقف تمرير مشاريع قوانين أخرى كقانون العنف الأسري على سبيل المثال لا الحصر؛ تحاول الدولة سواء بمؤسساتها الرسمية أو الاجتماعية أن تُحكم قبضتها على أجسام النساء في المجالين العام والخاص.
في تسعينيات القرن الماضي شنّت الدولة حملة لحث الأسر على تنظيم النسل بسبب الإنفجار السكاني، ولكنها تمنع اليوم -رسميا أو غير ذلك- وسائل منع الحمل التي لا تؤخذ بإشراف الدولة وداخل الوحدات الصحية. مايجعلنا نتساءل أيضا، ماذا هناك خلف هذا التناقض؟
الإجابة بالنسبة للباحثين في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي قد تختلف من منظور لآخر. فمن منظور أبوي يعتبر بيع وسائل منع الحمل الطارئة كارت أخضر للنساء أن تُمارس الجنس دون عواقب تُذكر؛ هذه العواقب التي قد تصل للقتل بموجب قانون العقوبات المصري.
ولا تُفرق الدولة في هذا المنظور بين متزوجة وغير متزوجة، ولا تُعير اهتماما لضرورة منع الحمل في حالات الإعتداء الجنسي.
فطالما كنتِ امرأة ومارستِ الجنس -حتى لو بالإكراه-، فعليكِ تحمل «العواقب» والتي هي في هذه الحال الإنجاب.
هذا المنظور بخلاف إنه يُجرد النساء من حقهن في ممارسة جنسية آمنة، فهو يجعل من الإتصال الجنسي عملية تناسلية لاستمرار النوع فقط، دون حق للأفراد في الاستمتاع من خلالها والتي تشمل ضمان عدم مواجهة تهم قانونية وتوفير رعاية صحية ما بعد الإتصال الجنسي للأطراف المُشاركين بغض النظر عن علاقاتهم الرسمية وأنواعهم الاجتماعية.
أما من منظور النوع الاجتماعي، فإن الاحتمال الأكبر هو أن الدولة قد لا ترى في النساء سوى وعاءات إنجابية، غاضّة لنظرها عن انسانيتهن وحقوقهن كمواطنات.
فالإجبار على الحمل ومحاربة كافة أشكال التخلص منه، ما هو إلا رؤية قاصرة للنساء وأدوارهن الاجتماعية واعتماد هذه الرؤية في المقام الأول على بيولوجية أجسام النساء، وحملهن مسؤولية استمرار النوع الانساني، حتى في حالات التضخم السكاني والتي تحاربه الدولة رسميا على شاشات التليفزيون وتُشجعه في الخفاء بمنع الوصول الآمن إلى وسائل منع الحمل الطارئ.
كما تدّعي المدنية في توقيعاتها على مواثيق حقوق الإنسان الدولية واتفاقيات إيقاف العنف ضد النساء، فيمّ هي تفرض «شرعنة» علاقات النساء بأجسامهن وبشركائهن من الذكور من خلال مؤسساتها القانونية والدينية.

الفشل

وبعد هذه المحاولات للهيمنة على جنسانية النساء، مازالت تُثبت فشلها في أهدافها المنشودة؛ حيث تُمارس النساء الجنس وتستمتع من خلاله ولسنّ مضطرات إلى تلقِي عقاب على حقهن في أجسامهن.
فما تفعله الدولة هو عملية «عرقلة مقصودة» تحول بين النساء وبين اختياراتهن الحرة في أجسامهن.
وهذه العرقلة تُنتج لنا كوارث انسانية لا تقف حد وجود أطفال غير مرغوب بهم، سواء تم الاحتفاظ بهم أو تركهم في الشارع دون مأوى، بل قد ترقَى إلى حد القتل العمد في حال لجأت النساء إلى الإجهاض بسبب عدم تمكنهن من الوصول إلى رعاية صحية تضمن سلامتهن الشخصية والجسدية والعقلية.
فكما تم إيقاف بيع وسائل منع الحمل الطارئة، فإن الإجهاض مُجرَّم في القانون المصري إلا في بعض حالات منها التشوّه الجنيني أو إثبات وجود خطر على حياة الأم. وقد تواجه المُجهضة وكذلك الأطباء المشاركون في الإجهاض السجن نتيجة لتنفيذ عملية الإجهاض تلك.
ناهيكَ عن الوصم الاجتماعي المُحيط بعمليات الإجهاض والتي على أساسها قد تُبتز المُجهضة وتصبح صحتها العقلية والنفسية في خطر حقيقي أثناء وبعد عملية الإجهاض.
أما في أكثر الحالات سوءا فقد تنتج مُضاعفات صحية نتيجة لحدوث عدوى أو نزيف أثناء الإجهاض وقد تفقد المُجهضة حياتها بالكامل دون وجود حق قانوني يُمكّن ذويها من مقاضاة الطبيب على الإهمال الطبي الذي أودى بحياتها.
لتُصبح الدولة المصرية بذلك بوابة مرور للعلاقات الاجتماعية بين المواطنين. فتختار منظومة الزواج فقط «لتقنين» علاقات النساء والرجال من خلال التوثيق في مؤسساتها الحكومية والدينية.
كذلك تستغل أبوية النظام الاجتماعي -والتي هي في علاقة نفعية تبادلية معه- من أجل السيطرة على أجسام النساء ومنعهن من حقوقهن الجسدية، حتى ولو على حساب سلامتهن.. وحياتهن.

٭ باحثة ناشطة نسوية مصرية

وسائل منع الحمل الطارئ… ممنوعة في مصر

القاهرة ـ غدير أحمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية