دمشق – «القدس العربي» : شكك مراقبون بتماسك اتفاق الجنوب السوري المبرم في السادس من الشهر الجاري، والذي يشمل منطقتين رئيسيتين الأولى منزوعة السلاح في مناطق الريف الشرقي وأجزاء من الريف الغربي لمحافظة درعا، والثانية منطقة محاصرة لم يشملها الاتفاق يرجح ان تتحول إلى منطقة عازلة بمطلب إسرائيلي.
وتستكمل المفاوضات في الاتفاق الذي وصف بـ «الهش» بعد تسجيل خروقات واضحة في ظل صمت دولي وإقليمي، وعدم التزام الضامن الروسي ببنوده، عقب تمدد قوات النظام السوري نحو 70 بالمئة من مساحة درعا، بدأت بتقدمه غرباً بمسافة 6 كيلومترات، انطلاقاً من معبر نصيب باتجاه نقطة «خراب الشحم» في تل الشهاب على الخط الحدودي الفاصل بين درعا والمملكة الأردنية، إضافة إلى ضرب القوات المهاجمة حصاراً على كامل مدينة درعا، بعدما فرضت سيطرتها على القاعدة الصاروخية جنوب غربي المدينة، وبلدة أم المياذن المتاخمة لدرعا من الجهة الجنوبية الشرقية، الأمر الذي يناقض تمامًا ما نص عليه الاتفاق الذي يقضي بانسحاب قوات النظام من 4 بلدات رئيسية، وسط اهمال روسي متعمد لتحديد توقيت خروج المقاتلين من المحافظة إلى الشمال السوري. فيما يرجح البعض إصرار روسيا على تشكيل الفيلق الخامس من أبناء محافظة درعا، خلافاً لباقي المحافظات السورية التي كان يشترط فيها التهجير كبند رئيسي، نظرًا إلى المهام التي ستوكل لهذا الفيلق الذي سيحل محل قوات النظام في قتال آخر بؤرة لتنظيم الدولة في حوض اليرموك جنوبي السوري.
انتهاك اتفاق درعا
المتحدث الإعلامي باسم غرفة العمليات المركزية في الجنوب، حسين أبو شيماء، قال لـ»القدس العربي» إنه لم تبق بنود أو مراحل رئيسية في الاتفاق المبرم يوم الجمعة، بعد قفز الضامن الروسي فوق المرحلة الأولى وبالتالي انتهك الاتفاق وسمح بانتشار قوات النظام إلى جانب الشرطة العسكرية الروسية على طول الخط الحربي حتى النقطة الحدودية مع الأردن في «تل شهاب» وسيطرته على بلدات «ام المياذن والطيبة ونصيب» مع البوابة الحدودية، فضلاً عن اعتقاله وقتله اربعة اشخاص في بلدة ام المياذن من بينهم رئيس الدفاع المدني في درعا الذي اعتقل امس على يد قوات النظام.
ويبدو أن المعارضة وبحكم موقفها الصعب أمام من يملك القوة العسكرية الضاربة باتت تطلب من الجانب الروسي اخراج المقاتلين غير الراغبين في البقاء تحت سيطرة النظام السوري بعد ان باتت الأخيرة تشكل تهديداً مباشراً لمقاتلي المعارضة التي انحسرت في أقل من ربع مناطق سيطرتها قبيل الاتفاق، وهو ما برز واضحاً من خلال حديث «حسين أبو شيماء» لـ»القدس العربي» الذي بيّن «ان المفاوضات القائمة بين فريق المعارضة والجانب الروسي في مدينة درعا قرب الحدود مع الأردن، من أجل إقناع الروس بالتسريع في موعد خروج المقاتلين غير الراغبين بمصالحة النظام السوري إلى مناطق سوريا الشمالية، بعد ان كانت المفاوضات قائمة على بحث الضمانات لخروج الراغبين قبيل وصول قوات النظام إلى النقطة الحدودية «خراب الشحم» في تل شهاب، لكن ما حصل هو خلاف ذلك فقد وصل النظام السوري إلى خراب الشحم واخذ القاعدة الجوية غرب درعا البلد، و حتى الان لم يتم حسم زمن خروج الراغبين إلى الشمال».
ومن المقرر حسب الناطق الإعلامي باسم غرفة المعارضة المركزية في الجنوب وصول الحافلات إلى حي «سجنة» شمال المنشية في درعا البلد، إذ تأجل وصول الحافلات حتى صباح اليوم الاثنين – إن صدق الجانب الروسي بتنفيذ بنود الاتفاق – بعد رجوح كفته وسيطرة النظام بعد الاتفاق خلال 48 ساعة على كل من «ام المياذن، نصيب، الطيبة، البتاعية» شرقي درعا إضافة إلى تقدمها غرباً على الطريق الحربي وانتزاع السيطرة على القاعدة الجوية.
ولم تشهد قرى القنيطرة القريبة من الحدود مع الكيان الإسرائيلي أية مفاوضات، بعد الحديث غير الرسمي عن جعلها منطقة منزوعة السلاح، فيما قال مصدر مطلع على المفاوضات في درعا لـ»القدس العربي»، ان مفاوضات يوم الاحد أقرت ضم جملة من المناطق الواقعة بين تل شهاب الحدودي وحوض اليرموك وهي المنطقة التي يفرض عليها تنظيم الدولة سيطرته، إلى الاتفاق المبرم في السادس من تموز /يوليو، وتشمل المنطقة المذكورة طفس ومزيريب والعجمي إضافة إلى مدن نوى وانخل. وأكد المصدر الذي فضل حجب هويته ان ممثلي المعارضة من «القطاع الأوسط الغربي في محافظة درعا وافقوا على الدخول ضمن الاتفاق الذي بات يشمل «طفس – تل شهاب – زيزون – الشيخ سعد – اليادودة – مزيريب» في حين ان النظام السوري تمدد ويكمل انتشاره على طول الشريط المحاذي مع الأردن وصولاً إلى مناطق سيطرة تنظيم الدولة، مضيفاً أن قسماً كبيراً من قيادات المعارضة دخلت الأراضي الأردنية، فيما ستخرج باتجاه الشمال قوات الصف الثاني، أما المتبقون من قوات المعارضة فيتوجب عليهم عقد تسوية مع النظام قبيل تعبئتهم ضمن القوات التي سيقودها احمد العودة قائد تشكيل شباب السنة.
منطقتان رئيسيتان
الاتفاق الذي عُقد بين روسيا والمعارضة السورية في الجنوب السوري يقسمه إلى منطقتين رئيسيتين، حسب رؤية الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي الأولى منطقة منزوعة السلاح، تُشرف عليها قوات شرطة تابعة لروسيا على يقوم النظام السوري بإدارة مؤسساتها الخدمية بما في ذلك معبر نصيب ويتولّى حرس الحدود لديه مهمة تأمين المخافر مع الأردن، وستخرج قوات النظام العسكرية من المدن والقرى كافة التي سيطرت عليها منذ 15 حزيران/ يونيو، بشكل تدريجي.
وتشمل المنطقة منزوعة السلاح مناطق الريف الشرقي لمحافظة درعا التي كانت تخضع لفصائل المعارضة قبل بدء معركة الجنوب، وتمتد المنطقة لتصل إلى مدينة درعا وتنتهي عند أجزاء من الريف الغربي التي تضم بلدات اليادودة وطفس الأشعري، وهناك مقترح أن تقوم قوات النظام السوري بتولي مهمة قتال جيش خالد الموالي لتنظيم داعش في حوض اليرموك أو أن تقوم فصائل المعارضة بقتاله بدعم عسكري من القوات الروسية.
وأضاف المتحدث: إن تطبيق اتفاق المنطقة منزوعة السلاح سيتم على مراحل، بدأت الأولى منها يوم أمس مع دخول النظام السوري إلى المخافر الحدودية ومعبر نصيب، ومنه إلى منطقة خراب الشحم، ثم من خراب الشحم حتى حوض اليرموك. في حين يكون الجدول الزمني لإتمام المراحل الثلاث إلى جانب ملف تسليم سلاح فصائل المعارضة، بشكل تدريجي دون الكشف عن المدة اللازمة لذلك.
أما المنطقة المحاصرة، والتي لم يشملها الاتفاق، لكنها تخضع لنظام وقف إطلاق النار وهو أحد شروط فصائل المعارضة خلال المفاوضات، فتمتد من قرية الطيرة شمال طفس وصولاً لما بقي من مناطق في ريف درعا الشمالي الغربي وريف القنيطرة، وليس مستبعداً وفق عاصي أن تتحول هذه القرى والبلدات إلى منطقة عازلة بمطلب من إسرائيل؛ هذا في حال استمرت الفصائل في رفض انضمامها للمنطقة منزوعة السلاح.
في المقابل ستقوم روسيا بتشكيل فرقة عسكرية تتبع الفيلق الخامس مؤلفة من مقاتلي فصائل المعارضة الراغبين في تسوية أوضاعهم، وبالتوازي تسلّم الفصائل كل آلياتها الثقيلة والمتوسطة ومستودعات السلاح لروسيا، ويتم تأجيل الخدمة الإلزامية لستة أشهر مقبلة فإما يلتحق من بلغوا السن النظامية بالخدمة مع النظام السوري أو ينضمون إلى الفيلق الخامس. وبالنسبة للراغبين بعدم تسوية أوضاعهم سيكون لديهم خيار الخروج والقبول بالتهجير باتجاه محافظة إدلب. وبخصوص عناصر هيئة تحرير الشام المتواجدين في الجنوب السوري فسيتم تهجيرهم باتجاه محافظة إدلب بعد قيام الهيئة المتواجدة في الشمال السوري بتسليم الأسرى الذين ألقت القبض عليهم خلال معركة تحرير مطار أبو الظهور العسكري.