بيروت – «القدس العربي»: ولج وسيم خير وحيداً إلى خشبة المسرح ليدلي بدلو نضال عبد اللطيف الذي كان يدرس الطب في سراييفو، حين سقط أخاه في عملية إستشهادية في مستوطنة ناتانيا. منذ اطلالته يحمل معه اثقالاً من الأسئلة محورها «تطور سلالات الدماغ البشري» وتفرعاتها واقعنا المرير المتشظي. تتعقد الحياة أكثر مما هي عليه في فلسطين بعد شهادة جابر، وتنعكس مباشرة على طالب الطب وتحول دونه وإتمام الطموح.
في تكريمه لرائد المسرح الفلسطيني فرانسوا أبو سالم استعاد وسيم خير آخر أعماله «في ظل الشهيد». عرضان في مترو المدينة في بيروت، حملا للمشاهد البعيد عن فلسطين بعضاً من أسئلة شعب تحت الاحتلال. ليس بهذه البساطة يمكن تركيز النظر والتبصر بكل كلمة أو حركة أتاها وسيم خير خلال ساعة ويزيد من الزمن. هو ممثل يضع المتفرج أمام سيل من الأسئلة السياسية والوجودية المعاشة حاضراً ومستقبلاً حيال القضية الفلسطينية. فهل القضية الفلسطينية تشبه تعقيدات الدماغ البشري وسلالاته؟ وهل ما يحيط بها في شتى أرجاء الوطن العربي، جعل منها قضية هشّة؟
يتخذ وسيم خير في حضوره على المسرح شخصية الحكواتي القابض على أدواته جيداً. يخوض في مونولوجات ذات أبعاد فلسفية. يتحول من شخصية إلى أخرى. هي في الأساس شخصيات تسكن نسيجه العاطفي والإنساني. يتنقل في بوح مشحون من شقيقه جابر الذي كان يعتني به طفلاً في غياب والدته في العمل، إلى والده المسجون وما يتخلل كل هذا من عواطف بشرية إنسانية ووطنية. يبدو ذلك المونولوج في أحيان جزءاً من حياة الناس، ولا يلبث أن يتعقد حين يلج عبر اللغة العلمية إلى العقل البشري. يشكل العقل البشري الطريق الذي من خلاله يحاول كاتب النص الراحل فرانسوا أبو سالم الدخول إلى عقل الإستشهاديين. في تجسيده لهذا الدور يقيم وسيم خير حوارات مع شخصيات وهمية كثيرة يخترعها على المسرح. نشعره ممثلاً بمجموعة ممثلين. ممثلاً يفيض طاقة تنبعث من حوله وتصله بالجمهور، فتشحن الأخير بالهدوء والإنصات لكل كلمة، ولأي حركة تصدر عنه.
وفي الختام يتلقى التحية لوصله لبنان بفلسطين عبر مسرح شفاف، إنما ليس سهلاً. مع الممثل وسيم خير كان هذا الحوار:
○ هل العقل البشري يخضع للتشريح أم فلسفة الشهادة من أجل الوطن؟
• ايماني مطلق بأن الدماغ البشري يخضع للتشريح. والإيمان الثاني هو فلسفة الشهادة من أجل تغيير واقع مرير ومعقد ومركب تماماً كما الدماغ البشري. هما خطان متوازيان. كذلك هي فلسفة الواقع الحالي في الوطن العربي. هي فلسفة القمع والوحشية والاضطهاد.
○ هل القضية الفلسطينية معقدة كما تعقيدات خلايا العقل البشري؟
• هي عقدة أو عقدتان من الدماغ البشري. وثمة تشعب لقضايا أخرى. القضية الفلسطينية مضطهدة ومقموعة. والجانب الوحش الذي يصدر عن الدماغ البشري هو جانب بسيط منه. وكما ورد في المسرحية هو يتماثل مع القمع الذكوري للنساء. ولنقل بأن القضية الفلسطينية هي جزء بسيط، وخلية من خلايا الدماغ البشري وليس أكثر.
○ لو كانت القضية الفلسطينية في مسار مختلف عن واقعها الحالي هل كانت الاسئلة الكثيرة التي حملتها المسرحية قد طُرحت؟
• القمع والوحشية والدكتاتورية، واضطهاد الآخر، تغيبه وتهميشه، ليس موضوعاً مستنبطاً مما وصلته القضية الفلسطينية فقط لا غير. في تبسيط أكبر للموضوع، وفي ابعاد له عن القضية الفلسطينية، فعلى سبيل المثال السلطة الأبوية الديكتاتورية لا تختلف عن سلطة أي ديكتاتور في العالم. الأسئلة الفلسفية التي تطرحها المسرحية يمكن لها أن تُطرح. إنما لا شك أن مسار القضية الفلسطينية الحالي كان دافعاً، ومنه استوحى فرانسوا أبو سالم هذا النص المسرحي.
○ هل فعلاً كما قلت في المسرحية أن الشهادة هي الوطنية وكل ما عدا ذلك يقع في خانة العمالة؟ وما الذي أفضى إلى هذه المقارنة الدموية؟
• ليس حقيقياً أن الشهادة هي البطولة، وغيرها يقع في حيز العمالة. سؤالك استدعته جملة في المسرحية، نعم. إنما في واقع الحال هناك أبطال لم يستشهدوا. وأبطال غير موجودين في سجون الاحتلال. الأبطال هم من عاشوا وصمدوا بعد استشهاد ابنائهم، آبائهم أو اخوتهم. على سبيل المثال ابن الشهيد هو بطل لأنه يعاني. بطل لأنه عاش حياته فاقداً لوالده، أخاه أو أي من أفراد عائلته. نضال عبد اللطيف الذي تحكي المسرحية قصته، كان يفترض أن يكون طبيباً مختصاً في علم سلالات الدماغ البشري، حيث باشر دراسته في سراييفو. شخصية تعيش ضياع الحلم وتهميشه بعد موت شقيقه في عملية إستشهادية في ناتانيا أم خالد. الأبطال ليسوا فقط الاستشهاديين، هنالك أبطال ما زالوا على قيد الحياة. هؤلاء الأبطال هم من صمدوا على قيد الحياة بعد استشهاد اخوتهم. أما الاستشهادي الذي له أطفال، وعمل العدو لتفجير منزلهم ومصادرة أراضيهم، أي هم يعيشون وفي كل لحظة يدفعون الثمن، هم أيضاً أبطال. الثمن الذي دفعوه يتمثل بالفقدان، بالحرمان، التهميش وعدم الاحتضان. ما من أحد يتصور وجود مؤسسات في فلسطين تحتضن أبناء الاستشهاديين، أو أن القيادة الفلسطينية تقوم بواجبها. المرافقة تقتصر على الأيام الأولى، ومن بعدها تختفي كافة مظاهر الاهتمام. وبعدها تنعزل العائلة مع وحدتها.
○ هل يشكل «جابر» ضمير فلسطين؟
• في مكان ما نعم هو ضمير فلسطين. جاء جابر إلى بيروت ليذكر بالأبطال الذين ضحوا بحياتهم، وعائلاتهم وكل ما يملكونه في سبيل القضية الفلسطينية. لا شك أن جابر هو الضوء الذي ينير طريقنا، ويدفعنا للسؤال: إلى أين نحن متجهون؟ كثيرون خسروا أحلامهم، ضحوا بحياتهم من أجل الوطن. لا شك إذاً «جابر» هو ضمير فلسطين.
○ عملية ناتانيا استشهادية أم انتحارية؟
• مطلقاً ليست انتحارية. هي استشهادية وبطولية ومن الدرجة الأولى. وسيم خير لن يقول هذا التعبير ابداً. ورود تعبير «انتحارية» في العرض المسرحي، جاء في سياق ما ردده خبر الإذاعة حين كان نضال عبد اللطيف يدرس في سراييفو. هو اقتباس عن خبر الراديو. الايمان بأنها استشهادية وبطولية، مطلق.
○ هل مثّل صوت الشيخ امام وبخاصة في أغنيته «آه يا عبد الودود» حنيناً إلى مرحلة عربية كانت تحمل بعضاً من شعاع نور وأمل؟
• صحيح هو تذكير بمرحلة نظيفة من تاريخنا. مرحلة مشرِّفة للشعبين المصري والفلسطيني وللأمة العربية جمعاء، وتختلف عن ما نحن فيه. نحن في مرحلة عفنة للأسف.
○ أن تصبح الشهادة من أجل الوطن موضع لوم فماذا يقول لك ذلك كفلسطيني؟
• في الأساس لسنا طلاّب شهادة. نحن نطلب الحرية كبشر أولاً، وكفلسطينيين ثانياً، وكعرب ثالثاً. لسنا نطلب أن تموت الناس من أجل القضية الفلسطينية. نطلب أن تعيش جميع الناس بسلام، وأمان وراحة. ما من أحد يرغب بأن تفقد عائلات ابناءها، أو أن يعيش الأطفال أيتام. من المؤسف أن تصبح الشهادة موضع لوم. وأن تُطرح من بعدها الأسئلة التبسيطية التافهة كمثل ماذا جنى؟ ولماذا قتل نفسه؟ فمن لم يعد لديه ما يخسره كما الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال، الحياة ليست ذات قيمة عنده. من فقد كل ما لديه في الحياة، ليس من السهل أن نجبره على الحياة.
○ أن تجسّد قناعاتك على الخشبة مستعيناً بكل التقنيات التي تذيب الجسد لصالح النص وأن تضيف منك طاقة تصل للمتلقين فهل هو أيمان مطلق بالعرض الذي تقدمه؟
• نعم ليس لي تجاهل انسجامي مع العرض المسرحي. في ظل الشهيد من أهم الأعمال التي شاركت فيها. في أيام الراحل فرانسوا أبو سالم حين كنت جزءاً من طاقم الاخراج، أحببت هذا العرض. بالدخول إلى خلايا العرض فأنا مؤمن بكل كلمة وردت فيه. قضية نضال عبد اللطيف هي قضيتي كوسيم خير. جابر الاستشهادي هو وسيم خير. والدة جابر هي أنا. والده في سجون الاحتلال هو أنا. هذا على مستوى المضمون، السياسية والقضية والمعاناة التي يعيشها أهل الاستشهادي. لم أفقد احداً من أفراد عائلتي، وليس فيها من عاش تجربة الأسر، لكني شخصياً سُجنت لمدة عامين وفي اعتقالات متفرقة. معاناة أي أسرة من الاحتلال هي معاناتي. وكل فلسطيني أينما وجد هو أنا. البعد الآخر لهذا العرض المسرحي الذي أعيد انتاجه كتقدير لروح فرانسوا أبو سالم، أني استحضر هذا الانسان في كل عرض اقدمه. بعيداً عن المضمون لدي روابط شخصية مع عرض «في ظل الشهيد»، وكل هذا الخليط يخلق لي حالة الهذيان التي أسميها روحانية. في خلال الساعة والدقائق المضافة التي امضيها على خشبة المسرح أنسى نفسي.
○ في بيروت سجل العرض الرقم 97. فكيف كان الاستقبال في كافة الأماكن؟
• تماماً كما في بيروت. قد يجفل الناس من سماع عنوان «في ظل الشهيد»، ونحن لا نجد حضوراً كثيفاً بدءاً من العرض الأول. يزداد الحضور بعد أن يفهم الجمهور أن العرض أوسع وأعمق من العنوان. لا أذكر عرضاً لم أرض عنه، أنا أو الجمهور. كنت اتلقى رسائل بعد أيام على العرض ليقول احدهم «الآن فهمت مُرادك». نعم أنا فرح سنكون قريباً مع العرض 100. يمكنني وصف مضمون هذا العرض بأن يشبه من يصفع آخراً ويدفعه لإعادة حساباته من جديد. صار النضال أمراً ضعيفاً وركيكاً. صغر النضال داخل الناس وتشوش مفهومه. يأتي عرض في ظل الشهيد كصفعة ودعوة للتفكير من جديد. دعوة للتفكير بين جابر الذي آمن بالنضال المسلح، وشقيقه نضال عبد اللطيف الذي آمن بالنضال من خلال معالجة المقاومين في أرض المعركة. وهذا طبعاً أسلوب نضال، وبطولة.
○ من هو وسيم خير؟
• سؤال ارتبك حياله على الدوام. أنا ممثل أولاً، ومخرج مسرحي شاركت في الكثير من الأعمال. حزت على ست جوائز كأفضل ممثل. بالرد المباشر على السؤال وسيم خير إنسان فلسطيني، عربي يحاول الحفاظ على إنسانيته، يطمح للتغيير. أسعى لأكون محركاً نحو تحسين ظروفنا كفلسطينيين، ودفع الناس وحثهم للحفاظ على إنسانيتهم. فلم يتبقى لنا غيرها. ونضالي كفرد التعبير عن معاناة المسحوقين أينما وجدوا، في فلسطين أو سواها ونقلها لكل العالم. هذا ما أطمح له.
○ أين سيحط العرض الـ 100؟
• ان شاء الله في فلسطين. يبدو أنه سيكون في العمق الفلسطيني المحتل سنة 1948، أو في الضفة، رغم محاولاتي الجاهدة لأن يكون العرض في غزة. إنما حتى اللحظة الأمور غير ميسرة للوصول إلى غزة. تصريح الدخول لم احصل عليه. طموحي أن أعرض للمرة الأولى في غزة، وطموحي أن أصنع العرض الـ 100 في أرض الشهداء.
زهرة مرعي