قال اللغويون: إن الجذر (و ص ل) دال على ضمّ شيء إلى شيء آخر. ونرى هذا جزءا من معانيه. ومن أشهر معانيه الأخرى: الوصل: خلاف الفصل. كما لو أوصلت شيئا بشيء آخر بحيث لا يكون بينهما انفصال. وفي التنزيل العزيز: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ) قالوا: إن معناه: جعلناه متصلا بعضه ببعض. ولا أراه دقيقا، فالتعبير عن المعنى الذي ذكروه هو: وصّلنا بعض القول ببعض. وكأنه (ولقد وصّلنا القول) فقط. ولكن مجيء (لهم) تفيد أنه، تعالى، وصّل لهم القول. فالقول، منذ البدء متصل بعضه ببعض. ومراد الآية: إن القول لم يصل لهم فقط، بل اتصل بهم واتصلوا به. لأن هدف توصيل القول أن يتقبلوه فيصير جزءا منهم، من تفكيرهم ومعرفتهم. أما المعنى الذي قاله اللغويون والمفسرون: (جعلناه متصلا بعضه ببعض) فيخلو من تلك الدلالة. كما إن وصّل وتوصّل فيهما لطف سنشير إليه. مع فروق أخرى بين وصّل وأوصل.
ومما يؤكد ذلك قول اللغويين: وصَل الشيءُ إلى الشيء وصولا وتوصّل إليه: انتهى إليه وبلغه. ووصّله إليه وأوصلهُ: أنْهاه إليه وأبلغه إيّاه، كما في: (إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ) أي يتصلون. ووصله وصلا وصلة. وواصله مواصلة ووِصالا وهذا يكون في علاقات العشق والحب. قال الشاعر:
بسطت رابعةُ الحبلَ لنا
فوصلنا الحبلَ منها ما اتّسعْ
حُرّةٌ تجلو شتيتا واضحا
كشعاع الشمس في الغيم سطعْ
في البيت الأول تواصله فيواصلها حسبما تتيحه له. وفي البيت الثاني يصف أسنانها البيض البراقة. ولكنه لا يذكر الوصال، بل هو التواصل. والتواصل مرحلة قد تفضي إلى الوصال. وصار بعض الناس اليوم يكتفون من معنى الوصال، بعميق التواصل، فحسب.
ويقال: وصل فلان رَحِمَهُ يصِلُها صِلَةً. وفي الحديث (من أراد أن يطول عُمرُه فليصلْ رَحِمَه) وهي كناية عن الإحسان للأقربين. ووصل كتابه إليّ يصل وصولا. ووصّله توصيلا. والوصل ضد الهجران. والتواصل ضد التهاجر. واتصل الرجل: انتسب، كما كانوا يفعلون في المعارك، حين يقولون: يا لبكر، أو يا لعبس، فالأول انتسب لبكر والثاني لعبس. وكذلك الانتساب للأوطان وغيرها.
وقالوا: الوصيلة: العِمارة والخصب، وعللوا ذلك بقولهم: لأنها تصل الناس بعضهم ببعض، وإذا أجدبوا تفرقوا. ولكن الصواب أن الوصيلة: الأرض الواسعة كأنها لا تنقطع.
هذا المهاد اللغوي قد يساعدنا على تفهم الفروق بين استعمالات هذا الجذر. تقول: وصل أخي من سفره. فهذا خبر بوصوله، خبر مجرد، فقط. وتقول: أوصلني أخي إلى المكتبة. معناه معلوم. أخذك بواسطة نقل، أو سار معك، حتى المكتبة. وربما لم يكن راغبا في ذلك، ولكنه قام به احتراما لك أو تخلصا منك. لا فرق. وتقول: وصّلني أخي إلى المكتبة، بتشديد الصاد، هنا جعلت المعنى أكثر عمقا، وفيه شيء من العناء، كبعد مسافة أو زحام طريق. أو أنّ أخاك أمعن في السير معك حتى باب المكتبة. وتم كل ذلك بإرادته ورغبته.
فإذا قلت: وصّلني أخي للمكتبة، فأعمق وأكثر إمعانا في أداء المعنى واحتفاء به. وهو مثل الآية (ولقد وصّلنا لهم القول).
وتقول: وصل إليّ كتاب منك، أو: وصل لي. وهو الإيصال المعتاد كالذي يقوم به ساعي البريد. وربما لم تكن راغبا في ذلك الكتاب.
أما قولك: وصلني منك كتاب. فأنت تعبر عن اعتزازك بمرسل الكتاب ثم بالكتاب. فإن غيرت التعبير فقلت: وصلني كتاب منك، بتقديم (كتاب) فقد أعلنت عن اعتزاز بالكتاب أكبر. وفي هذين الاستعمالين غنىً عن تكملة تقول فيها (وأنا أعتز به) مثلا، فإن فعلت فلن يكون خطأ ولكنه تكرار لما تضمنته الجملتان. وثمة تعبير رقيق حين يكتب لك صاحبك: توصّلت برسالتك. فالتوصّل دالّ على أنه هو الذي سعى لرسالتك حبا واحتراما، إذ إنّ: توصّل إلى الشيء، يعني أنه تلطّف في الوصول إليه.
فاجعل جملة: توصّلت بكذا، خاصة في الخير مما يهمك أمره.
٭ باحث عراقي ـ لندن
هادي حسن حمودي