«دونالد ترامب قادم» تعبير يردده الكثير من أنصار المرشح الجمهوري وكذلك الأمريكيين الذين يفضلون هذا السياسي والمستثمر رئيسا في البيت الأبيض على حساب هيلاري كلينتون، التي لم تحسم بعد فوزها بتمثيلية الحزب الديمقراطي، بسبب استمرار بيرني ساندرز في المنافسة الداخلية للحزب. ويبقى التساؤل: لماذا لم يتم الانتباه لهذه الفرضية القوية، خاصة في العالم العربي، لاحتمال فوز ترامب؟
وتعتبر الانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة مفارقة بكل المقاييس، فالانتخابات الداخلية للحزبين الرئيسيين لفتت انتباه الرأي العام العالمي لنوعية المرشحين. دونالد ترامب مستثمر مثير للجدل بتصريحاته، خاصة ضد المكسيكيين ثم المسلمين، لكنه يصر على استعادة البلاد مكانتها العالمية. بيرني ساندرز سياسي يؤكد على توجهه الاشتراكي في قلب دولة الليبرالية وزعيمة الرأسمالية. ويضاف إلى المرشحين امرأة، هيلاري كلينتون تملك حظوظا لا بأس بها للوصول إلى البيت الأبيض كأول رئيسة في تاريخ الولايات المتحدة، ورغم عراقة الديمقراطية الأمريكية، لم تصل حتى الآن أي امرأة إلى الرئاسة، بينما وصلت في دول مجاورة في القارة الأمريكية مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي وفي دول حديثة العهد بالديمقراطية مثل بنغلادش وباكستان.
والمفارقة الأخرى أنه في الوقت الذي لن تصمد هيلاري كلينتون أمام دونالد ترامب، الذي تفوق عليها مؤخرا في ثلاثة استطلاعات رأي، فإنه قد يخسر الانتخابات الرئاسية إذا ترشح بيرني ساندرز كممثل للحزب الديمقراطي. والسر في احتمال فوز ساندرز على ترامب هو أنهما يتقاسمان الكثير من الأهداف السياسية، على رأسها تخليص السياسة الأمريكية من هيمنة المؤسسات العميقة التي تسمى بالإنكليزية Establishment، والعمل على استعادة الصناعات الأمريكية من الخارج للبلاد. وهذه هي الشعارات والأهداف التي تهم الناخب الأمريكي، خاصة من الطبقة المتوسطة، وليس مواقف ترامب مثلا من الإسلام أو اشتراكية ساندرز. تخيلوا مثلا، مدينة ديترويت ذات المجد الصناعي في السيارات، تحولت إلى مدينة أشباح خلال السنوات الأخيرة، بسبب فقدانها هذه الصناعة، وكل مرشح سيركز على استعادة التصنيع الداخلي واستعادة الاستثمارات التي ذهبت إلى الصين، سيحوز أصوات الناخبين في ديترويت ومدن أخرى صناعية. وعالجنا في مقال في «القدس العربي» بتاريخ 2 أبريل 2016 هذا الموضوع وهو: خطاب دونالد ترامب القومي المتطرف… لماذا يستهوي الناخب الأمريكي؟ وجرى في العالم العربي التعاطي مع دونالد ترامب كظاهرة صوتية وعابرة، أي أنه لم يتقدم في استطلاعات الرأي ولن يقنع الناخب الأمريكي بالتصويت عليه. لكن حدث العكس، وها هو يحقق الفوز بتمثيلية الحزب الجمهوري، وتمنحه استطلاعات الرأي إمكانية الفوز والوصول إلى البيت الأبيض. وغياب فهم الباحثين ووسائل الاعلام في العالم العربي يعود إلى عامل رئيسي وهو الاهتمام بالسياسة الخارجية الأمريكية، من دون أدنى اهتمام بالسياسة الداخلية، رغم الارتباط الوثيق بينهما. ودراسة الصحافة العربية بما فيها الصادرة اليوم، سيجد القارئ أو الباحث أنها تركز على مواقف الولايات المتحدة من القضايا العالمية ومنها العربية. وهذا طبيعي بحكم وزن هذا البلد في صناعة القرار السياسي والعسكري والاقتصادي عالميا، وفي المقابل، لا تهتم نهائيا بالسياسة الداخلية الأمريكية. وخلال السنوات الأخيرة، أصبحت السياسة الداخلية محددا كبيرا للتغيرات التي تشهدها دول الغرب، انطلاقا من اليونان إلى الولايات المتحدة ومرورا بفرنسا. وتكتفي الصحافة العربية بمجموعة محدودة من وسائل الإعلام الأمريكية مصدرا لها مثل «نيويورك تايمز» و»واشنطن بوست» وتتناسى أخرى ذات تأثير داخلي قوي.
ورغم قلتها وغياب تأثير واضح لها مقارنة مع الغرب أو الصين مؤخرا، فمراكز التفكير الاستراتيجي في العالم العربي سقطت بدورها في هذا الفخ، ولهذا فهي تركز على السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وعالجت في حالة ترامب بعض تصريحاته، من دون التعمق في الأسباب الحقيقية التي تجعل الناخب الأمريكي يصوت لسياسي من نوعية ترامب. ومن ضمن الأمثلة، فقد أصدر الباحث جمال سند السويدي كتابا مهما وضخما حول الولايات المتحدة بعنوان «آفاق العصر الأمريكي»، وهو من القلائل الذين يكتبون في هذا الشأن بمنهجية دقيقة، لكن البحث في صفحاته الداخلية يظهر غياب معطيات كافية حول المجتمع الأمريكي، ما يؤدي إلى صعوبة نسبية في فهم بعض القرارات الخارجية لواشنطن.
والآن، قد يصبح دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، وهذا يجر إلى تساؤل عريض: كيف ستكون سياسته تجاه العالم العربي؟ السؤال هو جزء من سؤال عام يطرحه العالم كذلك، لكن التساؤل يأخذ بعدا أكبر في حالة العالم العربي لسبب واضح، هو احتمال وصول ترامب إلى البيت الأبيض مع إعادة واشنطن النظر في سياستها تجاه العالم العربي، وبدء التخلي عن بعض دوله كشركاء. وعمليا، نرى الانتقادات السعودية والخليجية لواشنطن بسبب تفضيلها إيران، وتنشر الصحافة المغربية يوميا انتقادات لهذا البلد بسبب موقفه في نزاع الصحراء الذي تعتبره غير ودي. ويأتي ترامب مسبقا محملا بمجموعة من الطروحات حول العالم العربي، وهي ضرورة تأدية الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، فاتورة أي حماية مستقبلا، ثم لا يمكن السكوت على أنظمة فاسدة تستغل الولايات المتحدة.
عموما، ترامب قد يكون رئيس البيت الأبيض، هناك خطوط حمراء لا يمكن أن يتجاوزها، ولكن رؤيته تنطبق كثيرا مع رؤية المؤسسات الخارجية والعسكرية لمستقبل البلاد وطروحاتها تجاه العالم العربي.
٭ كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»
د. حسين مجدوبي