لندن ـ «القدس العربي»: تحل ذكرى مرور مئة عام على وعد بلفور الذي أسس لقيام الدولة الإسرائيلية على حساب الأراضي الفلسطينية، وسط انقسام واستقطاب كبير في بريطانيا وتباين في المواقف بعد أن ظهرت لأول مرة دعوات للإعتذار عن هذا الوعد الذي تسبب في مأساة الشعب الفلسطيني المستمرة منذ قرابة السبعين عاماً.
وكانت الحكومة البريطانية قد أصدرت وعدها بـ«إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين» وذلك عبر الرسالة التي بعث بها وزير خارجيتها آرثر بلفور في الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر 1917 إلى اللورد لينويل روتشيلد، وهو الوعد الذي يُعتبر الخطوة الأولى في تأسيس الدولة الإسرائيلية عام 1948 والذي تسببت في إيجاد أكبر أزمة لجوء في العالم في ذلك الحين.
وتشهد بريطانيا انقساماً لم يسبق أن شهدته طوال المئة عام الماضية بشأن الموقف من «وعد بلفور»، حيث تتمسك حكومة حزب المحافظين الحالية بدعم الاحتفال بوعد بلفور، فيما يتخذ حزب العمال موقفاً أقل تحمساً للاحتفال، وهو ما دفع ناشطاً فلسطينياً في لندن أن يقول لـ«القدس العربي» أن «الموقف البريطاني يشهد تغيراً ملموساً إزاء القضية الفلسطينية، بما فيها مسألة الاحتفال بمئوية وعد بلفور».
واتخذ حزب العمال المعارض وحكومة الظل موقفاً تاريخياً غير مسبوق بالدعوة إلى الاعتراف بدولة فلسطين، وسط حملة شعبية كبيرة على مستوى أوروبا بأكملها نجح في تنظيمها المؤيدون للشعب الفلسطيني، وتدعو الحكومة البريطانية للإعتذار العلني عن «وعد بلفور» وعدم المشاركة في الاحتفالات الإسرائيلية في الذكرى المئوية الأولى لصدور هذا الوعد.
ورفض زعيم حزب العمال المعارض في بريطانيا جيرمي كوربن، المشاركة في حفل مئوية «وعد بفلور» فيما قالت صحيفة «التايمز» البريطانية إن كوربن «مناصر قوي للقضية الفلسطينية ودعا مراراً إلى إنهاء الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، كما أَيّد حل الدولتين، وتجنب مؤخراً حضور حفل استقبال أصدقاء إسرائيل أثناء المؤتمر السنوي لحزب العمال».
إلى ذلك طالبت وزيرة الخارجية في حكومة الظل العُمالية إميلي ثورنبيري بإحياء ذكرى «وعد بلفور» عبر الاعتراف بدولة فلسطين، وقالت في مقابلة مع موقع «ميدل إيست آي» إن «بريطانيا لا تحتفل بوعد بلفور بقدر ما يشكل هذا الحدث نقطة تحول في تاريخ المنطقة، حيث أن أهم خطوة في هذا السياق الآن هي الاعتراف بدولة فلسطين وقد حان الوقت للقيام بذلك».
وأعادت السياسية البريطانية التأكيد على رفض زعيم الحزب جيرمي كوربن حضور حفل العشاء الاحتفالي بذكرى وعد بلفور.
وأقرت أن رسالة اللورد بلفور شكلت «نقطة تحول في تاريخ» المنطقة، غير أنها قالت «يجب أن تكون مواقف بريطانيا تجاه إسرائيل مبنية على قدر التزامها بحل الدولتين».
وكانت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، دعت نظيرها الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارة لندن لحضور حفل عشاء رسمي؛ للاحتفال بمرور مئة عام على «وعد بلفور».
وقال المدير العام لمركز «العودة» الفلسطيني في لندن طارق حمود لـ«القدس العربي» إن «الموقف البريطاني يشهد تطورات ملفتة ينبغي أن تحظى بعنايتنا كفلسطينيين، حيث أن ديفيد كاميرون حين كان رئيساً للوزراء صرح بوضوح أنه سيحتفل بذكرى وعد بلفور، وأثار ذلك جدلاً حتى جاءت ماي وكررت الوعد بالاحتفال لكن بصيغة أكثر حذراً، ولاحقاً لحملة المطالبة بالاعتذار التي تواصلت واستمرت، فان وزير شؤون الشرق الأوسط توبياس إلود، صرح بوضوح أن حكومته لن تعتذر ولن تحتفل، وهذا التصريح كان أول تراجع رسمي للحكومة عن قصة الاحتفال».
وأضاف حمود إن «في لقاءات تالية مع الخارجية قالوا بأنهم سيحيون الذكرى لكنهم لن يحتـفــلوا، أما خلال الأيام القليلة الماضية فكانت لغة وتصريحات الخارجية البريطانية تصالحية إلى حد ما وحاولت صناعة توازن في الأمر».
وتابع: «اليوم الحكومة ستحيي مع نتنياهو ونخبة سيــاســية في عشاء ما زال العامة يجهلون مكانه وهذا يعكس الحرج الذي تعيشه الحكومة من هذه القضية».
واعتبر حمود أن «الموقف الشجاع جاء من جيرمي كوربن الذي رفض حضور العشاء وهو ما يمثل موقف احتجاج، وهذا موقف جديد بالكلية لحزب العمال» لافتاً إلى أن كوربن كان من بين الذين أيدوا حملة المطالبة بالإعتذار منذ انطلاقها مطلع 2013 واستضاف أول لقاءاتها في البرلمان، وهو لقاء كان قد نظمه مركز العودة الفلسطيني.
وكان مركز «العودة» الذي يتخذ من لندن مقراً له، أطلق أول حملة لمطالبة الحكومة البريطانية بالإعتذار عن وعد بلفور في العام 2013. كما أطلق المركز عدداً من العرائض العامة ودعا البريطانيين للتوقيع عليها، حيث تمكن من جمع آلاف التواقيع لدعم هذا المطلب، ومؤخراً انتقلت الحملة إلى شبكات التواصل الاجتماعي ومحاولة الضغط على أعضاء البرلمان ومطالبتهم بمقاطعة الاحتفال والطلب من الحكومة الاعتذار.
أحمد بلال