في هذا الشهر تبدأ أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أكملت عامها الواحد والسبعين وبدأت إشارات الاستفهام تكثر حول جدوى هذه المنظمة، في ظل غياب تام لأي إنجاز لها خلال السنوات الماضية.
تأسست منظمة الأمم المتحدة في 24 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1945 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وكنتيجة للأعمال الوحشية وجرائم الإبادة التي حدثت في هذه الحرب، ونتيجة الإجماع التام على أن تبذل هذه المنظمة كل ما في وسعها لعدم تكرار هذه المآسي. وهذا أصبح إطارا قانونيا لاحتواء وحل المشاكل المتعلقة بالخلافات بين الدول وحقوق الإنسان.
فالفكرة الأساسية للأمم المتحدة تقوم على وجود مجتمع بشري واحد على هذه الأرض يخضع لضوابط قانونية متماثلة وضرورة العمل على تمتع كل البشر بحقوقهم الأساسية في الحياة والعمل والمسكن والرعاية الصحية وحريتهم في التعبير عن آرائهم. وتألفت هيكلية الأمم المتحدة من الجمعية العامة ومجلس الأمن والأمانة العامة ومحكمة العدل الدولية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي. وقد تم تحديد الصفة القانونية ومسؤوليات وصلاحيات هذه المنظمة الدولية من خلال ميثاق الأمم المتحدة.
القواعد العامة ونصوص هذا الميثاق من الناحية النظرية لا غبار عليها، لكن الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، كما نعلم، منحت نفسها حق النقض أو الفيتو الذي يتكفل بإجهاض أي قرار يصدر عن المنظمة الدولية في حال رفض أي من هذه الدول لهذا القرار، من دون حاجة هذه الدولة لتقديم أي تبرير أو تفسير لاستخدامها حق «الفيتو».
خلال فترة الحرب الباردة بين ما كان يسمى وقتها المعسكر الاشتراكي والمعسكر الغربي من عام 1945 حتى عام 1990 تم استخدام هذا الفيتو عشرات المرات ومن دون سبب جوهري في الكثير من الأحيان، سوى اعتراض أحد المعسكرين على ما يقترحه المعسكر الآخر، أي أنه تمت إساءة هذا الحق لكن الوضع لم يكن مستغربا مع انقسام العالم وقتها إلى معسكرين يخوضان صراعا على مستوى العالم.
بعد انهيار الكثير من الأنظمة الديكتاتورية أواخر القرن العشرين ساد انطباع عام بأن حقبة جديدة من تاريخ البشرية بدأت وأن المنظمات الدولية سيكون لها دور أكبر في حفظ الأمن والسلم الدوليين ومراعاة حقوق الإنسان، لكن هذه الآمال سرعان ما تبخرت، وفي الواقع لم يطرأ أي تغيير جوهري على فعالية ودور منظمة الأمم المتحدة لعدة أسباب أهمها سوء استخدام حق النقض «الفيتو» من قبل بعض الدول. ومن ناحية أخرى للتغير الجوهري الذي طرأ على العالم بعد عقود من الحرب العالمية الثانية. فدولة مثل الهند مثلا عدد سكانها ضعف عدد سكان الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا مجتمعين لكن صوتها في الأمم المتحدة يساوي صوت دولة عدد سكانها بضعة آلاف، رغم أنها أكبر ديمقراطية في العالم، كما أنها دولة نووية واقتصادها هو السابع على مستوى العالم.
اليابان وألمانيا وهما الاقتصادان الثالث والرابع عالميا، وضعهما في هذه المنظمة مماثل لوضع الهند والموضوع نفسه ينطبق على البرازيل وباكستان، أي أن هناك تغييرات كبيرة طرأت على العالم ولم تعد تتناسب مع تشكيلة مجلس الأمن الدولي والصلاحيات الممنوحة لبعض الدول فيه. كما أن هناك موضوعا آخر لا يقل أهمية وهو طبيعة النظام السياسي في هذه الدول الخمس التي أعطت نفسها صلاحيات مسؤولية الأمن والسلم الدوليين، فجمهورية روسيا الاتحادية مثلا يسيطر عليها للسنة السادسة عشرة على التوالي نظام تتركز فيه كل السلطات، وبيد شخص واحد لديه أولويات مختلفة لا علاقة لها طبعا بحقوق الإنسان والعدالة والديمقراطية. وقد كان سلوك هذا النظام خلال السنوات الخمس الأخيرة هو نقطة التحول التي فتحت الأعين على الدرك الذي انحدرت إليه المنظمة الدولية، فقد استخدمت روسيا الاتحادية حق النقض أربع مرات حول سوريا وبقرارات حتى غير سياسية، مثل استنكار استخدام الحصار والتجويع كوسيلة حرب، أو السماح بدخول الدواء لبعض المناطق. كان من الصعب تبرير الموقف الروسي في الموضوع السوري تحت أي ذريعة، وقد اتبع النظام الروسي الأسلوب نفسه في الموضوع الأوكراني، فبعد احتلاله لأجزاء كبيرة من أوكرانيا تكفل بشلل كامل لمجلس الأمن بخصوص هذه القضية، حتى أنه منع تشكيل لجنة تحقيق دولية بإسقاط طائرة مدنية على متنها مئات الركاب في شرق أوكرانيا وهي جريمة حرب موصوفة، لأن ميليشيات موالية لروسيا هي التي أسقطتها بصاروخ روسي. وطبعا في كل مرة نسمع فيها عن استخدام «الفيتو» يقابلها عشرات المرات التي يتم فيها إجهاض مشاريع القرارات قبل عرضها على التصويت من خلال المداولات التي تجري قبل انعقاد الجلسات، وكأن المنظمة الدولية أصبحت مكانا للصفقات والتسويات التي تحدث في الظلام بغياب أصحاب العلاقة الحقيقية بالقضية، ولا دور فيها ولا اعتبار للقيم الإنسانية والأخلاقية. كما أن سجل الصين في قضايا حقوق الإنسان واضطهاد الأقليات لا يشجع على اعتبارها مسؤولة عن الأمن والسلم الدوليين.
وفي الوقت نفسه كيف يمكن أن تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية الدولية عندما يصل للسلطة فيها تيار انعزالي لا يبالي بأي كوارث ومآس تصيب بقية العالم طالما أنها لم تصل لحدود الولايات المتحدة، وهذا التيار موجود في كلا الحزبين وله نفوذ قوي على الإعلام الموجه للشعب الأمريكي. فمثلا في سوريا قَتل نصف مليون سوري بكل أنواع الأسلحة لا يعني شيئا عند مثل هذه الإدارة فهي «ليست شرطة العالم» وقد قال المندوب الروسي مازحا بعد استخدامه حق «الفيتو» في جلسة حول سوريا «لو لم نستخدم الفيتو لأضطرت أمريكا لاستخدامه، فهي لا تريد التورط بمشاكل العالم».
وكان من مضاعفات تراجع دور الأمم المتحدة تحول الأمين العام للأمم المتحدة لما يشبه الواعظ أو رجل الدين الذي لا يملك سوى التضرع والدعاء والقلق على أمل انفراج الأمور، وأصبح مجالا للتندر بانعدام فعاليته وجر معه لموقع الشاهد عديم الوزن والفعل كافة موظفي الأمانة العامة وكل المبعوثين الدوليين الذين تم تكليفهم بحل المشاكل الدولية، واليوم لا يشعر الأمين العام للأمم المتحدة، أو أي مبعوث دولي بالحرج وهو يقول، ننتظر اتفاق روسيا وأمريكا حتى نقوم بأي خطوة، أي أن هذه المنظمة وكل موظفيها ومؤتمراتها وميزانيتها مجرد ديكور وليست أكثر من هدر للمال والوقت.
عند وضع ميثاق الأمم المتحدة بندا يتضمن أن أي تعديل على هذا الميثاق يتطلب موافقة كامل الدول دائمة العضوية ليتم إقرار التعديل، أي أنهم أغلقوا كل الطرق السلسة والقانونية لتعديل الميثاق ولم يتبق سوى الطرق الراديكالية لتحقيق هذا التغيير لا نعلم كيف، ولكننا واثقون من أن هذا التغيير سيحصل.
لذا العالم الآن أمام خمس دول تتحكم تماما بالأمم المتحدة: جمهورية الصين «الشعبية» وحزبها الشيوعي المصابة بحساسية خاصة من مفردات مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير. وجمهورية روسيا الاتحادية التي تتركز كل السلطات فيها بيد شخص واحد تدور حوله كل مؤسسات الدولة ويرى أن افتعال المواجهات والصراعات تخدم بقاءه في السلطة بغض النظر عن المصلحة الوطنية لروسيا. والولايات المتحدة الأمريكية
التي يتحكم فيها تيار انعزالي يصرح بكل وضوح بأن قضايا العالم لا تعنيه وأن فكرة المجتمع الإنساني الواحد ليست أكثر من كذبة وشعارات عاطفية لم يصل تطور البشرية إليها بعد. وآخر دولتين بريطانيا وفرنسا ليستا من القوة البشرية أو الاقتصادية أو العسكرية التي تمكنهما من انتهاج سياسة مستقلة والدفاع عنها. وقد قال قبل سنوات جون بولتون مندوب الولايات المتحدة الأسبق في الأمم المتحدة واصفا عدم جدوى هذه المنظمة: إذا اختفى طابقان كاملان من مبنى الأمم المتحدة لما شعر العالم بالفرق.
كاتب سوري
د. عماد بوظو