وقفات مع محمد حسن الوزاني

حجم الخط
0

الكثير من الإشكاليات المرتبطة بقضايا الدولة وقضايا الدين والسياسة التي لازالت تتخبط فيها الكثير من التنظيمات السياسية ذات المرجعية الإسلامية، كانت محل تحرير نظري متقدم من طرف بعض الإعلام المغاربة النهضويين، من هؤلاء محمد حسن الوزاني الذي خلف تراثا فكريا غنيا بالأطروحات السياسية التي تناقش المسألة السياسية وتبحث في الفلسفة السياسية لنظام الحكم في المغرب المستقل، ويعتبر محمد حسن الوزاني من أوائل الوطنيين الذين كتبوا في هذه المسألة، ففي 23 أيلول/ سبتمبر 1947 وجه مذكرة سياسية إلى سلطات الحماية يربط فيها بين الاستقلال والديمقراطية.
وإذا كان النضال السياسي للوزاني وهو على رأس حزب الشورى والاستقلال لم يثمر نتائجه المرجوة، فإن هذا المعطى لا يمنع من دراسة الخطاب السياسي للزعيم الشورى وفحص مكوناته وخصائصه والإلمام بجذوره الفكرية والفلسفية، بالإضافة إلى تحليل اجتهاداته في المجال الدستوري.
لقد لعبت مصادر التكوين العلمي وظروف التنشئة السياسية، دورا كبيرا في بلورة الفكر السياسي للوزاني، فقد ولج في صغره «مدرسة فرنسيسكانية بالرباط، واصطحب لمدة الزعيم القومي العربي الأمير شكيب أرسلان، وخالط أوساط الجمهوريين الإسبان، ثم التحق بمدرجات المدرسة الحرة للعلوم السياسية بباريس» بحيث إن مساره السياسي يبرز عمق التكوين الغربي لديه، وهو ما أهله حسب ـ الباحث محمد الطوزي ـ إلى «لعب دور المنظر الإيديولوجي للتيار الليبرالي العصري في بلد تغلب عليه التقليدانية والمحافظة»، غير أن البيئة المغربية التي ترعرع فيها الوزاني والظروف الثقافية العامة التي كانت تطبع الفكر المغربي جعلت الرجل يندفع نحو تبني بعض المفاهيم التراثية تأكيدا منه للمنحى السلفي التجديدي الذي كان مهيمنا على أغلب الاتجاهات الفكرية والسياسية في تلك المرحلة. ولكن ميزة الوزاني هي قدرته الذكية على التخلص من الأسئلة التي انشغل بها الفكر السلفي المغربي في تلك المرحلة، وتبنيه لمنظور فكري متفرد، فـ»منهاجه في العودة إلى السلف لا يستجيب إلى رغبة في محاربة البدع والشوائب التي شوهت النموذج الأصلي، ولا يتوخى إحياء ماض أضحى متجاوزا، وإنما يهدف إلى قراءة جديدة للتاريخ الإسلامي، وتأكيد ملاءمة المفاهيم الإسلامية الأساسية لمفاهيم عصرية تثير جدلا ونقاشا» كقضية الديمقراطية ومدى انسجامها مع فكرة الشورى الإسلامية، وقضايا حرية التعبير ونقد الحاكم وفصل السلط.. غير أن الطابع السلفي عند الوزاني «يختلف جملة وتفصيلا عن سلفية علال الفاسي، إلا أنه سجل نفس التساؤلات وبحث عن أجوبة لها، مستقيا أدلته من نفس الإرث»، بحيث إن الثقافة الوطنية السائدة آنذاك كانت تفرض على كل صاحب فكرة أن يستلهم من التراث الإسلامي ما يعزز به أطروحته، ويبرهن على صحة أفكاره، بيد أن هذا المنهج لا يعني أن محمد حسن الوزاني لم يكن متشبعا بثقافة دينية حقيقية، وأنه كان يتعامل بشكل انتقائي مع التراث «لخدمة قضايا علمانية مقنعة»، بل إن خطابه السياسي كان يصدر عن ثقافة إسلامية حقيقية، ولكنها ليست متخصصة في الدراسات الشرعية كما هو الحال عند صاحب «مقاصد الشريعة»، وظلت تفتقد إلى أدوات هذا العلم في حبك تصورات سياسية واضحة وغير متذبذبة، ويعزى «تذبذب التعابير التي يعبر بواسطتها الوزاني عن قناعاته الراسخة إلى طبيعة تكوينه القانوني والسياسي، وضعف رصيده في اللغة الشرعية، فهو لم يتلق تعليما شرعيا متينا في جامعة القرويين مثلا كما هو الشأن بالنسبة لعلال الفاسي ـ ورغم ذلك فإن هذه الصعوبات لم تمنعه من التعبير عن أفكاره حول جملة من القضايا السياسية في العديد من كتاباته وأهمها: (الإسلام والدولة أو حقيقة الحكم في الإسلام) «الذي ألفه بمنفاه السحيق في الصحراء» خلال الفترة الممتدة من مستهل تشرين الثاني/نوفمبر 1937 إلى 1946، والذي يعتبر أهم مساهمة منه في الفكر السياسي المغربي». كما سيتضح عند تحليلنا لبعض المفاهيم المركزية في فكره السياسي.
وتظهر النزعة التأصيلية عند الوزاني في مناقشته لإشكالية العلاقة بين الدين والسياسة، وفي تحليله لمفهوم العلمانية وفي نقده للديمقراطية الغربية، كما تظهر في «تأكيد ملاءمة المفاهيم الإسلامية الأساسية لمفاهيم معاصرة» كما أن المنحى التحديثي عنده يتجلى بشكل واضح في دفاعه عن مفهوم السيادة للأمة ومناهضته لجميع أشكال الاستبداد والحكم المطلق.

٭ كاتب من المغرب

وقفات مع محمد حسن الوزاني

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية