وقوف متكرر أو رحلة البحث عن رغيف الخبز

حجم الخط
0

الإسكندرية – محمد عاصم: لسنوات طويلة قضيت الإجازة الصيفية في طابور العيش، كان أطفال الشارع يتجمعون كل يوم في تمام الساعة الثامنة صباحاً، لننطلق إلى المخبز ونظل ننتظر دورنا لساعتين أو أكثر ثم نعود بالخبز الطازج. كان الأمر في بدايته تجربة جديدة وممتعة بدأها خالد صديقنا عندما قرر أن يذهب ويقف في الطابور بدلا من أمه ثم فعلنا جميعًا مثله.
بعد فترة تحول الأمر إلى عبء كبير، خاصة في ظل الزحام الشديد وتعامل بائعي الخبز بقسوة وغلظة معنا كأطفال، بالإضافة لإعطائنا أسوأ الأرغفة، مما كان يتسبب في توبيخنا عندما نعود للبيت.
الوحيد الذي لم يكن يأتي معنا لهذه المهمة القاسية، التي بدأت كنزهة ترفيهية ثم تحولت لطقس مجبرين على فعله، هو أحمد مجدي. كان والده يعمل مدرسًا في إحدى دول الخليج، وأمه كانت تملك محل أدوات تجمـيل.
في منتصف اليوم ينزل أحمد ويمشي أمتارا عدة إلى مخبز تجاري، يقع على ناصية الشارع، ثم يشتري أرغفة من الخبز ثمن الواحد 20 قرشًا، دون أن يقف في طابور مثلنا، بينما كنا نشتري نحن رغيف الخبز المدعم من الدولة بـ 5 قروش، تمنينا جميعًا حينها أن نملك هذه الرفاهية، لكن مع بداية العام الدراسي كنا نعفى من هذه الرحلة الشاقة مما كان يخفف من حدة هذه المأساة.
مرت الأيام وكبرنا ولم نعد مجبرين على الذهاب للمخبز الحكومي، لكن ظلت أزمة الخبز كما هي، بل تفاقمت، ووصل الأمر إلى حد الاقتتال على رغيف الخبز. ففي الفترة الممتدة من عام 2000 حتى 2010 خـلال حقبة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، شهدت مصر أزمات خبز متتالية، تسببت في مقتل بعض الأشخاص خلال التدافع من أجل الحصول على رغيف الخبز، وانتشر حينها الحديث بقوة عن اقتراب ثورة الجياع.
جاءت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، كمحاولة لتفادي ثورة الجياع، وكانت شعاراتها واضحة، وفي مقدمتها رغيف الخبز «عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية» هذا الاهتمام الكبير برغيف الخبز ودوره الهام في حياة المصريين أجبر حكومات ما بعد الثورة على تحسين جودة الخبز وتوفيره بكثرة مع تخفيف معاناة الناس في الحصول عليه فاختفت الطوابير بعض الشيء، ووصـل حـجم دعـم الخـبز إلـى 20 ملـيار جنيه ما يعادل مليـار دولار، ويستـفيد منه نحـو 60 ملـيون شخـص.
ورغم قيام الحكومة في السنوات الثلاث الماضية برفع أسعار السلع التموينية وتطبيق منظومة الدعم النقدي، إلا أنها لم تستطع حتى الآن رفع سعر رغيف الخبز، في حين اتخذت مجموعة من الإجـراءات الأخـرى للتحايل وتقليل حجم الدعم الموجـه لـرغيف الخبز عـن طريق منح الخبز المدعم للأفراد الذيـن يملـكون بطاقة تموين فقط وتخصيص عدد خمس أرغفة فقـط لـكل مواطن.
بالإضافة لتحديد ساعات محددة فقط للحصول على العيش المدعم بعد أن كان يمكن للمواطنين الحصول عليه في أي وقت في اليوم، مع حرمان العديد كل من يزيد دخله عن ثلاثة آلاف جنية شهريًا، نحو 170 دولارا، من الحصول على الخبز المدعم.
وسط هذه الظروف القاسية التي تعيشها مصر وحالة التراجع الكبير في الدخول وارتفاع الأسعار بصورة جنونية وصل معها رغيف الخبز غير المدعم إلى 50 قرشا، أي عشرين ضعفا لثمن الرغيف المدعم، عادت من جديد طوابير الخبز، وسط غضب كبير وحالة من الشعور بالعجز والضياع، والخوف من تهديدات الحكومة المتتالية بحتمية رفع سعر رغيف المدعم.
المفارقة المثيرة، أن أصدقاء الطفولة عادوا من جديد للاصطفاف معا في طابور الخبز. وهذه المرة انضم لنا أحمد مجدي، بعد أن تَوفت والدته وبِيع محلها، وعاد والده من الخليج محملا بالأوجاع والأمراض.

وقوف متكرر أو رحلة البحث عن رغيف الخبز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية