«ولادة لم تنته» للقاص المغربي محمد مفتوح: تراجيدية إنسانية تصارع التمدن المزيف!

حجم الخط
1

لا مجال للمجازفة في حضرة نص عدواني يرفض الخروج من جلده المتوحش لمواجهته.. يركن إلى الدفاع في انتظار المبادرة منك، يلوح إليك بإزار أحمر كالمصارع. وحينما تندفع كثور كتلاني تجد نفسك أمام ذئب مسالم… أنطقه الله ليبرئ نفسه من المنسوب إليه.. إنما تركيبات مشفرة فعلا لقراء منخرطين فقط!

سيمفونية الخطاب القصصي

يبدأ النص القصصي «ذئاب» بحرف وليس باسم أو فعل، ولعمري هذه تقنية وحداثة في كتابة القصة المغربية الجديدة، التي طفقت إرهاصاتها مع الجيل الجديد. وهكذا انفلشت قصة «ذئاب» التي تحتل المرتبة الثالثة في فهرس مجموعة «ولادة لم تنته».

-عو…عو…عو…عواء. ص14

وهنا تكمن «عقدة» قصة «ذئاب» التي تعتبر في نظري من أصعب النصوص القصصية فهما واستيعابا، رغم المباشرة الوصفية التي تلي هذه الحروف المرموزة والمستفسرة إلى أقصى الحدود.
يبدأ النص بالمباشرة الوصفية «أذناهما قائمتان…أنيابهما بارزة ومشحوذة….» ص 14 بأسلوب سردي يأتي في صورة قفزات ذئبية متلاحقة. مادة الحروف تطعن ثنائية (عين/أذن) وذلك حينما تقع عين القارئ على كلمة «ذئب» تسمع الأذن «العواء»(عو…عو…عو…عواء) وبهذا يظل نص (ذئاب) عبارة عن نتوءات لغوية بارزة تسرق شموخها من قبس فضاء غابوي مختزل في معقوفتين (ذئب/ذئبة) ولا يتعداهما إلى الصنف الآخر. لتظل الحوارات الأفقية (عواء/ عواء) محصورة داخل إطار معين عاجز عن السفر، خلف حدود يرسمها الكاتب بناء على موروث اجتماعي خاص (مدينته، عمله وأسرته) مع هيمنة ملموسة لجرأة تعزف على وتر حساس ألا وهو النبش في كوامن الإنسان عن البذرة الملموسة المتخفية خلف ابتسامة صفراء (عو…عو…).
والمتتبع لهذه السمفونية المركبة من إيقاعات وحشية (عو…عو…) يقف على أزمنة متفاوتة الطول حسب شدة الموقف وخطورته.. وهذا يجعل القارئ يتخيل وكأن القاص محمد مفتوح زاهد متبتل وسط الأدغال يكتب ما يملى عليه من خارج نفسه بعفوية، مع استغلاله الجيد لبعض المؤثرات الصوتية (عواء.. نباح.. مد وجزر) لزركشة ملابس شخوصه المتحركة فوق خشبة النص وتلوين الجسد ليحصل التماثل بين ما يرى وما يسمع (العواء/الذئب) إنها قمة إخراج كافكاوي لتراجيديا إنسانية في صراعات مع تمدن مزيف ومنافق يحكمه قانون الغاب وفق منظومات قنفوذية شائكة غالبا ما تعود فيه الغلبة للأقوى… (أنيابها بارزة مشحوذة.. متربصة هي هذه الذئاب) ص 14. إن النص بين الفينة والأخرى يرفض المألوف ويكسر كل الأعراف ويرفع شعار التمرد على مبدأ القوة. لتنزلق من أعلى هودجها وتترجل من أجل هدنة مؤقتة ومصالحة الأمكنة والأزمنة. في انتظار عودة سريعة لتوازن طبيعي لأدبيات وأخلاقيات
ننسى من خلالها «ذاكرة» النص المسرود والمستعصي على القارئ بالتحية (عو .. عو.. عواء) رغم لباقته، وتودعه بأحسن منها عند نهاية القصة (عو…عو…عواء) (عويا عويا الاثنان دفعة واحدة) ص16
لغة السيناريوداخل القص :
تنماز الكتابة السردية والقصصية عند المبدع محمد مفتوح بتقنية أوسمة الاختزال. الشيء الذي يجعلها، أي القصة، قابلة للدخول إلى عالم السينما تمثل وتوزع أدوارها كما يوزعها هو بنفسه على الأشخاص.
إضافة إلى ميكانزمات أخرى كـ(الفلاش باك والمونولوغ والديالوغ) وكأنه يتعمد ذلك حتى يعطي للنص نكهة خاصة وميزة الفرادة والصلاحية.. إنها كتابة تتخللها سيناريوهات على شكل قص، وهذا ما سيبين من خلال هذه القراءة النقدية للمجموعة القصصية «ولادة لم تنته»، وقد لا استثني قصة «ذئاب» بمفردها فهناك قصص أخرى تصلح للتمثيل والسينما كقصة «بويا عمر» و»كلمة الرئيس» و«ولادة لم تنته»، لما تزخر به من صور ضاربة في مجال السخرية وصور كاريكاتيرية بأسلوب «الفانتازتيك».
ويستمر النص القصصي «ذئاب» بمدلولاته التقنية السينمائية والصور التي ذكرناها سابقا. تضع الإصبع على عدة تابوهات طقوسية وعقائدية ومكبوتات جنسية وأمراض نفسية قد تكون شاذة لا ترى بالعين المجردة داخل النص القصصي. رفدا للغة السيناريوهات السينمائية، التي تستقطبها العين أكثر من الحوار الذي كاد أن ينعدم داخل قصة «ذئاب»، إلا من عدة «مونولوغات» وتمتمات غير معبرة، وربما يكون تقديم البطل في صفة (الحيوان/إنسانا) محاولا إنكار الهوية «ذئاب في ثياب…» (ص14) وعملية إقصاء الحوار واستعمال الصورة، قد تكون مناورة محبوكة من قبل القاص المشاغب المخاتل محمد مفتوح، لإلغاء الأذن والانفراد بالعين، ليظل دم الذئب على قميص يوسف صورة بدون تعليق. إن المادة التي بين أيدينا هي عبارة عن (نص قانوني) من دستور معقد يضم أرقاما وفقرات على شاكلة «فصول» تعتمد على لغة المنطق في تنظيم العلاقات داخل الجماعات المتجانسة. وهذا النسيج العنكبوتي اللغوي لم يكن صدفة لكنه اختار مفترق اللغات (الدارجة/الفصحى) بعد دراسة معمقة لاستراتيجية حرب «كلامية» تستعمل فيها معدات من الالفاظ المتطورة.
لتكون في مستوى الحدث اللغوي… فالطرق الوليمة. والولائم والأعراس تتحول إلى وسط غابوي متوحش يجسد الصراع الداخلي للبطل وتمرده على الأمان المزيف خلف ستار الأقنعة «الثياب». (جمعتهما وليمة.. افترقا في منتصف الطريق العمومي..) «ص14». وهذه صورة أخرى سينمائية تجسد عدة مواقف تمثيلية لصورة الإنسان المعاصر التائه الذي يتقفى أثر بصيص النجاة ويغالط عيون المخبرين باعتماده على لغة زئبقية متملصة تصعب ملامستها ولتحرير هذا «الفلاش» التعبيري من عتمته الليلية علينا أن نعود إلى المرصد اللغوي للقاص محمد مفتوح وهو يحضر برنامجا وثائقيا»…عويا الاثنان دفعة واحدة…..حيرتنا بنت الكلبة حيرتنا بنت الكلاب»(ص16). كتلوين شحيح أو تشظ لغرابة تتراوح بين التأرجح لصالح الحدث «المستتر» وبين التطوية للمادة الأدبية الإبداعية ذاتها «اللغة»، ولعل هذا التخيل قد جعل «الإنسان» يعيش الحالة الفيزيولوجية –السيكولوجية نفسها، أي بين النطق والصمت والاعتماد أحيانا على الإشارة، ويتحول «الذئب» إلى سمكة مدهونة بالصابون تخترق الشرك المنصوب. وكان محمد مفتوح قد تأثر بصديقه الراحل الكاتب محمد زفزاف في روايته الشيقة «الذئب الذي يظهر ويختفي». ومن يدري ربما يكون القاص قد تأثر كذلك بالكاتب العالمي هيرمان هويس في روايته الشيقة أيضا «ذئب البراري».
وحتى الدراما لم يخل منها النص الأدبي «ذئاب» الشيء الذي يخول له أن يكون مرشحا كسيناريو لما يمتاز به من مكونات درامية وفلسفية حتى لو كانت مرموزة على لسان الحيوان لأنها ذات أبعاد حضارية وإنسانية في الوقت ذاته…
– «… الذئب المخاطب يرخي أذنيه أصبحت منحنية يحملق في المتكلم.. ص16
– ربما هي ثعلبة تبدو خجولة وكأنها آتية من ديار بعيدة» (ص15)
– «…يا لها من ثياب…حملق المتكلم في المخاطب…» (ص16)
– «رأتهما بزاوية عينها اليسرى فلوحت بذيلها مبصبصة ثم عوت بصوت مخنوق..عو…عو…عواء…» (ص15)
ومما زاد من (صعلكة) النص وتمرده على قوانين الكتابة هو الحوارات العمودية «عويا الاثنان حيرتنا بنت الكلاب….»(ص16)
(لغة الإنسان/لغة الحيوان)التي تصل أحيانا إلى سخونة حمم بركانية، بسبب رفض باطني لا يعلمه إلا الكاتب، لكننا سنظل دائما نتمسك بحدوث (المعجزة) اللغوية وخرق القوانين من طرف سيل الرموز العجيبة التي تطرح عدة أسئلة مثل، أين عوى الذئب على فلان…
هنا إسقاط جيد لكلمة «عوى» واكتساحها (للزمن/للون) والسؤال هنا يأتي للاستفسار عن مبيت فلان. لأن الذئب لا يعوي إلا في الليل والسواد، فمن هنا يمكننا أن نقول بأن الكاتب وبتشريح طبي لكلمة «عواء» يقف على أسباب موت ثقافة لغوية وأمكنة الأحداث وملابسات القضية مع تسجيل بعض المناوشات. «مبدأ الحيلولة» في الأشياء دون الاقتصار على التفرج عن بعد. ومهما يكن الأمر فستظل منزلقات «نص ذئاب» تتوارى خلف لغة مشفرة تحتاج إلى مجهودات فكرية لفك طلاسمها وبالتالي الوقوف على مراميها وأهدافها.
أما في ما يخص الأبطال والشخوص المتحركة داخل النص، فهي عبارة عن كراكيز تستمد حركتها من طاقة أنامل الكاتب، لا تعاني من استبداده وفرد وجوده عليها. «هما ذئبان» «هي ذئبة مؤدبة» (ص14)
«لمحت الكلب الإفرنجي وهو لازال يبصبص لها بذيله» (ص15)
وهذا ما ساعد القاص محمد مفتوح على تشكيل محميته من تكتلات متباينة تتحرك وفق مؤهلاتها البدنية والفراسة أحيانا بعيدة عن تدخل منه تجنبا لرتابة والملل.. وبهذا ينخرط الكاتب في منظومة الكتابة الحديثة للقصة القصيرة الجديدة المغربية.
يقول في حقه الروائي والناقد العراقي فيصل عبد الحسن، في الملحق الأدبي لجريدة «الزمان» تحت عنوان. «قصص تبشر بجيل جديد من كتاب القصة»: «… هذا القاص المغربي الذي تمتاز كتاباته القصصية، التي نشرها في الجرائد والمجلات العربية والمغربية، بميزة قلما تتوفر عليها كتابات الكثير من القصاصين المغاربة من جيله، فهو يكتب عن عالم القاع المغربي، ذلك القاع المفعم بمعاناة أبطاله. إذ تلتبس الأحداث عند قارئ قصص هذا القاص فيعتقد أنها خيالية لم تقع في الواقع وأن ما جاء في الكثير منها تهويمات مسطولين أو حمقى أو ربما مجانين ألقت المصادفة وحدها بحكاياتهم الغريبة بيد هذا القاص فأخذها كمادة خام ولم يضف إليها إلا القليل من الحرفة القصصية، ليقدم لنا عالما صاخبا بهذه الشخصيات غير المألوفة، التي تذكرنا إلى حد ما ببعض شخصيات قصص محمد زفزاف القاص المغربي المعروف، خاصة في قصصه الأخيرة، ويسترسل الناقد فيصل عبد الحسن في المقال نفسه: «شخوص المجموعة القصصية «ولادة لم تنته» يمثلون روح التفاؤل في بعض قصص إدريس الخوري، الذين تزخر بهم قصص المجموعة، وهم في الأغلب مأخوذون من طبقات الشعب المغربي الأكثر نقاء وطيبة الذين لا يفكرون كثيرا بما سيحدث لهم في اليوم التالي، فهم يعيشون الحياة يوما بيوم، قصص المجموعة العشر ابتداء بزقزوقة وانتهاء ببويا عمر على الأغلب تتناول رجالا محرومين وفتيات عانسات رسمهن يراع القاص المغربي محمد مفتوح كما ينقل إلينا وجوها مأخوذة عن لوحات مارك شاغال ورسام إسبانيا غويا، فنرى وجه رجل له شعر كثيف وجنونه ينصب على خوض معارك ضارية ضد الطيور. وتقنية الكتابة عند هذا الرجل لا تتعكز على حداثية الشكل أو استخدام مظلة اللغة المنمقة، بل يعتمد تقنيات عين الكاميرا في تناول الواقع، من خلال الوصف المكثف من دون حكاية… وفي قصص أخرى تذكرنا بالقصص الساخرة التي يكتبها القاص التركي الساخر عزيز نسين، فهو يتناول في قصته عاطلا عن العمل يجد فرصة عمل في دارة حكومية، ويتناول القاص الليلة التي تسبق استلام العمل وكيف تمضي على هذا العامل المحمل بتجربة التعطل عن العمل لفترة طويلة
ويختم فيصل عبد الحسن الناقد والروائي مقالته: «ولادة لم تنته» قصص تبشرنا بجيل جديد من كتاب القصة القصيرة المغربية الجديدة، بدأ يشق طريقه راسما لنفسه دربا خاصا به، وقد استفاد من تجربة من سبقوه في مجال القصة القصيرة محمد زفزاف، إدريس وري عبد الجبار السحيمي، أحمد بوزفور وزهرة زيراوي، وغيرهم ممن أسهم في رسم خريطة القصة القصيرة في بلد المغرب بلد الشمس الذهبية».
أما مصطفى بوجير فيقول في حق القاص محمد مفتوح في مجلة «إبداع وفكر ونقد»: «إن قصة «كلمة الرئيس» ما هي إلا مرآة للمجموعة بأكملها «ولادة لم تنته» لأنها تعكس شخصية المبدع القاص محمد مفتوح في سرد جملة من المشاهد والخيالات الاجتماعية… بعين كاميرا ملتقطة كل شاردة وواردة. إن قصة «كلمة الرئيس» تزخر بمشاهد اجتماعية وهي في حد ذاتها مزج بين سرد المشاهد اليومية بواسطة حوار طاغ يذهب إلى حدود الحوار المسرحي للشخصيات الفاعلة في بناء القصة. ناهيك عن التعليق الدقيق لأبسط الأمور المتعلقة بوصف هذه الشخصيات، وهنا تكمن قوة الالتقاط في أغلب قصص القاص محمد مفتوح، وهي سمة من سمات أسلوبه الساخر الكاريكاتيري، بالوصف الدقيق يشير بقلمه إلى بناء الشخصية ويوزع الأدوار بين الشخصيات الرئيسية والثانوية لتأدية مضمون لب الأفكار المزمع التعبير عنها…».
يرى جيرار جنيت أن زمن القص يتوزع على ضربين: زمن أولي وهو زمن القص الأصلي في اللحظة الحاضرة، وزمن تابع متفرع عن السابق ويشمل الاستباق والاسترجاع، فالاستباق هو استشراف المستقبل والحدس ببعض الوقائع المستقلة التالية للحظة التي بلغها زمن القص الأصلي، وهو ظاهرة عصية على كتابة الرواية والقصة القصيرة: لذا لا نجد له أثرا يذكر في إنتاج كتاب الرواية والقصة القصيرة، اللهم إلا في بعض قصص الترجمات الذاتية أو القصص المكتوبة بضمير المتكلم أي تلك القصص التي يكون فيها الراوي على علم مسبق بما انتهت إليه الأحداث».

٭ كاتب من المغرب

حسن برطال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية