وليمة التعايش المسموم

حجم الخط
1

تحكم أنماط التعاطي السياسي العربي الراهن في كل من سوريا ومصر والعراق واليمن، ثنائية متناقضة، بين الثورة- الاستبداد، وهذه الثنائية اتسمت بالتناقض البنيوي الذي ينسحب على جميع المستويات، بنمط الحكم وشكل الممارسة السياسية والاقتصادية للمجتمعات العربية التي تخوض معاركها لإسقاط الاستبداد وصد الثورات المضادة.بمعنى أن كلا طرفي هذه الثنائية يشكل نقيضا للآخر.
فالصراع الراهن بين الاستبداد والتطرف من جهة، وبين قوى الثورة، يمثل شكلاً نوعيا جديدا من الصراع: صراع الطبقات المجتمعية، وهو يمثل امتدادا تاريخيا للصراع الذي كان يدور منذ عهود طويلة بين قوتين متناقضتين، الاستبداد والديمقراطية، وهذا الصراع كان في البدء أكثر وضوحا وأقل تعقيدا، لكن ظهور أنماط جديدة من النظم العربية القائمة على تحالف الأمن مع الاقتصاد واستحواذهما على شكل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، جعل الصراع أكثر صعوبة، وأعطاه هذا الشكل الدموي الذي تشهده بعض الميادين العربية.
اشتداد الصراع بين هاتين القوتين المتناقضتين، أو بشكل أصح بين معسكر الثورة والديمقراطية من جهة، وبين معسكر الاستبداد العربي من جهة ثانية، أدى إلى معطى جديد، هو إنتاج سلاح «التطرف والإرهاب «كقوة ردع يوازن بها الاستبداد بينه وبين قوى الثورة، لتحكم طبيعة الصراع بينه وبين مجتمعه لتثبيت السلطة، بحيث أصبح الصراع في كل من دمشق وبغداد والقاهرة وصنعاء، يتمحور على قاعدة غير هادئة، قاعدة مرعبة، انتجت ركائز غير بعيدة عن القوى «الثورية»، وقاد إلى استراتيجية غير بعيدة عن قوة الردع التي تسلح بها النظام العربي الرسمي لمواجهة الخصم، وبهذا الرعب المتبادل يكون شكل التعايش مستحيلا، مع عزم الاستبداد القضاء على نصف أو ثلاثة ارباع المجتمع، كما هو قائم في دمشق والقاهرة وبغداد وصنعاء، وهو ما يشكل نظرياً هزيمة مدوية لمفهوم السلطة القائمة بأقماط دموية كثيفة. واذا كانت أنظمة الاستبداد مولعة بفائض قيمة القوة والبطش في النموذجين السوري والمصري، فإنه لا يبرر أيضا ممارسات القوى «الثورية» المعارضة بسلوكها المتخاذل والقمعي، الذي قدم سياسة خاوية تُستر خلف شعاراتها وممارساتها عيوبا شلت قدرتها على تقديم نقيض ينظم العلاقة بينها وبين مجتمعاتها، مع أن التطلعات الثورية في الديمقراطية هي لتنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين من دون انغلاق وتعصب، لكن القاعدة المرعبة التي استندت إليها ثنائية التناقض في الصراع الحاصل مع الثورات المضادة، كاف بحد ذاته لفهم مآل الرعب غير المبتعد عن نمط الاستبداد.

الخوف من الديمقراطية

انعكست خلجات الخوف السائد من الثورات العربية، أو بتعبير أدق التخويف من الديمقراطية في العالم العربي، على كثير ممن كان يُنظّر لممارسة الديمقراطية للخلاص من الاستبداد، ثم خالجهم ذلك الخوف طيلة الوقت من الثورات المندلعة، وبات يُعتقد أن شكلها يؤدي إلى تقسيم الصفوف وإضعاف المجتمع لجهة ممارسة الإرهاب الفكري والطائفي الذي يسود وينعكس في جزء منه على واقعنا أيضا، لنقل الكثير أو القليل من الخوف الذي وقع البعض في كمينه، واستثمرته بعض أنظمة الاستبداد ولوحت به لتحقق من خلاله أهدافا تسعى لتحقيقها، لذلك يمكن القول إن بداية الثورات شكلت إرباكا أو تعثرا في حسم الامر، واختارت مؤسسة الاستبداد أن تمضي الامور إلى نهاياتها التي تدور حول الحاكم الفرد، كمحور يُختزل فيه كل المشهد، الذي يدفع إلى استنتاج أن طريق الحرية لممارسة الديمقراطية يمر عبر إزاحة أنماط الحكم الاستبدادية، ومن دون ذلك فليس ثمة حرية، وأن تمزيق المجتمعات شيعاً واحزابا وتيارات طائفية ومذهبية هي انماط استبدادية.

التطييف كحبل «نجاة»

استند نمط الاستبداد في كل من مصر وسوريا والعراق واليمن، إلى أدق وأعمق الأساليب وحشية ودموية، تحت غطاء ناري من الشعارات السياسية، وطرح جملة مواضيع لا علاقة لها بالسياسة، بحيث كانت نقطة انطلاق عمله تستند إلى بنيان أمني متين قذف به الشارع بجملة محاكمات تناقض العقل والمنطق، متجاوزا بذلك وعن وعي تام الطرح السياسي والعلمي لمجريات الأحداث في مجتمعه، بهذا أيقظ وحرض نزعة العنف والتطرف والارهاب كقوة رادعة لنقيضه الثائر، وحقن الأفكار الطائفية غير المنطقية بالتركيز على روابط العنف بين الشارع و»الارهاب»، من خلال تحويل بعض الاكاذيب إلى حقائق، ومن خلال شحن متواتر وشديد للتطرف مع تركيبات ذهنية ومذهبية وفكرية معينة ذات لمعان وبريق خاص، تعكس في مرآتها كل الخدوش التي شوهت الوجه الإنساني للمجتمع العربي، وفي هذين المتناقضين ينمو عزم الشارع العربي، محاولاً إمساك طرفي ثورته الخطرة، والانتقال إلى مواقع جديدة بشكل جذري، تكون للممارسة الديمقراطية ادواتها التي تدحض كل إرث الاستبداد، للخروج من التراكمية الدامية.

وليمة التعايش المسموم

حظيت تلك الانماط الاستبدادية بفهم أكثر من الجماهير المنتفضة عليها، وبقوتها الخارقة على نقل الرسائل، وتراكم الأدلة فوق الأدلة طوال سنوات الصراع مع الاستبداد، وصولاً إلى ثورات الربيع العربي، وأدركت نظم الاستبداد ضخامة القوة الناسفة الكامنة في تحرك الميادين العربية، فأخرج الاستبداد شهود زوره على عقابيل المجازر المتتالية بحق الإنسان العربي، التي لا تعطيه من وليمة التعايش والمواطنة والهوية إلا فتات الشعارات المتجاذبة بينها وبين معارضيها. ربما سيقول قائل إن ذلك سبب من أسباب الاستبداد المنتج لصراعات إثنية ومذهبية، دفعت لتشويه الربيع العربي، نعم لكن ماذا عن الممارسة غير المندمجة في تطلعات المجتمع العربي، التي تشكل ضمانة أكيدة ضد هيمنة الفكرة «الطائفية» أو الانتماءات الأخرى التي تبعث على تفتيت الهوية الوطنية والمجتمعية؟ في الواقع لم تخل الطقوس والبيانات التي تعج بتنديد استهداف الاقليات، وتتضاءل عند استهداف الاكثريات، وهذه أسطورة من بروباغندا إعلام الاستبداد، التي ميزت نبرة النفاق الغربي على استهدافهم، إن كان في سورية أو العراق أو لبنان في مناسبات عدة، بعد أن قدم الخطاب الاسرائيلي نفسه منذ ما بعد النكبة ايضا على التقسيم والنعرة ذاتهما التي تفيض بشعور القلق والحماية «للدروز والبدو والمسيحيين»، وإبداء القلق على ما يتعرضون له، غير أن الدور الموحد لمكونات القضايا المصيرية في حالة الثورة السورية، على سبيل المثال، لم تنجح في صياغة ما يمكن أن يطلق عليه الحاجة الماسة لمنع تفكيك الروابط الوشائجية التي يحاول النظام تفكيكها، مع بدء تفكك روابطه معها، وهنا تكمن اهم العوامل التي تؤدي إلى تقدم الوعي الطائفي على حساب المواطنة والهوية، عُلقت اجراس الخطر منذ بداية الثورة مع كثرة المجازر، وتنبه كثيرون من الانزلاق نحو الارتدادات الكارثية، على العكس نجح النظام في إقصاء الهوية الوطنية إلى مستويات طائفية، ليس بمساعدة حلفائه وحسب، إنما من خلال تعريفات اظهرت لمجتمعه شتات الرؤية المقبلة لمستقبل بلدهم، يبقى القول إن تحييد الطوائف الهوياتية للمجتمع لا يمكن معه الرهان على بناء امة أو دولة أو مجتمع، بل سيكون له اثر عميق في صياغة تطلعات الانسان العربي بعيدا عن المخاضات الطبيعية لأي ثورة تقوم ضد الاستبداد والطغيان. تبقى العوامل الثابتة، غير المتبدلة هي في نهاية الخفوت واستحالة التعايش مع الاستبداد بوصفه النقيض الاكثر حدة لوحدة المجتمع وتعايشه، وهي عوامل مرتبطة بالضربات التي بدت ساحقة أو شبه ساحقة لقمع الثورات العربية في دمشق والقاهرة واليمن وليبيا.
اشتدت عزيمة الإنسان العربي وقدرته على مراكمة القدرات والخبرات لاختصار الزمن اللازم لتأكيد وجوده والدفاع عنه، فعلى الرغم من تعرضه في مواقع عدة لكوارث ومجازر ماحقة على يد الطغيان الذي توهم بقطف ثمار الأبدية، في حين كانت تحفر قبره حقائق تتراكم يوم بعد يوم، رغم الهجوم العنيف على أسس وقواعد المجتمع لتثبيت سطوة الطغيان، تبقى الثغرة الجسدية المرتبطة بالدفاع عن الوجود ومقاومة الطغيان سلاحا قويا لصد الثورات المضادة، ويُطرح تحد اخلاقي وثقافي زاده وضوح الحقيقة لتحقيق قدر كبير من الحرية والديمقراطية والخلاص من جور الاستبداد الوحشي .

٭ كاتب فلسطيني

نزار السهلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية