ومرة أخرى قاموا علينا لإبادتنا

حجم الخط
0

في خطاب نتنياهو في افتتاح الدورة الشتوية للكنيست لم تكن مفاجآت. البحر ذات البحر، ونتنياهو ذات نتنياهو. على المستوى التكتيكي قال رئيس الوزراء ما ينتظر من كل رئيس وزراء: سنقاتل ضد موجة الإرهاب وسنهزمها. كل رئيس وزراء من اليمين ومن اليسار، في البلاد وفي العالم، كان سيقول امورا مشابهة. فاستخدام القوة ضد الابرياء (وكل فعل إرهابي، مهما كانت مبرراته في نظر منفذي العمليات كائنا من كان، هو مس مقصود بالابرياء؛ وهذا ما يجعله «إرهابا») ينبغي الرد عليه بالقوة المضادة.
ولكن خطاب نتنياهو لم يتناول الاعراض فقط ـ انفجار العنف الذي ينبغي معالجته بواسطة العنف المضاد ـ بل والمرض ايضا. ما الذي يدفع الناس «العاديين» (ومعظم ممارسي الإرهاب في الموجة الحالية ليسوا مقاتلين مهنيين او متزمتين متدينين، بل اشخاص «عاديين» يعملون بلا خطة مرتبة وبلا أوامر «من فوق») للانطلاق على درب يؤدي سواء للمس بالاخرين ام لموتهم؟
لدى نتنياهو يوجد دوما ذات التفسير، يحرره من المسؤولية. التفسير هو أن ثمة شيئا ما في الطرف الاخر يدفعه إلى العنف دون أي صلة بافعالنا. الطرف الاخر تحركه كراهية غير عقلانية تجاهنا. فقد أعلن بان «الإرهاب لا ينبع من الاحباط بسبب عدم التقدم في المسيرة السياسية؛ بل ينبع من الرغبة في ابادتنا». إذا لم يكن مهما ما يفعله اليهود، فيمكن ان نواصل كالمعتاد عدم التقدم في المسيرة السياسية وتثبيت حقائق على الارض. ليس لسياسة اللاأمل لحكومة نتنياهو أي تأثير على افعال الطرف الاخر.
الفلسطينيون لا «يحتجون»، لا يردون (بطريقة غير شرعية) على خطواتنا المحددة، التي يعتبرونها ككسر لقواعد اللعب، بل يكروننا. كانوا يكرهوننا دوما («في كل جيل وجيل») ودوما سيكرهوننا. انتبهوا لاستخدام تعبير «الابادة». الفلسطينيون لا تحركهم فقط الرغبة لطردنا من المناطق المحتلة، ولا حتى من كل اراضي اسرائيل، بل يريدون «ابادتنا». اللعبة هي إذن «لعبة مبلغها الصفر».
هذه اللعبة المحببة على نتنياهو، لانها تعبر عن صفر مسؤولية. فهذه لا تعني فقط أنها تفترض بان افعالنا لن تغير شيئا (حتى التعاطي بطريقة اخرى مع الفلسطينيين لن يغير فكرهم ولن يدفعهم للكف عن العنف)، بل تنقل النزاع المحلي، على الارض وعلى الكرامة الوطنية، إلى الاحصاء لدافع لا يمكن التحكم به لابادة اليهود. وهي تترجم النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني إلى النطاق المعروف للوقفة اليهودية امام المانيا النازية. من جهة عدو وحشي جعل ابادة اليهود هدفا له، ومن جهة اخرى الشعب اليهودي ـ الذي يرى نتنياهو نفسه زعيمه التاريخي. الفرق بين ميونخ 1938 والقدس 2015 هو أن هذه المرة يوجد لليهود سلاح وزعيم مستعد لان يستخدمه.
بالمفهوم الاخلاقي العميق يرى نتنياهو نفسه ليس فقط زعيم الشعب اليهودي بل وايضا الطليعي الذي يقف امام المعسكر العالمي كله. بتعبير آخر، فهو ليس فقط سيدنا موسى الذي يسعى إلى فصل شعبه عن مصر باسم حق تقرير المصير، بل وايضا تشرتشل الذي يقود العالم إلى حرب ابادة ضد قوى الشر ـ الحرب التي لن تنتهي إلا باستسلام الطرف الاخر بلا شروط.
ان الادعاء التاريخي – الهستيري لنتنياهو ينطوي على تعظيم قوة الاخر (لا يدور الحديث عن فتيان يلوحون بالسكاكين، بل عن محاولة ابادة مجرد وجودنا نحن القوة العظمى الاقليمية، اسرائيل، عرضة للخطر) من أجل التعظيم الذاتي (لا يدور الحديث عن شخص «علق» ذهنيا في الماضي المفضل عليه، بل عن زعيم بعيد النظر يسعى إلى انقاذ العالم باسره). ان القدرة على ترجمة الواقع المركب للحاضر إلى ماض بسيط لا يوجد فيه سوى مبيدين محتملين ومبادين محتملين هي سر القوة السياسية لنتنياهو. كما أنها سر ضعفنا. ولتجاهل الواقع ثمن. ونحن من ندفع هذا الثمن.

اسرائيل اليوم 14/10/2015

افيغدور كلاينبرغ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية