ومضات على الطريق

حجم الخط
1

أحبطت أجهزة الأمن الفرنسية قبل أيام محاولة لتنفيذ هجمة إرهابية جديدة في باريس على خلفية حالة من الاستنفار عادت تعج بها الساحة الفرنسية بعد شبه هدوء سعى به الفرنسيون إلى لملمة جراح لم تبرأ بعد، بل توشك أن تنكأ في كل لحظة.
هنا، بودي التوقف عند بعض النقاط «المضيئة» التي قلما تتحدث عنها وسائل الإعلام، وإن تناولتها، فعلى عجل شديد بما لا يترك مجالا للعودة الهادفة ولا المراجعة البناءة. لقد سميت هذا المقال «ومضات»، ولهذه الكلمة المضيئة، أكثر من بعد.
البعد الأول يحيل إلى الأنوار التي نستضيء بها لتلمس آثارها واقتفائها بما تحمله إلينا من خيرات ومنافع ومكاسب. ونعلم جميعا أي معان يمكن إسنادها لعبارة مثل «ومضات على الطريق»، وغيرها من التعابير ذات صلة بحملات التنوير. لكن الومضات تنطبق أيضا على ظواهر أقل ارتباطا بخطط إنارة معرفية، لتشمل بكل بساطة، أضواء كشافات السيارات.
فلنعد إلى الأخبار التي تطاردنا ولنغص من جديد في روايتها كما أتت من المصادر ثم لنقف عند هذه الجملة التي ترددت في أكثر من مكان: «سيارة مركونة عند ملتقى شارعين تومض من دون لوحة رقمية». إنها طبعا ذات السيارة المعبأة باسطوانات من الغاز كما علمنا، واسطوانات الغاز هذه هي النقطة الأكثر تداولا لانها الأكثر إثارة للرعب وفي الوقت نفسه الأكثر «اراحة» للنفوس، لأنها تشير إلى ما كاد أن يحدث ولكن، لم يحدث.
غير ان الشطر الثاني من العبارة جدير بالعناية أيضا: «تومض من دون لوحة رقمية». 
لدينا هنا «ومضات على الطريق»، ولكنها من نوع جديد، ليست ومضات إرشاد بل ومضات ظلام. إنها ومضات مضادة هدفها تغييب المعنى. المعنى، تلك الهبة التي وهبنا اياها والتي تجعل مسؤولية الإنسان في أرقى السلالم بحيث تخيره بين أن يبني أو أن يدمر. أجل، فالمعنى يقف على مفترق طريقين، إما ان توجه به حياتك بالتزامات ومشاريع تروم الرقي الشخصي والجماعي، وإما ان تنحوالمنحى العبثي الضارب في جذور أيديولوجيا إلغاء الآخر باسم مسميات محرفة عن أصلها النبيل، مثلما يسعى البعض إلى فعله بالدين.
في حالة الحدث الباريسي الاخير أيضا كانت الومضات على مفترق طريقين، على مفترق شارعين تحديدا، تقعان في واحدة من أكثر المناطق الباريسية اكتظاظا بالسياح وأيضا أكثرها ارتيادا من المقيمين في باريس. كانت الومضات واقعة في طريق خير اصلا. طريق مطاعم، طريق محلات المقتنيات والتحف، طريق يعبره سيل الطلاب العائدين من يوم دراسة في السوربون مليء بالمستجدات المعرفية، طريق يسلكه أيضا هواة الكتب الباحثون عن درر نفيسة جديدة. كاد يتحول طريق الخيرات إلى طريق الشرور على مفترق طالما نرتاده للترويح عن النفس، لإفراغ شحنات الاسبوع بأنواعها، للأخذ بيد أصدقائنا وصديقاتنا الى الحانات والمطاعم، وكما لا يقال بالعربية، لإفراغ الرأس، لكن الخواطر أوشكت أن تتغير، لأن مفترق طريق الخير الذي وهبتنا إياه باريس، والضمير عائد هنا إلى كل من يزورها وهو مرحب به سلفا، أكان فرنسيا او غير فرنسي، اوشك أن يتحول إلى مفترق شر بيد الجنون، لولا أن وقانا الله منه. وقانا الله من جنون من صرخت «الله أكبر» عندما اوقفتها قوات الأمن التي عرضت حياة أحد أفرادها لخطر شديد ليحمينا، بل كدت اقول ليحميها هي من نفسها اولا، هي وشقيقاتها في الجنون العبثي العدمي، لا الدين! وقانا الله جميعا من جنون من ملكت على عقولهن ايديولوجيا العبث بدل قيم الوجود.
وقانا الله من ومضات هذه السيارة المهترئة على طريق العدم وما حملته من دلالات تحريف عن رسالة الومضات السامية التي كتب لها، وليس عليها، أن تنور البشرية. فبقيت المعالم في الطريق بحمد ربنا وعلت الومضات المنيرة مثل الحق الذي يعلو ولا يعلى عليه.
أتكون هذه الحكاية من باب حكايات أحد أعمدة تراثنا الأدبي العالمي، حكاية لو كتبت على مقلة العين، لكانت عبرة لمن يعتبر؟ نمني النفس ونتمنى، وسنظل نكافح، وأمل الغد الأفضل لا ولن يفارقنا.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

ومضات على الطريق

بيير لوي ريمون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية