وهم الدولة الفلسطينية: أقصى ما سيتحقق حكم ذاتي موسع أو كيان يبقي القيود الأمنية

حجم الخط
0

يخرج الضغط من الناس أحيانا نتائج طيبة. فبعد سنة على انتخاب ترامب للرئاسة الأمريكية، وفي ظل التحقيقات والتورطات من نتنياهو وعائلته، بدأ يتحدث عما يريده أيديولوجيا. فرؤساء الوزراء يتحدثون أيديولوجيا في وضعين. الأول هو قبل أن يكونوا في كرسي الحكم، والثاني بعد أن يتركوه. هذا هو أحد الأسباب الأفضل لتقييد ولاية رئيس الوزراء من أجل إعطائه زعما محدودا لتحقيق معتقداته أو لهجرها (في حالة أن يكون قد كذب).
في يوم الجمعة الماضي في معهد البحوث «تشاتهوم هاوس» في لندن سئل نتنياهو عن إمكانية الدولة الفلسطينية. فأجاب بأننا رأينا الكثير من الدول الإسلامية في الشرق الأوسط التي فشلت وينبغي إعادة النظر في نموذج السيادة الحديثة عديمة الحدود (بمعنى لا حاجة للاستناد إلى حدود 1967 بعد اليوم). ولعله بدا للجالسين في الغرفة تملصا نموذجيا آخر من التقدم نحو الدولة الفلسطينية، ولكن كانت هناك لحظة صفاء للحقيقة.
منذ خطاب بار إيلان الذي فُرض عمليًا على نتنياهو من الرئيس أوباما، تكذب إسرائيل على نفسها وتكذب على العالم. لا يوجد رئيس وزراء يؤمن بالعودة إلى خطوط 1967 مع تعديلات حدودية طفيفة. لن يكون هذا حتى لو فقط بسبب القيود المعروفة للقدس. ولا يوجد زعيم فلسطيني يوافق على الاكتفاء بدولة تقوم على أقل من هذا. هذه هي الحقيقة الوحيدة التي يوافق عليها كل من يعنى بالمجال. ومن هنا يبقى الأمر خاضعا للتفسيرات.
في السنوات الأخيرة عندما يتحدث الممثلون الإسرائيليون عن دولة فلسطينية فإنهم يقصدون حكما ذاتيا موسعا يسيطر فيه الفلسطينيون حزبيًا (وسياسيا)، ولكن لإسرائيل قدرة وصول أمنية. وهم يقصدون المعابر الخاضعة للرقابة، وباختصار شيء ما يشبه جدًا ما يوجد اليوم. الفارق الوحيد بين اليمين واليسار في هذا السياق هو في حجم الأرض موضع الحديث. عندما يتحدث الفلسطينيون عن دولة فلسطينية فإنهم يتخيلون في عقولهم إسرائيل، وعندما تعنى الأسرة الدولية بالدولتين للشعبين فإنها ترى الخط الأخضر. هذه الفجوات هي مصدر الجدال مع الأسرة الدُّولية. وأحيانا هي المصدر لسوء فهم دولة إسرائيل. السؤال الفوري الذي يسأل من جهتهم هو كيف يجسر بين التصريحات والأفعال: إذا كانوا يريدون دولتين للشعبين فكيف يبنون خلف خطوط 1967؟
قبل سنة عندما انتخب ترامب رئيسا كانت فرصة لمرة واحدة لبسط رؤية إسرائيلية مختلفة عن خطاب بار إيلان، وإقناع الأمريكيين بنموذج سيادة آخر يختلف عمى جرى الحديث حوله منذ اتفاقات أوسلو في عدد لا يحصى من المحادثات. وقد اختارت إسرائيل أن تتلفظ بشيء ما غير واضح، وردا على ذلك ظل مبعوثون ومبادرة سلام خفية لترامب لا أحد يعرف حقا ما هي. الاستراتيجية الإسرائيلية منذ عقد كانت الكذب، والمناورة إلى أن يمر الغضب. عمليا، الغضب لم يمر والكذبة لم تقدمنا إلى أي مكان.
قبل سنتين جلست مع واحد من رؤساء الأحزاب في المعارضة الذي روى لي عن حملة سلبية خططت ضد نتنياهو. في أحد الاستطلاعات فحصوا إمكانية أنهم إذا كانوا عرضوه ككاذب في المجال السياسي فهل سيجدي هذا في تهريب الأصوات. السياسة بشعة من كل الجوانب. والنتائج كانت مفاجئة: اليمين اعتقد أنه يكذب من أجل بلاد إسرائيل. أما اليسار فاعتقد أنه يكذب ولا يقصد التقدم في المجال السياسي. الكل اتفق ولم يتفاجأ.
ما هو صحيح في العلاقات الداخلية إشكالي عند الانشغال بالعلاقات الخارجية. وبالتالي فإن الحديث في لندن بالذات مشوّق لأنه أخرج من نتنياهو ما يقوله منذ زمن طويل جدا في الغرف المغلقة: الحقيقة عن النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. لا يمكن الوصول إلى حل مطلق واستقلال فلسطيني على نمط إسرائيل. هذا لن يحصل لأنه خطير جدا ولا يهم كم خطاب بار إيلان سيطلق على الطرفين. ما يوجد هو في واقع الأمر حكم ذاتي موسع، دولة منقوصة، كيان أو حتى امبراطورية فلسطينية، إذا كانوا يريدون أن يسمونها كذلك. طالما كان واضحا أن الأساس لهذا هو مناطق السلطة القائمة، الفصل السياسي عن إسرائيل والحفاظ على القيود الأمنية. سيادة من نوع آخر. كان ينبغي لنا أن نقول هذا منذ زمن بعيد.

يديعوت ـ 7/11/2017

وهم الدولة الفلسطينية: أقصى ما سيتحقق حكم ذاتي موسع أو كيان يبقي القيود الأمنية

يوعز هندل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية