بيروت ـ «القدس العربي»: يعود الأسطورة الثمانيني وودي آلن – 1935 إلى فرنسا وتحديداً منطقة الريفييرا ليصوّر «سحر في ضوء القمر» وهو الفيلم الخمسون في مسيرة حافلة بدأها آلن كوميديا على خشبة أحد مسارح مدينة نيويورك. يعود بعد أن صوّر في العاصمة الفرنسية فيلمه الناجح «منتصف الليل في باريس» قبل أربعة أعوام.
سمات الأسلوب القديم وملامح جديد وودي آلن:
جديد وودي آلن يجمع بين سمات أسلوبه القديم، وملامح تجديديّة بدأها منذ عشرة أعوام إن جاز القول، من أهمّ هذه الملامح التجديدية مغادرة خشبة نيويورك، تلك الولاية التي عشقها وودي آلن وصوّر عنها وفيها الكثير من أفلامه، وأهمها (آني هول- 1977)، (مانهاتن- 1979)، (برودواي داني روز-1984)، و(مانهاتن القتل والغموض- 1993)، حتى أنّ جولة آلن الأوروبيّة بقيت مقيّدة بعودة متكرّرة إلى المدينة المسكون بها، كانت المدينة الإسبانية العريقة برشلونة أولى محطات هذه الجولة مع فيلم «فيكي كريستينا برشلونة» عام 2008، ومنها سافر إلى فرنسا وقدّم أوّل أفلامه هناك عام 2011، ثمّ إيطاليا التي نحت من شهرتها عنوان فيلمه «إلى روما مع الحب» عام 2012، ليعود مع «كيت بلانشيت» في فيلم «ياسين أزرق» إلى نيويورك عام 2013.
الحب، الرومانسية، الشخصيات النسائية التي تبدو ساذجة، الشخوص التي تبدو «كاريكاتيريّة» كنماذج «الكوميديا ديلارته» الإيطاليّة مطوّرة في تصاوير «موليير» المسرحيّة، كل هذا وأكثر يحضر في الفيلم الجديد الذي لا يظهر فيه آلن كما اعتاد أن يفعل في معظم أفلامه. ومن عشقه للسحر يعنون الفيلم الجديد، ويعيد اللعب على موضوعته القديمة هذه التي اشتغل عليها في فيلم «لعنة العقرب الفاسد» مع هيلين هانت عام 2001.
العودة إلى التاريخ ليست خياراً مُفضّلاً في أفلام ابن المدينة الكوزمبوليتانيّة، الذي يبدو في فيلمه الجديد كمن يتسلّى بمغامرة الأزياء والإكسسوارات وعادات الطبقة الاجتماعيّة الراقيّة في عشرينيّات القرن الماضي، ساخراً من كلّ تلك البهرجة على عادته.
كولين فيرث ممثل بألف وجه:
بعد انتهاء عرضه الناجح، ينتقد الساحر المغرور «ستانلي كراوفورد- كولين فيرث» معظم العاملين معه لعدم دقتهم وما يمكن أن ينتج عنها من مخاطر في عروض الخفّة، لعدم انتظامهم كما يجب، ولتهاونهم في جديّة العمل، لا يوقف تذكره الوقح سوى دخول صديق طفولته، الساحر «هاورد بوركان- سيمون ماكبورني» مُهنئاً بنجاح العرض، وعارضاً مغامرة جديدة على الخبير المختص في كشف المزيّفين ممّن يمارسون ألعاب الخفّة تحت غطاء الروحانيّات لسرقة أموال الأغنياء، مُغريّاً صديقه بإمكانيّة زيارة عمته التي يحبها كثيراً والتي ربّته تقريباً لكون العائلة التي وقعت ضحيّة خداع، مجاورة لمسكن عمته. ويقبل ستانلي الجامد حتى التحجّر، المغرور إلى الحد الذي يكاد ينفجر معه، يقبل التحدّي، منتحلاً شخصيّة رجل أعمال، لا تستغرق من الجميلة «صوفي بيكر- إيمّا ستون» سوى أقل من يوم لكشف خداعه.
تدّعي «صوفي» القدرة على التواصل مع الأموات، قراءة المستقبل، ومعرفة الماضي. ابتسامتها وعيناها الواسعتان هما من يسحر السيد ستانلي. مرحها، وسذاجتها وربما مباشرتها العفويّة تلامس أسوار الرجل المنطقي الذي أتقن جميع ألعاب السحر حتى أيقن من انعدام وجوده. فستانلي هو رجل العشرينيّات الناجح، الرجل الذي نجى من الحرب العالميّة الأولى بعد أن فقد ايمانه بالروحانيّات والماورائيّات (بالمعنى الدلاليّ إذ لا ترد أي إشارة في الفيلم الذي تدور أحداثه في العام 1928 للحرب)، ويشهد إعادة البناء القويّة، لكن محفوفة بمخاطر التوسع الفائض، بما يشبه خبرة وحرفيّة ستانلي التي يكاد غروره أن يُطيح بها، وفي الوقت ذاته فإنّ النساء وخاصة في أوروبا خلعنّ التنانير الطويلة والملابس الثقيلة بعد الحرب، وأصبحن أكثر تحرراً، أكثر قوّة وفاعليّة، مناقشات ومثقفات وحاضرات.
كلّ ما كان يحتاجه ستانلي للخروج من سحر «صوفي» هو صدمة قويّة تبعده عنها قليلاً، وحين تحدّث يكفيه القليلٌ من الوقت والاختلاء بنفسه ليدرك أنّها مخادعة فعلاً، وكل ما تقوم به في الواقع هو ألعاب خفّة ساذجة، إلاّ أنّ ما كشفته «صوفي بيكر» للأستاذ خلال هذه التجربة الحياتيّة التي استمتع بها، كما استمتعنا كمشاهدين بفيلم دراما رومانسيّة هو حاجتنا للإيمان بالسحر، بالغيب، وبالمجهول الذي يمكن أن يكون جميلاً كمغامرة غير مضمونة النتائج. فكما تقول له: (جميعنا نحتاج إلى القليل من السحر لنتمكن من المواصلة)، وقليلٌ من ضوء القمر يُحيل الأشياء ساحرة، ألاّ تقع أغرب الأشياء، أجملها وأكثرها رعباً في ليلة مقمرة؟!
يارا بدر