«ويبقى سرا» لخالد سامح: قصص تقول ما لا يقال

حجم الخط
0

يغلب على قصص خالد سامح ـ القاص الأردني – القصيرة، والقصيرة جدا، إفراطها في تسليط الضوء على ما في الواقع من تزييف، وما فيه من مظاهر براقة إذا امتحنها الخبير في الحياة اكتشف كم فيها من الادعاء والكذب والنفاق الرخيص.
ففي إحدى قصص مجموعته الجديدة «ويبقى سرا» (دارفضاءات ـ 2016) الموسومة بالعنوان «أصابع الظلمة» يذكر الراوي أن إعلاميا عربيا كبيرا يجري حوارا مباشرا على الشاشة الصغيرة مع نجمة تلفزيونية أو سينمائية- لا فرق- كبيرة تدَّعي ـ على الرغم من أنها تقارب الستين عاما، بأنها ما تزال جميلة وخلابة وجذابة، ومغرية (حلوة) وأن هذا الجمال الباذخ، وتلك الجاذبية التي تبهر الرجال، مصدرهما هو ثقتها الكبيرة بالنفس.
ومن دون أن يوجه إليها الإعلامي أي سؤال عن عمليات التجميل التي قيل: إنها أجرتها لدى أمهر الجراحين المتخصصين في باريس، سارعت لنفي ما تعده شائعات، فهي لا تحتاج لمثل هاتيك العمليات، التي غالبًا ما يجري الحديث عنها كلما ذهبت، أو عادت، من باريس.
وبما أن الإنسان، حتى لو كان ممثلا يمتهن الخداع- يستطيع أن يخدع الآخرين لبعض الوقت، إلا أنه لا يستطيع أن يخدع نفسَه، لا كل الوقت، ولا بعضه، فقد أدخل الراوي – وهو هنا من النوع الذي يعرف في علم السرديات باسم الراوي العليم- تعديلا في متن الحكاية. فعندما انفردت النجمة الكبيرة بنفسها في غرفة النوم، أمام المرآة، وعندما أطفئت الأنوار، لم تستطع أن تصدق ما ادعته بادئ الأمر بقولها:
ـ معهم حق، ما زلت حلوة
إذ راحت تتلمَّس، بأصابعها الآيلة للنحول، وجهها المشدود «بأحدث ما توصلت إليه تكنولوجيا التجميل الفرنسية» و»أنفها المتآكل بعد ست عمليات لإعادة نحته»، وتلمست الأصابع أيضا العنق، والصدر، والشفتين، وبصفة عامة، لم تترك جزءا صغيرا، أو كبيرا، من ذلك الجسد الستيني، إلا وتلمسته لتكتشف أنه لا يعدو كونه «تضاريس بلاستيكية» أو «حشوة من السليكون». ولهذا لا عجب أن تندَّ عنْها صرخةٌ تشقُّ السكون.. صرخة تعبر عن ألم مباغت، أو مفاجئ، بعد أن كشفت لها أصابعها النحيلة أنها فريسة سهلة لخداع هيمن عليها منذ سنوات ظنَّت فيها أن تزييف الذات، وخداع الآخرين، يمكن أيضا أن يقنع الذات بحقيقة ما هو زائف. وواقع الأمر أن هذه القصة «أصابع الظلمة» وإن كانتْ تتصل بسيدة، نجمة تلفزيونية، أو سينمائية، أو مغنية، تظهر فخورة بنفسها على الشاشة، إلا أنها – أي القصة- يمكن أن ترمي بمغزاها لمظاهر أخرى زائفة في واقعنا اليومي. فهذه الفكرة، إدمان التزييف، نجدها تتكرر في قصة أخرى، اختار لها المؤلف خالد سامح عنوانا مطولا «مرآه باب.. وسنوات عجاف».
فقد اكتشفتْ الساردة، وهي التي تروي الحكاية من داخلها، لكونها تتعلق بها هي، لا بغيرها، أنها أمضت سنين طويلة من عمرها تسمع من الأم الأوامر، والنواهي، بعضها تلْوَ بعض: لا تركبي بسكليت أخيك. هذه المنطقة تجنَّبي لمسها عندما تستحمين. الجنز الضيق لقليلات الأدب.. إلخ.. تكتشف الساردة أنها تمضي أيامها مثل قطة عمياء، ووحيدة. فهذه الأوامر، وتلك النواهي، تتمخَّضُ في نهاية الحكاية، وخاتمة المطاف، عن خيبة مرة تعبّر عنها الساردة، فقد تبدَّدتْ سنوات العمر وهي تنتظر الخطَّاب، بلا فائدة. «ذهبوا. كلهم.. ذهبوا من هنا قبل أن أتركهم يذيقونني طعم جسدي. ولو للحظة واحدة».
فالأوامر والنواهي، التي تظن الأم أنها كفيلة بحماية الفتاة، أوامرُ، ونواهٍ، زائفةٌ في رأي الساردة، ونتائجها عكسية. فهي لم تحم الفتاة، بدليل أنها، وقد التزمت بها، فقدت الأمل، وفاتها القطار ـ قطار العرائس- ولم تعد تحلم حتى بالحب العفيف النظيف، فلقد كان نصيبُها من ذلك كله أنْ حظيَتْ بلقبِ «عانِس». وحيثما ينظر القاص خالد سامح، يقع بصره على مظاهر التزييف، فهي لا تقتصرُ على تجميل القبيح، أو التنفير من الحب، واستبعاد الانفتاح على الآخر، أو إحلال الفتاة في منزلة أدنى من الفتى، وكأنما كُتِبَ عليها أن تظل أسيرة تلك التربية التقليدية، المتحجِّرة، والبطركية الأبوية الظالمة. فقد وقف بنا إزاء مثال آخر، ونموذج ساطع من نماذج الزيف. ففي قصة «خاتم ذهبي»، وفي حوار مباشر على الشاشة الصغيرة لإحدى الفضائيات حول المؤامرة الإمبريالية لتجويع الشعوب، والاستنزاف النيوليبرالي الكومبرادوري ، يجد القارئ نفسه أمام نموذج مفتعلٍ ليساري (قومجي) ممن يكثرون جدا هذه الأيام، يتشدّقون بشعاراتٍ تبهر المشاهدين، أو بكلمة أدقّ، كانت تبهرُ المشاهدين، ذلك لأنه بتلك الشعارات (كالمقاومة، والممانعة) يستنفد ما في القواميس والموسوعات، من بلاغة، ومن فذلكات كلامية، ومع ذلك، فهو لا يستطيع أن يخدع المشاهدين كلهم، كلَّ الوقت. ذلك أن النفاق الذي يتصف به هذا اليساري، تفنِّده شواهد الحال، وإن ادَّعتْ خلاف ذلك شواهِدُ المقال، فأحد أصابع يديه يزدان بخاتم ذهبي كبيرٍ بفصٍّ من الماس الثمين، ومثل هذا الخاتم المكْلِف يكذّب ما يدعيه من إشفاق على الفقراء المستغَلّين، وتضامن مع البائسين والمسحوقين، من عامة الشعْب وأبناء الناس.
والقصص التي يواصل فيها خالد سامح إسقاط الأقنعة عن بعض الوجوه المستعارة، في مجتمعنا كثيرة. فمنها قصة «حتمية» وقصة «صمت وتواطؤ» وغيرها… وهذا يشجِّعُنا على العودة بالحديث لما بدأنا به، وهو العنوان «ويبقى سرًا» فما هو ذلك الشيء الذي يوحي الكاتب ببقائه سرًا؟ الجواب عن هذا التساؤل يمكن أن يُسْتشفَّ من خلال القصص. وبالذات من خلال القصص التي تركز على تعرية بعض النماذج البشرية من قشورها، ومن ملامحها المستعارة. فهي ـ أيْ هذه الوجوه- تحاول الاحتفاظ بهذا المظهر الزائف، وتكراره، إلى أن يقتنع الآخرون بأنه حقيقة لا موضع فيها للتضليل، والتمويه، إذ لو لم يفعلوا ذلك لاطلع الآخرون على ما هو مضمر وراء هذا المظهر الزائف، وبالتالي لا تعرف حقائقهم المضمَرَة المستفزة، وبذلك تبقى سرًا.

ناقد وأكاديمي من الأردن

«ويبقى سرا» لخالد سامح: قصص تقول ما لا يقال

إبراهيم خليل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية