طفل فلسطيني ابن 13 يركض في شوارع القدس ويبحث عن طفل يهودي ابن 13 ليغرس فيه سكينا في قذالته لا يفكر، لا قبل الطعن ولا بعده، عن ابو مازن، عن مصير الشعب الفلسطيني وعمن سيدخل في بوابات الاقصى ومن لا يدخل فيها. في معظم الحالات لا يكون حتى متأثرا بخطب اللأئمة في المساجد ووعيه السياسي ليس متبلورا بعد. إذن لماذا يتزود بسكين ويخرج للقتل؟ لانه سيء له في البيت، لانه يعرف بان حتى في عمره الصغير بان اولئك الشهداء الذي يريد أن يكون منهم يحظون بالمجد في اوساط شعبه، وبالاساس ربما بسبب ما اختبره كاهانة مستمرة لابويه، لاقربائه، جيرانه، رفاقه على ايدي الاسرائيليين. وهو لا يعرف حياة اخرى، ولكنه يعرف بان هذه ليست حياة.
فور بدء الانتفاضة الاولى، قبل نحو 30 سنة، أجرى ضابطان من الجيش الاسرائيلي (واسماهما لاسفي، غابا عن ذاكرتي) نوعا من الاستطلاع في السجن في غزة الذي كانت حجراته مليئة منذئذ بالمخربين. وأكتب «نوعا من الاستطلاع» لانهما أجريا مقابلات مع المئات، ولكنهما لم يتقدما بنتائج احصائية. ورفعا نتائج «الاستطلاع» لقادة جهاز الامن، الذين اختاروا نتائج اخرى من اعمال اخرى كي يشرحوا للجمهور لماذا اندلعت اضطرابات الانتفاضة.
وأشار هذان الضابطان إلى نقطة مشوقة لم يبحث فيها في تلك الايام: احاسيس الاهانة التي وصفها من اجريت المقابلات معهم. بسبب الانتصارات الاسرائيلية في الحروب ايضا، ولكن بالاساس بسبب الاهانات والمضايقات الصغيرة، اليومية، التي قلة فقط من يهود اسرائيل على علم بها لانهم لم يكونوا ابدا على أي مقربة من عرب المناطق، وبالتأكيد ليس في المناطق نفسها. وقد قال عن ذلك الراحل عيزر وايزمن ذات مرة: الاسرائيليون يعرفون كل سنتمتر متحف اللوفر في باريس ولكنهم لا يعرفون ولا حتى متر في قصبة نابلس. من يأتي إلى هناك؟ فقط اولئك الذين يسمون «مجانين بلاد اسرائيل».
تلك النتيجة في «استطلاع» الضابطين ما كانت ربما لتثير الانتباه لولا انه في مساء ذاك اليوم الذي وضعت فيه على طاولتنا، علقت في مطعم في شارع مركزي في تل أبيب. كان الوقت متأخرا في الليل، واراد صاحب المطعم ان يغلقه. وامام ناظرينا المندهشة ودع شاطفي الاواني لديه، فلسطينيين من غزة، بركلات قوية في مؤخرتيهما.
بعد وقت غير طويل من ذلك، في الحاجز قرب بيت لحم، رأيت بأم عيني جنود الجيش الاسرائيلي يجبرون شيخا فلسطينيا على التسلق إلى سطح السيارة العمومية المتلظي من الحر، ليرقص ويغني: «جولاني، جولاني، ثلاث سنين لا تكفينا».
كانت غير قليل من مثل هذه الحالات، رغم أنه ينبغي التشديد على أنه في سياق السنين بذل جهد كبير من جانب قادة جهاز الأمن لتصفية الظاهرة. كما ينبغي تقدير الجنود وافراد الشرطة التعبين ممن يبدي معظمهم ضبط النفس رغم الاستفزازات ومحاولة جرهم إلى المواجهات ويجتهدون للالتزام بالتعليمات التي تحظر عليهم اهانة المواطنين. في ايام انعدام اليقين (كلمة مغسولة بالخوف) ينبغي التزود بوجبة نزيهة من الاعصاب كي نتصرف بكياسة تجاه طفل فلسطيني يريد أن يعرف «ما الساعة» ويحمل سكين مطبخ في جناح لباسه.
حياة الشبيبة الفلسطينية في القمامة. الفقر يمزق عائلاتهم. حرية حركتهم محدودة. جهاز التعليم الذي يتعلمون فيه ينهار. يسمعون اهاليهم يتحدثون عن احاسيس الاهانة الوطنية والشخصية لديهم. وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية الفلسطينية مليئة باوصاف الفظاعة على افعال اليهود المسيطرين. هم لا يرون مستقبلا.
إذن ماذا سيكون؟ التوقع لا يبشر بالخير: بعض اليهود، الشعب الذي اهين على مدى اجيال طويلة، سيواصلون على ما يبدو اهانة الفلسطينيين. هم، من جانبهم، سيردون كما يردون اليوم.
ايتان هابر
يديعوت 18/10/2015
صحف عبرية