ياسمين حمدان: «عزيزة» في داخلنا وأرغب في أن تتحرر المرأة

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: لم تقطع الفنانة اللبنانية ياسمين حمدان مع الماضي الفني في اختيارها للموسيقى الالكترونية والبوب. الماضي ملهمها الدائم، وبخاصة المجدد «الشجاع» محمد عبد الوهاب. ليس لنفسها مكان تنتمي إليه على هذا الكوكب، كذلك بحثها في القديم الموسيقي دون حدود. تبحر في رحلة استكشافية للقديم من موسيقى الهند وباكستان. وثمة كوة بدأت تتسع نحو الموسيقى العراقية. قبل أسبوع مرّت ياسمين في بيروت، أحيت حفلاً ضمن جولة واسعة عالمياً. وقعت «سي دي» بعنوان «ياناس» وعادت إلى حضن الأهل وأمكنتها الأولى بحنين. ومن ثم حملت تيهها ورحلت نحو لقاءات فنية وإنسانية جديدة تمدها بالاوكسجين الذي تحتاجه. معها كان هذا الحوار:
○ لماذا «يا ناس» على من تطرحين الصوت؟
• لمن يرغب في الإنصات طبعاً.
○ما هي الثيمة الفنية التي أردتها من «يا ناس» عندما باشرت إعداده؟
• رغبت بمزيد من الالكتروبوب. في عملي الغنائي السابق كان المنتج الفرنسي ـ الافغاني صعباً. خلال تحضير عملي معه وبعد ولادته لم أشعره ان مشروعي الخاص. في «يا ناس» رغبت بامتلاك القرار. وبتضمين العمل كل ما يهمني من الموسيقى، الناتجة عن تأثيرات متعددة. فكرتي الأولى كانت العمل على «سي دي» «فولك». أي يتضمن الغيتار، وأن يرتكز العمل بكليته حول الصوت والنغمة. تعددت اتجاهات الـ «سي دي» لكنه حافظ على الأجواء التي أردتها.
○ شعرنا وكأن جولتك الفنية الحالية تشمل كل العالم تقريباً؟
• نعم هي جولة واسعة. تركز بشكل أساسي على الدول العربية وأوروبا. في جولة العام الماضي لعبت في الولايات المتحدة واليابان.
○ هل بيروت محطة مسلم بها في جولاتك؟
• أرغب جداً في زيارة بيروت والغناء فيها. أشعر أني غبت عنها لزمن طويل ولأسباب صحية. وفي أسباب الغياب الفني عدم العثور على من أرغب بالعمل معهم. تدريجياً كونت فريقاً متعاوناً. بوجود الفرص سأكون في لبنان بقدر المتاح. ولا شك أن للبنان أفضلية في حفلاتي.
○ ماذا عن مشاعرك حيال حفل تحيينه في بيروت. هل اللقاء مختلف مع الجمهور؟
• بكل تأكيد. في حفل بيروتي ينتابني خوف أكبر. من هنا بدأت، لهذا أعيش حالاً عاطفياً مختلفاً مع الجمهور والأمكنة. هي مشاعر أعجز عن التعبير عنها. الحفلات تختلف وكذلك الجمهور. بعضها تكون ذات طاقة ودينامية مضافة عن حفلات أخرى. لكل حفل خاصيته وتفاصيله. الأمر مرتبط بالصالة، بالجمهور وخصوصيته. أرغب كثيراً جداً بالغناء في بيروت، وفي الوقت نفسه يلفني التوتر. أظنها مشاعر طبيعية بحضور الأهل والرفاق والأصدقاء، والكثير من المعارف. أمكنة بيروت أعرفها جيداً وأهتم بالغناء فيها، وأرغب أن تبقى في ذهني وفي برنامج عملي.
○ هل تخشين النقد في لبنان أكثر منه في أوروبا مثلاً؟
• اختبرت النقد في لبنان منذ انطلاقتي الأولى في الفن، واعتدته. في مكان ما أفادني. أيقظ وعيي على أمور كثيرة، وحثني للعمل على ذاتي وتخطيها. ثمة نقد يلزمه «تطنيش» وهذا ما تعلمته. بعض النقد يوجعني، ولا صلة له بالجغرافيا. صلته في كونه يترك صدى داخلنا أم لا. عامة أصنف النقد كفعل إيجابي. وعلينا تحويله لإيجابي.
○ وكيف تصفين حفل بيروت؟
• جميل جداً. المفاجأة أن الجمهور يعرف اغنيات «سي دي» «يا ناس» رغم عدم توزيعه في بيروت. قبل عام كان لي حفل هنا ولم يكن الجمهور يعرف الأغنيات. كُثر غنوا معي، وهذا أفرحني. كذلك فرقتي الموسيقية عبّرت عن فرحها بحفل بيروت، وتفاعلها مع الجمهور. يمكنني وصف اللقاء مع جمهور بيروت بالممتع، وأنه رواني عاطفياً.
○ من هي الفرقة الموسيقية التي ترافقك؟
• جميعهم فرنسيون ولهم جذور أخرى. لاحقاً اكتشفت أن لأكثرهم جذور عربية. عازف الدارمز جزائري الأصل. عازف الغيتار جدته لوالدته سورية، وهذا ما اكتشفته بتفرسي فيه وليس من اسمه. مهندس الصوت والدته جزائرية. عازف الكيبورد فرنسي من أصل فيتنامي.
○ ماذا يقول هذا الخليط الإنساني؟
• الأهم أننا منسجمون. ليس لبشر أن يترافقوا في أسفارهم ويحيون الحفلات التي يتداخل فيها الفني بالعاطفي بالإنساني، بدون تواصل ودي وتفاهم فكري. أحبهم وأحترمهم، ونحن الآن أصدقاء. جهوزيتهم قبل الحفل ضرورية، فهم من يدعمني لإيصال ما أريده.
○ كم هم مؤمنون بمشروعك الفني؟
• بدون الإيمان ليس لهم العطاء. الموسيقيون أنواع. منهم من يشبهون العاملين في الدولة. وآخرون يتفاعلون ويمدون الفنان بالأفكار. وهؤلاء من أعمل معهم.
○ من هو جمهورك في البلدان الأجنبية كاليابان وألمانيا والولايات المتحدة؟
• في اليابان جمهوري ياباني. حين صدر «سي دي» «يا ناس» في طوكيو دعتني فرقة يابانية شهيرة للغناء في حفل حضره 12 ألف متلق. كان التفاعل جميلاً جداً. تعلمت بعض العبارات اليابانية وتبادلنا الحديث. في ألمانيا يحضر الحفل بعض العرب، إنما الغالبية من الألمان. التفاعل بيننا يتم عبر الموسيقى والاحساس، والأهم أنهم يستمتعون بالعرض الموسيقي. في ألمانيا كانت نسبة بيع الـ «سي دي» هي الأعلى. وأغنية «قلب» عرضت في تلفزيون «سيري» وهو ألماني وقديم العهد. بعض الجمهور في ألمانيا عرفني من خلال مشاركتي في فيلم جيم جارموش حيث أديت أغنية «حل». سُمع «سي دي» «يا ناس» في الكثير من البلدان وهذا ما شجعهم لحضور الحفل. للناس حشرية الإكتشاف. ولدى الاوروبيين رغبة بمعرفة ما يختلف عن صور الشاشات وأثير الإذاعات. الاوروبيون في بحث عن صورة غير تلك التي تبثها شاشات الأخبار عن الدول العربية.
○ هل ساهم نجاح أغنية الفيلم في توسيع جمهورك في الغرب؟
• لا شك في ذلك. فيلم «لا يبقى إلا العشاق» بحد ذاته حقق النجاح، وجارموش أسم مشهور ومحترم في السينما وعلى صعيد العالم. ثمة فئة من مشاهدي السينما تنتظر أفلامه.
○ هل تتواصلين مع الجمهور بعد الحفل؟
• دون شك. والحوار الأوسع خلال توقيع الـ «سي دي». بعضهم يحاورني. وآخرون يخبروني قصة حياتهم. ومنهم من يكتفي بصورة مشتركة. في الحوار مع الصحافة قليلاً ما يسألوني عن معنى الكلمات التي أغنيها. يركزون على العرض برمته. يفهمون القليل، ولو ترجمت أغنيه فهذا لن يؤثر كثيراً في موقفهم. ليست لنا ترجمة مشاعرنا وثقافتنا للغرب. بل هو يشعر بها من خلال الموسيقى.
○ هل يستغرب الغرب هذا النوع من الفن من مواطنة شرقية؟
• لا شك أن هذا الجمهور يدرك عمق ثقافتنا رغم المشاهد التي ينقلها التلفزيون. بعض الجمهور يدهش ويفاجأ. وآخرون زاروا بلدانا عربية ويرغبون في التواصل مع موسيقى لها أصول عربية. وثمة من يأتي لمتابعة الحفلات من الطلاب الذين يدرسون العربية.
○ ما الذي يحكم اختيار هذه الأغنية وليس تلك؟ وهل للأغنية موقع في أفكارك؟
• تجذبني الآلات التي أرغبها لتنفيذ العمل. وتحكمني جملة الأمور التي أتعلمها من خلال جولاتي الفنية، وكذلك التطور الذي يطرأ على فكري. إنها إذاً الأمور المؤثرة في قراراتي. في العمل الذي أعده أدرك ماهية الأغنية التي تفرض نفسها لنعمل عليها عبر الراديوهات. وأعرف تماماً ما هي الأغنيات التي يمكن تقديمها منفردة. إنما شخصيتي الفنية لا تنسجم مع منتج يفرض ما يريده.
○ في عائلتك سمعت الموسيقى الشرقية والغربية وسرت في دورة دمك. فكيف تولد خيارك للموسيقى الالكترونية؟
• ضحكت وقالت: هو السؤال الذي لا أملك جوابه. بظني أن جيلنا مزيج من عدة ثقافات. الحدود بين الشرقي والغربي غير واضحة عندي. بالانصات الدقيق إلى موسيقى أسمهان الشرقي واضح، وما جربته من جديد موسيقي واضح أيضاً. عبد الوهاب أبحر في التجديد واستعمال الآلات الغربية. وتلقى في حياته نقداً كثيراً لجرأته. رغبتي تساعدني في الاستماع إلى موسيقى من كافة أنحاء العالم وعلى مدى يومين متتاليين. بحثي دائماً هو عن التشابه في الموسيقى وليس عن ما يفرقها. في الهند على سبيل المثال وجدت موسيقى قديمة غير معروفة لديهم. وفي الهند أيضاً اكتشفت فناناً يمكن وصفه بعبد الوهاب الهند. الموسيقى القديمة تتقاطع لدى كافة الشعوب. فموسيقى الصومال القديمة تشبه موسيقى الصين. هذا النوع من الموسيقى يسليني ويمدني بالأفكار فأدمج بينها. في الموسيقى الكثير من المكونات تماماً كما الطبخ، وعلينا حسن الاختيارات.
○ كيف للموسيقيين أن يترجموا أفكارك الفنية؟
• أحضر أفكاري على الكمبيوتر، يساعدني في ذلك ترجمتها وتقريبها للموسيقيين. للكمبيوتر قدرات فائقة في الموسيقى. من عادتي تسجيل الأغنية عبر الكمبيوتر وتركها مفتوحة للإضافات من الموسيقي الذي أرغب في التعاون معه. نبدأ من مكان ونصل إلى آخر. من يحترف البيانو لا شك سيمدني بالأفكار.
○ هل تلتقي موسيقى «اندرغراوند» العربية مع الغربية وهل تفترق؟
• نعم ولا. كنت أردد أني لست بصدد موسيقى «اندرغراوند». قد يكون ذلك مع فرقة «الصابون يقتل» في أول التسعينيات تلك الموسيقى كانت جديدة جداً. حينها ظهر أكثر من فنان وقدموا موسيقى مختلفة. جيلنا أسس لجديد موسيقي كما «اندرغراوند». وحينها لم تكن ثقافة حضور الحفلات قد عادت للبنانيين بعد الحرب. الفن بشكل عام عنصر جامع، ويؤسس للقاء. ولكل فنان بصمته في عمله.
○ ما هي قضية موسيقى «اندرغراوند» وعن ماذا؟
• أحدثك عن ذاتي. نحن جيل ما بعد الحرب كنا في مدينة شبه مدمرة، وفي أجواء ولّدت اسئلة. كجيل لم يكن لنا صوت. ولم يكن متاحاً أن نسأل. عندما بدأت الغناء وجدت أنه سمح لي اختراع حياتي، في حين أن النمط التقليدي السائد لم يكن يتماشى معي. لم أكن لأوافق على مسيرة تُكتب لي سلفاً كفتاة في هذا الشرق. بحثت عن حريتي. حاربت حتى وصلت. فقد درست علم النفس ولم أكمله. وصارت الموسيقى حياتي. حياتي صارت أوسع، وأكرر أني اخترعتها.
○ قلت في حوار صحافي أن الكثير من القوى كانت ضدكم لدى تأسيس فرقة «الصابون يقتل». من هم هؤلاء؟
• ليس ضدنا بالمعنى الحرفي. إنما لا جهوزية لقبول فرقتنا بما تقدمه من موسيقى. لم نكن في انتماء لأي من الفئات الموجودة في الساحة. كنا غرباء عن بيئتنا وكذلك موسيقانا. غنيت بالعربية وبخط سير مختلف، وليس وفق النغمة عينها.
○ قلت بخط السير المرسوم للفتاة في الشرق والذي لم يرق لك. ألهذا غنيت «يا عزيزة تلحلحي تفرفشي تغندري». هل هو تحريض للمرأة للخروج من سجنها؟
• لا شك في أني أحرض المرأة. «يا عزيزة» أغنية موجودة في «سي دي» «أرابولوجي» الذي صدر سنة 2009. نعم أقدم الموسيقى اللالكترونية لكني لا أرغب في أغنيات خالية من أي معنى سياسي أو اجتماعي. رغبت الجمع بين السياسي، الاجتماعي والنقد الساخر في أغنياتي. عزيزة شخصية مستوحاة من الأفلام المصرية التي نشأنا عليها. كما أن عزيزة المتمنِّعة، الدلوعة موجودة بداخلنا. كتبت هذه الأغنية وأنا أدرك مدى وجود عزيزة في داخلنا.
○ كيف تصفين صلتك بفن محمد عبد الوهاب؟
• ثمة فنانين فتحوا لي الأبواب. سمعت اسمهان ورغبت بمزيد من التعرف إليها. هؤلاء الناس يعيشون معي في بيتي. هم يشعروني بالحنين إلى مرحلة مهمة من تاريخ الوطن العربي. مرحلة أحبها وأرغبها. فلست أشعر بإلفة مع الحاضر. هكذا فتحت شباكاً للحلم، الحب، الغرام والإحساس المرهف. هي مرحلة امتازت بالأناقة. أحببت عبد الوهاب، كان فناناً حراً. عاش حياة من التجريب. بعض تسجيلاته التي تعود للثمانينيات تثبت كم كان شجاعاً في التجريب الفني. هو ملهم للأجيال. تعلمت الغناء بالمران على الجندول وكليوباترا لعبد الوهاب. بعض الجمل كانت تستغرق مني ست ساعات من التمرين. صوت عبد الوهاب يريحني. يغني بدقة متناهية.
○ لمن تستمعين من الفنانين العرب الجدد؟
• في هذه المرحلة تجذبني الموسيقى الهندية والباكستانية. كذلك أعطي الكثير من وقتي للموسيقى العراقية. ايقاعاتها جذبتني. يمكننا الهز على تلك الإيقاعات، إنما ليس لها فعل الطبلة. موسيقى تخلق عندي صوراً ورغــبـات فــنية، ولست أدري إلى أين سأرسو.
○ تعبرين عن عجز في الانتماء للأمكنة. هل يتعبك هذا؟
• أكيد. وفي مكان ما أشعر بأني حرّة، ويمكنني الإنتقال دون «رضوض» نفسية. نعم أحلم بالانتماء، والسؤال يلح بين الحين والآخر لماذا هكذا أنا؟ الايجابية التي أعيشها أني أجد نفسي في أي مكان من هذا العالم.
○ ألم يؤثر الزواج من المخرج الفلسطيني إيليا سليمان في إيجاد قليل من الانتماء لفلسطين مثلاً؟
• لا شك. غنيت باللهجة الفلسطينية النصراوية. فزوجي من الناصرة. أكتب كلماتي بأكثر من لهجة عربية منها الفلسطينية، البدوية، المصرية، الخليجية واللبنانية طبعاً. ولي في فلسطين الكثير من المحبين.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية