يبحث الشعر عن مضاضاته

حجم الخط
0

لا يتوقف الشعر عن إعلان إحتجاجاته على نفسه والكشف عن عوراته، ليس لأنه ينشد الكمال (رغم أن هذا ليس مستبعدا على خواصه) إنما تساوقا مع لجاجته في الكشف وحرصه على نصاعة مقارباته.
الشعراء يعكفون على نصوصهم متحرشين بمضاضاتها، والشعر لا يسعى للمداولة، ينطوي على أسرار أنوثته كعذراء، وبكارته كملح البارود (بتعبير غارسيا ماركيز) تتطلع، ولكن الوجهة غائمة ومخاتلة.
وإذا ما إفترضنا أن الفراهيدي قد تحرش بجزء من عورة الشعر وقارب بعض إشاحاتها، يبقى هم الشاعر في التحرش بالدوال وسيمياء اللغة، وأيضا بالهم الأكبر: إثارة الصيد، أحد أهم مضاضات تكوره وطرق السيطرة على ما بيده من لغة وتشوّفات ودفع إزاحي.
ما يتشاكل على الشاعر أحيانا (إن لم نقل في أغلبها) هو إتساع افق القصيدة (الأفقي) وحيرته أمام عملية تشذيبها وتصنيّع نفوذها وتعالقاتها مع أهدافها ومع ما تستهدف إختراقه، وهو الأمر الذي قد يجر الشاعر إلى مديات أو نكوصات تحيل القصيدة إلى منتجع لغوي وبلاغي غير نافذ أو بحراك مأزوم لا يوصل.
وبقدر ما يكون الشعر مجازا فإنه إضطرار (بتعبير الأخفش)، وهو إضطرار ليبقى في حدود نكديته (بتعبير الأصمعي) ويحفظ القصيدة في حدود إنشغالها وتطلعها، ويحفظها من التسرب للإنهاك والإنتهاك في مسارب اللهفة للتأويل بدل التفكيك، وهذا طبعا يتحقق للشاعر من جهد الإشتغال على وفي نصه بمقص التشذيب، وطبعا كل هذا ينهض على المعرفية اللغوية.
واللغة هنا ليست كجسد للنص بقدر ما هي محرك للدلالات وأداة تشطيّر للبنية المرجعية، بنية الفراغ، وإعادة صقل فضائه وضخ الفضاءات في بنيته الدلالية والبصرية.
وهذه إستحقاقات لإنتاج البنية الرمزية والمحمولات الإحالية التي تعيد توجيه الدلالات، بما يساهم بتوسيع فضاء الفراغ وجعله بنية قصدية داخل جسد النص وبنيته الإشارية.
بنية الفراغ تتحقق داخل النص بجهد الشاعر في جسده ـ جسد النص ـ وبتجنبه للإحتفائية وإرتكاساتها وتطلعه لجدلية الرمز في الإحلال محل التراكم البلاغي والتوظيفات المتعسفة، التي تشطر الفضاء إلى بقع صوتية تقف بوجه الدلالات وتعيق توجهاتها.
هذا الإشتغال الذي يبحث عن مضاضاته ومضافاتها، إشتغل عليه شعراؤنا الكبار، كسعدي يوسف وأمل دنقل ومحمود البريكان وأدونيس وعبدالرحمن طهمازي، والأخيران يعدان من بين أكبر من نظّر لهذا الإشتغال، رغم أن عبد الرحمن طهمازي لم يختلف مع إيقاع القصيدة الخارجي بالدرجة نفسها التي إختلف بها معه أدونيس.
وقد ركز الإثنان، طهمازي وأدونيس، على تأطير هذا الإشتغال، وكل برؤيته، بجهد معرفي ووعي تأصيلي من أجل نقل القصيدة العربية إلى أفق الإشراقية، بعد تشذيبها من أثقال الخطابية وبلاغية الخطاب، والزخرفة البلاغية، على حساب اللغة في ذاتها، أو التعيينات الأولية لخلفيات القواعد، بتعبير عبدالرحمن طهمازي.
وكان من بين أهم ما اشرته تنظيرات هذين الشاعرين هو الوجود الكثير للشعر الناقص، الذي يحمي نفسه بالغموض المفتعل، بدل البنى الرمزية الحاذقة والشاهقة، والتوظيفات التي ترهل جسد النص ومقاصد اللغة، بدل التحريك الدلالي والجدل الموضعي المحاجج.
غني عن القول إن توجه طهمازي وأدونيس هو دعوة لعودة الشعر إلى براءته التي إغتصبتها الخطابية والغرضية وغائية التوظيف أو الإستخدام الايديولوجي والسلطوي (المناسباتية)، وحصره في الإشتغال في ذاته وما هو له أو بما هو (ليس لأحد) بتعبير طهمازي أيضا.
هذه الجدية في النزوح الإرتدادي لبراءة الشعر، والتي بدأت ـ في تأريخ شعرنا الحديث ـ بجهد السياب نتاجا، وجهد نازك الملائكة، تنظيرا (كتابها القيّم، قضايا الشعر المعاصر) هي التي تستهدف إعادة القصيدة العربية إلى موقعها في واجهة الشعر العالمي وتوقفه في منطقته الصحيحة التي رسم أبي تمام أول خطوطها في ذاكرتنا الشعرية القديمة.

كاتب عراقي

سامي البدري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية