بينما انشغلت الساحة السياسية والاعلامية هذا الاسبوع بكثافة بقضية متسللي العمل، يظل التحدي الاساس لإسرائيل في غزة. فنجاح حماس في إعادة القضية الفلسطينية إلى الوعي بعد فترة جفاف طويلة أدخل غير قليل من الريح إلى الأشرعة الممزقة للمنظمة ونشطائها، ووعد بأن تكون الفترة القريبة القادمة متوترة على الاقل مع امكانية كامنة هامة للتصعيد لدرجة جولة قتالية واسعة.
لقد وصلت حماس إلى احداث الجدار في نقطة الدرك الاسفل الاكبر في تاريخها. غزة في وضع صعب، مع مشاكل طاقة لا تحل، بطالة مستشرية وإحباط متعاظم لدى السكان الذي يتجه في هذه المرحلة نحو إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ولكن من شأنه أن يهدد في المستقبل حتى حماس. إذا أُضيف إلى هذا الازمة مع مصر، التردي في مستوى التبرعات من الدول السنّية والطريق المسدود في محادثات المصالحة مع السلطة الفلسطينية، فإننا نحصل على منظمة في أزمة ذات مغزى.
ظاهراً، الحل اللازم لحماس هو القتال ضد إسرائيل. هكذا تصرفت في 2014، ولكن دروس الجرف الصامد ـ وبالاساس الخوف من جلب مزيد من الخراب والدمار للقطاع من دون منفعة في أعقابهما ـ تلجمها عن اتخاذ اعمال عسكرية متهورة. محظور أن نفهم من ذلك ان حماس غير مستعدة لمعركة أخرى، فهي تستعد لها منذ بضع سنوات، وبكثافة كبرى في الاسابيع الاخيرة. ولا يزال، صحيحاً حتى هذا اليوم، فان هذا هو خيارها الاخير.
لقد حلت المسيرات نحو الجدار المعضلة لحماس. ما كان كحدث شبه عفوي بعد تصريح الرئيس ترامب عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أصبح عملا مؤطرا. في كل يوم جمعة تدفع حماس بالمواطنين (وبينهم غير قليل من نشطاء المنظمة) إلى الجدار، وتحثهم على الصدام مع الجيش الإسرائيلي. في قسم من أيام الجمعة هذا ينجح اكثر وفي قسم آخر اقل، ولكن حتى الاسبوع الماضي كان هذا شأنا محليا بين الجيش الإسرائيلي وحماس.
في الاسبوع الماضي نجحت حماس في اختراق الحصار. ليس ماديا ـ الجيش الإسرائيلي لم يسمح للجماهير بالمس بالجدار أو بالتسلل إلى الاراضي الإسرائيلية ـ ولكن من حيث الوعي. عشرات الآلاف الذين وصلوا إلى الجدار جلبوا في أعقابهم تغطية إعلامية واسعة، حجم المصابين العالي ـ 17 قتيلاً ومئات الجرحى ـ أيقظ الرأي العام العالمي. بعد فترة طويلة من مراوحة موقف الاسرة الدولية والعربية من القضية الفلسطينية بين انعدام الاهتمام والسأم، عاد الفلسطينيون ليكونوا ذوي صلة. ومن تسبب بذلك لم يكن أبو مازن والسلطة الفلسطينية، بل يحيى السنوار وحماس.
هذا النجاح يشجع حماس على المواصلة. من ناحيتها، وجدت الوصفة. التظاهرات شبه المدنية، المواجهات المغطاة اعلاميا جيدا، والاهتمام العالمي المتعاظم. وعلى الطريق تنجح في إشغال نصف الجيش الإسرائيلي بالقطاع، وجره إلى ساحة اللعب الاقل راحة من ناحيته: ليست المواجهة العسكرية الصرفة التي لإسرائيل فيها تفوق واضح (ولا سيما لسلاح الجو، الاستخبارات والسلاح الدقيق)، بل أمام المواطنين ـ المعركة التي يميل فيها الرأي العام في صالح المواطن وضد الجندي.
في اثناء الاسبوع الماضي حاولت حماس الابقاء على الزخم، ولكن قلائل فقط وصلوا إلى الجدار. ولا يزال، هذا لا يعني شيئا، الناس في غزة يعملون، ومن الصعب الحفاظ على مثل هذا القصور الذاتي بشكل يومي. والاختبار القريب سيكون غدا، بعد صلاة الجمعة، واكثر من ذلك في 17 نيسان/أبريل حين يحيي الفلسطينيون يوم الاسير وإسرائيل يوم الذكرى لشهداء الجيش الإسرائيلي. واستمراراً لذلك يأتي 15 أيار/مايو (وهو يوم النكبة) وفور ذلك شهر رمضان، وفي الوسط تظاهرات الجمعة التي ستصبح الهواية الجديدة لسكان غزة.
من ناحية إسرائيل هذا وجع رأس جدي. أحداث يوم الجمعة وان كانت مرت بنجاح ـ سكان غلاف غزة احتفلوا بليل الفصح واحد لم يجتاز الجدار ـ ولكن مشكوك أن يكون الجيش الإسرائيلي يستطيع أن يريد أن يجتذب إلى مواجهات يومية على الجدار. غزة ليست بلعين أو نعلين، وامكانية الخطر المحدق منها هو خطر آخر تماما.
والمعنى هو أنه سيتطلب الان ان يرابط على حدود غزة حجم واسع من القوات سيأتي على حساب قطاعات اخرى وتدريبات، ليس فقط للتصدي للتظاهرات ومنع تشويش الاعمال على مشروع الانفاق (الذي تقدم حتى الان بوتيرة كبيرة) بل اساسا لمواجهة امكانية التصعيد الفوري في جبهة الجنوب، والذي من شأنه أن ينتقل بسرعة أيضاً إلى الضفة وربما حتى إلى احداث على الحدود الشمالية.
في هذه الاثناء، تتصدى إسرائيل فقط في الساحة العسكرية. أما الساحة السياسية فغافية نسبيا، ولا تقدم جوابا على التحدي الجدد من القطاع. وقد وجد هذا تعبيره في التصريحات الكفاحية لزعماء في العالم، وفي التغطية الاعلامية التي بعد فترة طويلة كانت مناهضة لإسرائيل على نحو واضح.
يمكن ان نحل هذا بالموقف الدائم بأن «العالم ضدنا» ويمكن أيضاً أن نخرج إلى الكفاح وان نحاول الشرح بأن هذا ليس احتجاجا عفويا من سكان مأزومين بل هو حدث منظم ومغطى اعلاميا من حماس، التي زجت بين الجماهير غير قليل من النشطاء العسكريين بهدف تنفيذ عمليات تستفز الجيش للرد مما يؤدي إلى مزيد من المصابين المدنيين وموقف سلبي آخر في الرأي العام تجاه إسرائيل (وايجابي تجاه الفلسطينيين).
هذه الفجوة بين النجاحات التكتيكية للجيش الإسرائيلي والاخفاق الاستراتيجي لإسرائيل من شأنها ان تتسع كلما تعاظمت التظاهرات وازداد عدد المصابين. أحد في العالم، باستثناء إسرائيل، لا يحصي حقا كم من المقاتلين كانوا نشطاء عسكريين: يحصون الجثث، والجرحى والصور تملأ الشاشات، وفي نهاية الاسبوع ما ينشر في الاخبار. هذا يلزم إسرائيل بتفكير متجدد لكيفية ادارة هذا الصراع، كي توقف الزخم الفلسطيني وتمنعه من ان يتحول إلى انجراف ذروة، مرة أخرى يهدد بأن يجلب إلى القطاع حلولا مفروضة تكون سيئة جدا لإسرائيل.
المشكلة هي أن إسرائيل تمتنع بشكل منهاجي عن القرارات الحاسمة الاستراتيجية، وعلى أي حال سياقات كهذه تتطلب الوقت، وفي الوضع الحالي في غزة من شأن التصعيد أن ينشر في كل لحظة. استراتيجيا، حماس لا تزال لا تريد القتال، ولكن مشكوك أن تكون هذه ايضاً تفهم كم هما الطرفان قريبان منه. فلو أن خلية النار التي بعثت بها بين المتظاهرين الاسبوع الماضي في قتل جنود لكان الجيش رد بشدة ستجر حماس إلى رد مضاد والجبهة كانت ستشتعل.
هذا من شأنه أن يحصل في الجمعة القادمة، أو في يوم الاسير، وتقريبا في كل لحظة اخرى. في الجانب الايجابي يمكن أن نتشجع من ضبط النفس الذي تتخذه حماس ـ رغم حجم الاصابات العالي (وربما بسببه بالذات) تمتنع عن اطلاق الصواريخ على إسرائيل ـ ولكن محظور التعويل على هذا لاحقا. وكما يقول الكليشيه، غزة تجلس في هذه اللحظة على برميل بارود. عود ثقاب مشتعل لا ينقص في الهواء، ولا حاجة إلا إلى العود الصحيح كي يضرم الاشتعال.
المهمة الإسرائيلية هي منع هذا. من أجل السماح باستكمال العائق، من أجل عبور احتفالات السبعين بهدوء، وبالاساس لأن شيئا جيدا لن يأتي من التصعيد ومن جولة قتالية أخرى، بغياب خطة استراتيجية مرتبة ستعود في ختامها إسرائيل وحماس إلى نقطة البداية.
إسرائيل اليوم 5/4/2018