كما يبدو، كانت تلك هي فقط مسألة وقت إلى أن يأتي رد تاريخي موبخ حتى من جانب مؤرخين وباحثين هامين، على أقوال الهراء ذات الرائحة اللاسامية لمحمود عباس. البروفيسور دان مخمان، المؤرخ الرئيس لـ «يد واسم» وبخه على أنه لم يدرس كما يجب الحقائق التاريخية الاساسية عن الكارثة، وزعم أنه «من المحزن جداً حقيقة أن زعيماً فلسطينياً يطرح رواية تاريخية مشوهة في ما يتعلق بالتاريخ اليهودي بشكل عام وبالنسبة لظروف حدوث الكارثة بشكل خاص» («هآرتس»، 9/5). هو يأسف لأنه بالتحديد بسبب تعقد الصراع عنا لا يسعى الزعماء إلى تعلم التاريخ كما يجب.
لقد ذهب البروفيسور شلومو افينري أبعد من ذلك في تنكره لعباس، الخبير الذي له سمعة عالمية في الماركسية وتاريخ الصهيونية والقومية الحديثة. في مقال نشره هنا قبل أسبوع قال إنه ليست هناك احتمالية للقيادة في إسرائيل وحتى لليسار الإسرائيلي لاجراء مفاوضات مع الرئيس الفلسطيني، مع شخص يطرح أفكاراً لاسامية بصورة مستمرة خلال سنوات كثيرة، منذ كتب رسالة الدكتوراة الخاصة به «التي تنفي الكارثة»، في الاتحاد السوفييتي في بداية الثمانينيات، لا يوجد ما يتحدث حوله. حسب تقدير افينري الذي يرتكز إلى استعراض مفصل لأقوال زعيم فلسطيني خلال الثلاثين سنة الاخيرة فإن عباس يحتفظ باعتقاد لاسامي منظم، ويتمسك به كموقف. ومع لاساميين كما هو معروف، ليس هناك حديث. استنتاج افينري هو إلى حين أن يتم ابعاد واستبدال هذا الشخص بزعيم آخر، فإن إسرائيل لا يمكنها إجراء مفاوضات مع القيادة الفلسطينية. حيث أن اللاسامية هي خط حدود لا يمكن اجتيازه. عن أهمية المقولة المعروفة «الوطنية هي الملاذ الاخير للشر» يمكن القول وحسب طريقة ادعاء افينري ان «اللاسامية هي الملاذ الاخير للوطني (الصهيوني)».
ليس واضحاً إلى أي حد عباس هو «لاسامي»، ومشكوك فيه إذا كانت رؤيته بشأن الكارثة التي ترتكز على دمج إشكالي من الهراء والدعاية المناهضة للصهيونية وعدم المعرفة، ذات علاقة مطلقة بشأن اتفاق السلام الذي يحاول عبثا التوصل اليه مع الحكومة الإسرائيلية. ولكن ما يقلق في رد أفينري على أقواله بشأن الكارثة هو إخراج الكلام عن سياقه الذي يتبعه الكاتب المحترم في ادعاءاته. يبدو أنه يمكن فهمها فقط على خلفية انعدام القدرة على التحرر من قيود الرواية الصهيونية التي تملي تعاملاً وحيد الاتجاه ووحيد الأبعاد مع كل تصريح يثير الخلاف (ولاسامي) لزعيم فلسطيني، الذي يؤدي إلى استنتاج أنه «لا يوجد شريك» مثل مقولة اهود باراك المشهورة.
هذا التعامل يعبر عن نسبية تاريخية اشكالية بالنسبة لموقف إسرائيل بشأن اللاسامية، الذي يتجاهله افينري. فيكتور اورباخ، زعيم هنغاريا الاستبدادي لاسامي على النمط الاوروبي القديم، من النوع الذي سبب الابادة لملايين اليهود في اوروبا في الحرب العالمية الثانية. في حملة حزبه قبيل الانتخابات التي جرت في الشهر الماضي في هنغاريا، التي كانت عنصرية وانبعثت منها رائحة لاسامية قوية، قال اورباخ الذي فاز حزبه في الانتخابات أقوال مديح موجهة لمكلوش هورتي حاكم هنغاريا في فترة الكارثة. هورتي كان من المؤيدين المهمين لهتلر. هو أرسل جنوداً للمحاربة إلى جانب الفيرمخت الالمانية في الاتحاد السوفييتي، والجيش الهنغاري قتل يهوداً في المناطق التي دخل اليها حتى قبل أن تقوم بذلك وحدات الـ اس.اس النازية. هورتي ايضا مكّن من طرد أكثر من 400 ألف يهودي إلى اوشفيتس الذين كانوا يعيشون في مناطق ضمتها هنغاريا خلال الحرب في رفيع وصيف 1944. في هنغاريا اورباخ فإن هورتي هو بطل قومي.
هل تحول فيكتور اورباخ إلى شخص غير مشروع التحدث معه؟ الموقف الرسمي لإسرائيل أدان «تبييض الكارثة» الهنغارية (التي هي إنكار للكارثة تماما). ولكن بنيامين نتنياهو الذي أورباخ هو من حلفائه ومؤيديه الهامين في اوروبا اليوم أمر باتخاذ خط متسامح تجاه اقوال اللاسامي الذي يترأس حكومة هنغاريا لأنه من المؤيدين الهامين لإسرائيل. نتنياهو وأورباخ يتعاونان في عدد لا بأس به من المواضيع المتعلقة بمكانة إسرائيل في الاتحاد الاوروبي.
لا تنقصنا أمثلة أكثر عن «التساهل الإسرائيلي» في كل ما يتعلق بلاساميين أوروبيين. أحد الاحزاب اللاسامية، العنصرية والمناوئة للعرب والمناوئة للاسلام جداً اليوم، هو حزب «فلامس بلانغ» (المصلحة الفلاندرية) في بلجيكا. نشطاء الحزب النازي الجديد هذا الذي يتحدث علناً عن تفوق أبيض ويستند إلى التراث الايديولوجي النازي والذي جلب لها مؤيدين كثيرين في أوساط الفلاميين في بلجيكا في الحرب العالمية الثانية، هم ضيوف مرغوب فيهم في إسرائيل. قبل بضع سنوات حظوا باستقبال حار من جانب الوزير أوفير ايكونيس، الذي سوية مع غرشون ماسيكا، رئيس المجلس الاقليمي شومرون السابق، أخذهم في جولة في المستوطنات. حتى في هذه الحادثة لم يرفع مفكرونا صرخاتهم بشأن الحاجة إلى تعلم التاريخ قبل أن يحاولوا الترويج للمصلحة الإسرائيلية كما يفهمها النظام الحالي، التي أحياناً، ضحكة التاريخ تتساوى مع الطريقة التي يتم فهمه من قبل دبلوماسيين أوروبيين وأمريكيين لاساميين. الاخطر من ذلك بكثير هو الصمت بشأن إنكار النكبة الفلسطينية من قبل إسرائيل، من جهة اولئك الذين يقفون بالمرصاد بشأن إنكار الكارثة، رغم أنه مفهوم ضمنا أن الامر يتعلق بحدثين مختلفين، يوجدان في أماكن مختلفة في تدرج المراحل النظري الذي يربط بين هجرة مفروضة وطرد وتطهير عرقي وقتل جماعي وإبادة شعب، في السياق الإسرائيلي الفلسطيني، فإن انكار النكبة هو وجه العملة الآخر. بكلمات أخرى، من يدعي أن إنكار الكارثة من قبل الفلسطينيين يمنع أي احتمالية للتحدث معهم عن اتفاق وسلام، يجب عليه أن يفهم أن إنكار النكبة من قبل الإسرائيليين يؤدي إلى تداعيات مشابهة من ناحية الفلسطينيين.
وأمثلة إنكار النكبة الفلسطينية من قبل الزعامة الإسرائيلية اكثر من نفي الكارثة من قبل زعماء فلسطينيين. اكثرها تطرفا وفظاظة كان خطاب بنيامين نتنياهو المعروف بشأن دور الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، في الحل النهائي للنازيين. وهكذا قال رئيس حكومة إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2015 «هتلر لم يرغب في إبادة اليهود في ذلك الوقت، لقد أراد طردهم. الحاج أمين الحسيني ذهب إليه وقال له: إذا طردتهم فكلهم سيأتون هنا (إلى فلسطين)». حسب رواية نتنياهو فإن هتلر سأله «إذاً ماذا يجب أن افعل؟»، وأجابه المفتي «قم بإحراقهم».
إن الدخول إلى أعماق أقوال نتنياهو (التي تراجع عنها بعد فترة، وخلافا لاعتذار عباس، فإن تراجعه عن اقواله الهرائية هذه تم قبوله) يبرهن على أن الامر يتعلق بخداع إسرائيلي خاص لانكار الكارثة من أجل انكار النكبة. لقد أثبت البحث التاريخي أنه عندما التقى المفتي مع هتلر في تشرين الثاني/نوفمبر 1941 كانت إبادة اليهود قد بدأت قبل بضعة اشهر. كذب نتنياهو في هذه الحالة خطير بنفس القدر مثلما كانت اقوال عباس الذي قال إن الصهاينة تعاونوا مع النازيين من اجل الترويج لهجرة اليهود إلى فلسطين. خلف هذه الاكاذيب توجد نواة من «الحقيقة الافتراضية» أو الجزئية، التي الاستنتاد اليها مرغوب لمن يريد انكار تاريخ اشكالي من ناحيته. تركيا مثلا تفعل ذلك في ما يتعلق بمسؤوليتها عن إبادة الشعب الارمني. هي تعترف أن هناك الكثير من الارمن ماتوا في الحرب العالمية الاولى، لكنها تقول «هم» المذنبون، لأنهم قاموا بالانتفاض ضد الاتراك.
«الحقيقة الافتراضية» هي أن المفتي كان حقا معنيا بأن يصفي النازيون التجمع الكبير لليهود في اوروبا من اجل منعهم من الوصول مستقبلا إلى فلسطين وأن يطردوا منها العرب. كذلك خلال فترة قصيرة، في الثلاثينيات، كان هناك تشابه في المصالح بين الحركة الصهيونية والنظام في المانيا، عندما أدت الهجرة الصهيونية إلى خروج يهود من المانيا وساهمت في اقتصادها الامر الذي تلاءم مع السياسة النازية. ولكن الحقيقة التاريخية لا تظهر دائما ببساطة وأحيانا يجب البحث عنها كثيراً.
من هنا الطريق إلى إنكار الكارثة وإنكار النكبة قصيرة، المفتي المقدسي مع كل رغبته في رؤية اختفاء اليهود، لم يؤثر بشيء على الحل النهائي للنازيين، وليس مسؤولا حتى عن قتل يهودي واحد في بولندا أو ليطا. الحركة الصهيونية كما هو معروف لم تتعاون مع النظام النازي في الثلاثينيات مثلما يستخدم عباس بصورة مخادعة التاريخ من أجل تعزيز الرواية الوطنية الفلسطينية، ايضا نتنياهو وزعماء إسرائيليون آخرون يقومون بذلك من أجل نفي ما تعتبر إسرائيل مسؤولة عنه ضد الفلسطينيين بصورة مباشرة: النكبة. الكارثة الوطنية الفلسطينية كانت ثمرة لاعمال لإسرائيل، نتاج انشاء دولة يهودية في فلسطين التاريخية. في المقابل، الفلسطينيون ليسوا في أي حال من الاحوال كانوا لاعبا تاريخيا في ابادة الشعب التي نفذها النازيون. وما هي العبرة؟ يبدو أنه يجدر بمفكرينا أن يضعوا انتقادهم لانكار الفلسطينيين للكارثة في سياق تاريخي اكثر احكاما، والذي يأخذ في الحسبان «مصلحة الانكار» في أوساط الطرفين الغارقين في النزاع الدامي الذي لم يجد له حلاً حتى الآن في فلسطين أرض إسرائيل.
هآرتس 18/5/2018
دانييل بلتمان