يختطف فتح

حجم الخط
0

كانت الأجواء في مدرسة تراسانطا قرب كنيسة المهد في بيت لحم، متوترة. فبعد لحظة سيجري في القاعة الكبيرة حدث تاريخي وهو المؤتمر السادس لحركة فتح، لاول مرة بعد عشرين سنة. كان ذلك في الصيف، في آب 2009. بعد سنتين فقط على انقلاب غزة الذي سيطرت فيه حماس على القطاع بالقوة. وقد طُلب من الصحافيين الذهاب إلى بيت لحم قبل الفجر بسبب الترتيبات الأمنية المشددة، وتم نقلهم إلى المكان تحت حراسة مشددة. ساعات انتظار طويلة مرت قبل افتتاح المؤتمر رسميا من أجل انتخاب قائد لفتح. وقد ازدادت الحاجة إلى القهوة.
لقد ذهبت مع صحافي عربي إسرائيلي أعرفه منذ سنوات، إلى منطقة الفنجان التي فتحت في الطابق الثاني في المبنى الصغير، أمام القاعة داخل ساحة المدرسة. القهوة السوداء فقط للمشاركين في السر. وفي الطريق إلى خارج القاعة طلب منا أحد حراس الرئاسة التابع لأبو مازن أن نحضر له فنجانا من القهوة. وقد حصلنا على إذن الخروج، انتظرنا قليلا في الدور، وعندما جاء دورنا طلب الصحافي الذي يرافقني فنجانين من القهوة. وأنا قلت ثلاثة. فسأل الصحافي العربي الإسرائيلي لماذا؟ فقلت اثنان لنا وواحد للحارس. والصحافي قال «يكفي نصف فنجان للحارس» مزاحا.
وفي ثوان انقض عليه ثلاثة رجال بملابس مدنية وقاموا بأخذه واخفائه. بحثت عنه أكثر من نصف ساعة. وتوجهت إلى المنسق الإعلامي في مكتب رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن كي يستوضح الامر. وبعد اربعين دقيقة كانت أبدية، ظهر فجأة. «لقد قاموا بالتحقيق معي في غرفة جانبية»، قال الصحافي الإسرائيلي، «سألوني عما لدي ضد أبو مازن ولماذا طلبت نصف فنجان قهوة فقط للحارس الرئاسي.
وحاولوا استيضاح إذا كانت لي صلة مع حماس». وقلت له أنت محظوظ. لو كنت صحافيا فلسطينيا لكنت الآن مقيدا بالاصفاد. هذه القصة هي شهادة واحدة على الاجواء التي سادت في تلك الايام في مؤتمر فتح السادس. كانت تلك المرة الاولى التي يجرى فيها مؤتمر فتح في مناطق السلطة الفلسطينية. وحتى ذلك الحين أجريت خمسة مؤتمرات فقط كانت جميعها في الكويت، سوريا وتونس. 2300 ممثل جاؤوا إلى بيت لحم من المناطق ومن ارجاء العالم. وقد استمر ذلك بضعة ايام وتم انتخاب أبو مازن بالاجماع رئيسا لفتح. وبعد ذلك توجه الممثلون للتصويت أو الاقتراع السري لانتخاب القيادة العليا، وهي اللجنة المركزية التي سترافق أبو مازن في السنوات القادمة. وهذه عمليا هي قيادة فتح.
الكثيرون ما زالوا يذكرون مشهد أحد المنافسين البارزين الذي انتخب في نهاية المطاف كأحد قادة فتح، حيث كان يشاهد من الجانب الطاقم الذي يفرز الاصوات. ولم ينزل عينيه عن الطاقم. وتلك لم تكن بالضبط عملية انتخاب ديمقراطية سليمة.

خصم صعب من الخارج

الآن الاجواء مشحونة ايضا قبل المؤتمر السابع لفتح الذي سيفتتح في يوم الثلاثاء القادم في رام الله. ليس بسبب حماس هذه المرة، بل بسبب استنفار السلطة الفلسطينية بسبب العداء بين أبو مازن ومحمد دحلان ـ عضو القيادة الفلسطينية سابقا والذي فُصل من صفوف المنظمة بناء على قرار من أبو مازن. في هذه المرة فقط 1400 ممثل من الضفة الغربية وقطاع غزة وشرقي القدس والخارج تم استدعاؤهم للمشاركة في المؤتمر الذي سيجرى في المقاطعة في قاعة احمد الشقيري، رئيس «م.ت.ف» الاول.
والحديث يدور عن الكوادر. رؤساء اقاليم فتح واصحاب المناصب في السلطة الفلسطينية، سفراء، أسرى سابقون وغيرهم. وعددهم أقل بألف ممن شاركوا في المؤتمر السابق. دحلان والعشرات أو المئات من مؤيديه داخل فتح تم ابعادهم عن المؤتمر. وأسماؤهم غير موجودة في المؤتمر. وقد تمت اقالتهم من فتح بأمر من أبو مازن، لكنهم يرفضون الاعتراف بقانونية القرار.
«لقد سرقوا منا الحركة»، قال مؤيدو دحلان. إنهم يهاجمون أبو مازن بشكل علني ويقولون إنه ديكتاتور يفعل ما يشاء في فتح وكأنها تابعة لعائلته. هذا ليس مؤتمرا بل مهرجانا، ونحن لن نوافق على نتائجه، كما قال أحد المقربين من دحلان. وقال شخص آخر: كل من يشارك في المؤتمر فهو يساهم في تدمير حركة فتح.
إن جذور التوتر بين أبو مازن ودحلان بدأت منذ سنوات. في المؤتمر السابق لفتح في 2009. ففي حينه صعد دحلان على المنصة في بيت لحم وهاجم أبو مازن شخصيا. واتهمه بالمسؤولية عن سقوط غزة في أيدي حماس، بسبب سياسته المتسامحة. وقد انتخب دحلان في ذلك المؤتمر من بين قادة فتح العشرة الأوائل، لكن الساعة الرملية تحولت ولم يتوقف أبو مازن عن ملاحقته. لقد فهم أبو مازن أن دحلان سيكون خصما صعبا داخل فتح. وفهم ايضا أنه يجب التخلص منه. وفي نهاية المطاف نجح في طرده من صفوف فتح. ومنذ ذلك الحين يعيش دحلان في المنفى في أبو ظبي. ولم يتخيل أبو مازن أن دحلان سيكون خصما صعبا من الخارج ايضا.
الدول العربية وعلى رأسها مصر تعتبر دحلان حليفا مستقبليا يمكن عقد الصفقات معه. وقد حاولت في الاشهر الاخيرة عقد مصالحة بينه وبين أبو مازن من اجل المؤتمر السابع، لكن هذه المحاولة فشلت. أبو مازن لم يستجب لتوجه السيسي وواصل ملاحقة المؤيدين لدحلان في مناطق الضفة الغربية وطردهم من صفوف الحركة وعدم دفع رواتبهم. «أقترح على من يحرك الخيوط في عواصم كثيرة في العالم بأن يتوقف عن تحريكها، وإلا فإننا سنقوم بقطعها»، قال أبو مازن في اجتماع في رام الله جرى مؤخرا. وهذه اشارة لدحلان وللدول العربية التي تسانده.
ولم يتأخر رد مصر، حيث استضافت في الاسابيع الاخيرة ثلاثة مؤتمرات اكاديمية، رجال اعمال وصحافيين من قطاع غزة، الكثير منهم مقربون من دحلان، وذلك من اجل تجاوز أبو مازن واغاظته.
وحسب اقوال قادة فلسطينيين فقد حاولت جهات عربية، بعد فشلها في المصالحة بين أبو مازن ودحلان، تأجيل المؤتمر السابع لفتح. ولكن أبو مازن لم يخضع للضغط وأصبح المؤتمر بالنسبة له أولوية عليا. صحيح أن المؤتمر سيناقش برنامج فتح السياسي وطرق العمل في السنوات القادمة ومواضيع اخرى مثل لغز موت عرفات الذي لم يُحل بعد وتدفق الدماء الجديدة في صفوف القيادة. ولكن الهدف الفعلي هو تنظيف الحظائر، وابعاد الدحلانيين مرة وإلى الأبد من صفوف فتح.
أبو مازن يريد إبقاء الطاولة نظيفة من اجل اليوم الذي يليه، وانهاء الفانتازيا حول الصراع المحتمل مع دحلان في يوم ما. «لقد انتهت قصة دحلان. ومن يريد أن يكون معه سنفتح له الباب ونقول له تفضل. ومن يريد الخروج فأهلا وسهلا به. يجب الاختيار: إما فتح وإما دحلان، لا يمكن التواجد هنا وهناك»، قال أبو مازن قبل سنتين ونصف في اجتماع لحركة فتح، وبشكل لا يقبل تفسيرين. في الشهر الماضي أقال أبو مازن أحد الاشخاص الاقوياء في مخيم الامعري في رام الله، هو جهاد طُمليه، الذي سعى لاعادة دحلان. وقد أدت هذه الاقالة إلى اندلاع المواجهات في مخيمين آخرين، بلاطة في نابلس ومخيم جنين حيث يحظى دحلان هناك بالتأييد. وطُمليه هو في صراع متواصل مع ابن أبو مازن الصغير، طارق. ليس فقط ثاقبو النظر الذين لاحظوا بروز أسماء أبناء أبو مازن، ياسر وطارق، بين المدعوين للمشاركة في المؤتمر السابع، في الوقت الذي لم تظهر فيه أسماء عشرات أو مئات الفتحاويين المقربين من دحلان.

قبعات أبو مازن

قادة فتح ينشغلون في الاسابيع الاخيرة بالجولات الميدانية وعقد التحالفات واعداد القوائم. أنت تصوت لي وأنا سأصوت لك، وكلينا لا نصوت لذاك. البعض منهم يريد الحفاظ على مكانه، والبعض يريد تعزيز مكانته أكثر. المسألة ليست مسألة مكانة فقط، القوة والتأثير. فقريبا ستنتخب اللجنة المركزية رئيسا لفتح. وليس مؤكدا أن أبو مازن الذي يبلغ 81 سنة من عمره، سيبقى في منصبه حتى المؤتمر الثامن لفتح. ومن هنا تنبع أهمية المؤتمر الذي سيعقد في الاسبوع القادم. قيادة التنظيم التي سيتم انتخابها قد تلعب دورا حاسما فيما بعد عند انتخاب وريث أبو مازن.
مسألة الوريث هي مسألة معقدة، حيث أن أبو مازن يرتدي ثلاث قبعات في نفس الوقت: رئيس فتح، رئيس «م.ت.ف» ورئيس السلطة الفلسطينية. وليست هناك ضمانة بأنه في اليوم الذي سيلي أبو مازن سيرتدي الوريث القبعات الثلاثة معا. الكثير من الفلسطينيين يريدون الفصل. ولا أحد يضمن أنه في الفترة التي ستلي أبو مازن سيتم تقسيم الارث بين اثنين أو ثلاثة. وهناك من يعتقد أنه سيقام «مجلس قيادي» يكون هو المسؤول حتى اجراء الانتخابات على الأقل.
المؤتمر السابع في الاسبوع القادم لن يحل مسألة الوراثة. ولكن يمكنه انتخاب نائب لأبو مازن في رئاسة فتح ـ هذا المنصب الذي كان شاغرا منذ اغتيال أبو جهاد في تونس في نهاية الثمانينيات. ولكن لا توجد للمؤتمر صلاحية لانتخاب رئيس «م.ت.ف» أو رئيس السلطة الفلسطينية.
الكثير من الاسماء تُطرح حول من سيتم انتخابه لقيادة فتح إلى جانب أبو مازن في الاسبوع القادم. والكثير من الاسماء معروفة: جبريل الرجوب، صائب عريقات، مروان البرغوثي، حسين الشيخ وآخرون.
أسماء كثيرة اخرى معروفة بشكل أقل للجمهور الإسرائيلي: محمود العالول، رئيس التنظيم في الضفة. ومحمد المدني، المسؤول عن التواصل مع المجتمع الإسرائيلي. وناصر القدوة، ابن شقيقة عرفات.
ليس من الواضح إذا كان أبو مازن سيسمح لرؤساء الاجهزة الامنية، وعلى رأسهم رئيس الاستخبارات ماجد فرج، بالمنافسة من اجل الدخول إلى القيادة.
أحد امتحانات أبو مازن سيكون كبح دخول توفيق الطيراوي، سلطان أبو العينين وعباس زكي إلى القيادة العليا في الاسبوع القادم، حيث يعتبر هؤلاء مستقلين إلى درجة ما وأقل خضوعا. وهناك من يقولون إنهم مقربون من محمد دحلان.
كل ذلك يخلق حالة الاستنفار والاجواء المشحونة وعدم الهدوء. كل واحد من هؤلاء لديه معسكر موالين، وبعضهم لا ينوي الصمت إذا تبين أنهم سيخسرون في الانتخابات، نتيجة طبخة يتم اعدادها في مطبخ أبو مازن في رام الله. وفوق كل ذلك، يحلق خطر أن نتائج الانتخابات الداخلية ستعمق الشرخ داخل فتح والانشقاق المحتمل الذي قد يبادر اليه دحلان وآخرون. اتحاد خائبي الامل من أبو مازن قد يكتفي بعقد مؤتمر دعائي موازٍ.
ليس صدفة أنه تم تعزيز الحماية لرئيس السلطة الفلسطينية ومنزله في رام الله. وايضا في القافلة التي يسير فيها حدثت تغييرات. وتم استبدال السيارة التي يتنقل بها.
كان من المفروض أن يصل أبو مازن أمس إلى زيارة استثنائية في جنين في شمال الضفة الغربية، والمشاركة في عرس جماعي لازواج شابة تحت رعايته. أبو مازن لم يذهب إلى جنين منذ سبع سنوات. وفي اللحظة الاخيرة قام بإلغاء زيارته خوفا على سلامته. وحسب أحد التقارير، في الطرف الفلسطيني، فإن حرس الرئاسة أوصى بعدم ذهابه إلى جنين بعد أن تبين أن الترتيبات الأمنية غير كافية. وليس واضحا إذا كان هناك تحذير مسبق. وحسب ادعاء أحد المقربين من دحلان فقد قامت اجهزة السلطة الفلسطينية في الايام الاخيرة باعتقالات ادارية مانعة لمؤيدي دحلان في رام الله. وهناك من يقولون إن هذه الاعتقالات ليست فقط من اجل الايام التي تسبق المؤتمر وخلاله، بل الايام التي تليه ايضا. والتي ستكون متوترة. وقد تحدث هنا وهناك احتكاكات عنيفة.

غال بيرغر
معاريف 25/11/2016

يختطف فتح

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية