أصبحت صورة الحاكم العربي الذي أتى عليه الربيع العربي مكشوفة للعيان، ولم تبق متدثرة بأكاذيب الإعلام الرسمي الذي وظف لعقود في خدمة السلطان مقدما إياه على أنه رمز الوطن والوحدة والديموقراطية والاشتراكية… بات هذا الحاكم في بعض الأقطار العربية مقتولا أو معزولا أو مخلوعا، وفي كل الحالات منبوذا. وصارت صورته الحقيقية واضحة تبين فظاعته المقيتة، وسخريته من شعبه واحتقاره له.
خلد زين العابدين بن علي إلى الصمت المطبق بعد أن «فهم» رسالة الشعب التونسي. وانتهى «ملك ملوك» إفريقيا نهاية مأساوية، وهو الذي أنكر معرفته بشعبه، متسائلا أمام قاتليه: ماذا يريدون؟ منكرا ما فعله بالشعب الليبي خلال عقود من التكميم والتجهيل والتقتيل.
وتم إخفاء مبارك في السجن ليحاكم بثلاث سنوات، رآها «القضاء» المصري كافية لتناسب جرائم الظلم والفساد التي أهان بها كرامة الشعب المصري، جاعلا منه لا يفكر إلا في «العيش».
وها هو أسد الشام لم تكفه سنوات عجاف يذبح فيها يوميا شعبه تذبيحا. يعمل بدون هوادة على اقتراف جرائمه البشعة مؤملا في يوم ما إبادته نهائيا ليعلن إعلامه انتصاره على قوى الظلام في نهاية مسلسل الاستئصال.
اُنقذ علي عبد الله صالح من مآل كان سيضعه في دائرة المقتّلين تقتيلا. وأعيد إلى اليمن بقفازات تخفي آثار جرائمه الفظيعة وبحروقات تبرز ما كان يلفح به وجه اليمن من نيران ملتهبة. وها هو يستغل المآل الذي أنجده من موت محقق ليكيل الصاع صاعين لمن أنقذوه وأعادوه، مؤكدا أنه لن يتوانى عن متابعة مزاولة وظيفته كـ»حاكم» حتى وهو مخلوع، غير مكتف بنهب البلاد وتجويع العباد قبل الخلع.
بل إنه في سبيل ذلك يصطف إلى جانب الميليشيات التي تمولها إيران ليكمل أداء دوره في تدمير «مقدرات» اليمن التي يدعي الآن بالوجه المكشوف أنه باق رغم أنف الجميع وأنه «يدافع» عنها مصرحا أنه سيظل «الحاكم» الذي يُغير (من الإغارة وليس الغيرة) على كل «المُقدَّرات» (التي قُدِّرت عليه من لدن المنتفضين ضده) انتقاما منهم وعلى كل «القُدرات» الافتراضية التي يملكها الشعب اليمني العظيم بدونه والتي سلبها منه ليجعل من قدراته «الواقعية» لا تتعدى عملية التحليب، والخلود إلى الفقر المدقع أو الهجرة إلى البلدان المجاورة أو المهاجر بحثا عن لقمة عيش.
ما هي هذه «المقدرات اليمنية» التي يريد الحاكم المخلوع أن يدافع عنها؟ ألم يكن الأحرى أن يخلد إلى الصمت (وهو حكمة) على الأقل كما فعل نظيره بن علي؟ أم أن هذا ليس سوى «ابن» علي. ولا يمكن لـ «ابن علي» إلا أن يكون أقل حصافة وذكاء من الـ»علي» الأكبر؟ فتدفعه علاقة «الاسم» إلى التحالف مع «شيعة» علي (كرم الله وجهه) وهم الذين قتلوه بالأمس ليتباكوا عليه اليوم مطالبين بـ «استرجاع» الحق الأزلي في إمامته، ليجسد معهم صورة «الإمام» الذي عليه أن يحكم اليمن بعد أكثر من خمسة عشر قرنا ضدا على أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) الذي صار خليفة بدلا عن الخليفة الشرعي؟
فكيف لمن قضى على مقدرات اليمن أن يدافع عنها؟
ليست «مقدرات اليمن» في خطاب علي عبد الله صالح بكلمة واحدة سوى تجسيد لـ»صورة» الحاكم الذي لم يعد مند أن بات «مخلوعا» بالعربي الفصيح والدارج معا. إنه الحاكم الذي يأبى سماع رأي آخر أو الإذعان لحقيقة التاريخ.
ولا أظن أن الحوثيين وهو يتحالف معهم اليوم ضد اليمن بلادا وعبادا لا يعرفون نواياه الحقيقية. إن كلا من الفريقين يوظف الآخر ويسخره لمآربه الخاصة. إن الميليشيات تعرف بعضها بعضا. وحين «يتصالح» الحوثي مع «علي» اليوم فلن يشفع له «اسمه» في أن يكون «شيعيا» غدا، ولن تدور الدوائر إلا على المتربصين. لقد كشف الربيع العربي – رغم كل ما قيل ويقال عنه – طبيعة الحاكم العربي وعرّى كل مساوئه وسوءاته وتناقضاته. إنه يبين بالملموس عدم رغبته حتى في الاستجابة لصوت الشعب وقواه الحية وهم يطالبون بأقل من القليل الذي تتمتع به شعوب الأرض التي ترفل في حلل الرفاه والديموقراطية والكرامة.
خرج الشارع العربي مطالبا بالحرية ومحاربة الفساد ولم يكن همه في مستهل الخروج إزاحة الحاكم ولا محاكمة نظامه ولا نصب المشانق لخنقه. لكن النظام الذي اعتاد سماع «نعم» ويعتبر كل من يقول «لا» ولو كان مثقفا أو فنانا أو مواطنا عاديا عدوا تجب إدانته وهدر دمه أو على الأقل اعتقاله قام برد الفعل ذاته تجاه الجموع الحاشدة. فصب النيران عليها واعتقل من اعتقل فاستحل الحرمات واستباح «المقدارت». فكان أن انتقلت المطالبة بمحاربة الفساد إلى الصراخ بالرحيل.
ما جرى في بعض الأقطار العربية عرفه المغرب. خرج الشارع المغربي مطالبا بمحاربة الفساد. وكان رد الملك المغربي سريعا وقويا. نجح النظام الملكي المغربي (خطاب 9 مارس / آذار) في رفع سقف الحركة الإصلاحية حتى فوق مطالب 20 فبراير / شباط، وأخرج البلاد والعباد من النفق الذي سارت فيه الجمهوريات «الثورية». سؤال يستحق التوقف على طبيعة أنظمة الحكم العربية وعلاقاتها بشعوبها.
إن مقدرات الشعب العربي الحقيقية لا حصر لها. ولو تم استثمارها على الوجه الذي يتعارض مع غرور الحاكم لكان الشعب العربي من أغنى الشعوب وأكثرها حظا من الحياة الكريمة. وبقليل من الحكمة والحوار وتنازل الحاكم عن غطرسته كانت تحل كل المشاكل وتكون عجلة التاريخ العربي المعاصر تخط مسارها القويم.
لقد طرحت الحركات الإصلاحية العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر مطالب لدخول العصر الحديث وتطوير البنيات الاجتماعية والثقافية والسياسية. وما تزال إلى الآن العديد من تلك المطالب مطروحة.
وقد جاءت الاستقلالات السياسية وعرفت بعض الأنظمة انقلابات تزعمتها حركات تدعو إلى التغيير الجذري وطرحت شعارات استقطبت الجماهير عدة عقود. وتبين بعد انصرام الزمن أن كل الشعارات الوطنية والقومية والوحدوية والتحريرية لفلسطين وكل شعارات الحرية والكرامة والعيش الكريم لم تكن سوى «كلمات» جوفاء للاستهلاك والتأطير المجانيين. كان انخداع الجماهير واصطفافها وراء القائد والزعيم حلما رهيبا. لكن سرعان ما زالت السكرة وجاءت الفكرة. فتبين أن فلسطين بعيدة عن الحرية وأن الوحدة العربية أسطورة والخبز خرافة. أما القمع والسجن فكانا الواقع الذي يتعدى الخيال.
عندما وصل السيل الزبى وجاء الربيع العربي استنكر الحاكم هذا الخروج واعتبره لا يليق بشعب ألف التصفيق والتطبيل. فكان ما كان مما سيظل الجميع يتذكره. وها هي آثار سياسة الحاكم ما تزال بارزة لكل ذي عينين في سوريا واليمن والعراق وليبيا.
من يفكر في مقدرات الشعب العربي؟ من يهتم لمقدرات الشعوب العربية وإمكاناتها الواقعية والافتراضية؟
لو كان ما يجمع بين العرب هو فقط صورة الحاكم لكان ذلك كافيا لطرح شعار «الوحدة العربية» بغض النظر عن العوامل الأخرى التاريخية والجغرافية والثقافية.
فمتى يصحو الضمير العربي لدى الحكام والسياسيين والاقتصاديين والثقافيين لتجنب الكارثة المحدقة بالأمة العربية؟ ألا يمكن لهذا التحالف العربي لمواجهة الميليشيات المختلفة في كل الأقطار العربية أن يرقى ليكون تحالفا أشمل ضد الظلم الاجتماعي والتمييز الديني والطائفي والعرقي ويساهم الجميع في تجاوز تركات الماضي التي لم تؤد إلا إلى المزيد من الفرقة والتخلف؟
سعيد يقطين