شفرة المتطوعين العرب
المتطوعون والوعاظ الذين خلعوا شارات الأوطان والأديان واستبدلوا بها شارة النجمة السداسية علنا وعلى الشاشات مباشرة، ما زالوا يقدمون نصائحهم للمقاومين في غزة بإلقاء السلاح، تحت العناوين الناعمة التي تدعو إلى «حقن دماء المدنيين الفلسطينيين» عن طريق نزع سلاح المقاومة ، بدلا من محاكمة القتلة والاقتصاص منهم. ولكن دماء أهل غزة ليست أغلى من دماء السوريين والعراقيين والليبيين، كلها دماء عربية، فلماذا لم يقدموا نصائحهم ومواعظهم لأصحابها من أجل إلقاء السلاح وإنهاء الحروب الأهلية «حقنا لدمائهم»؟
مع أن أهل غزة لا يواجهون نظاما يختلفون معه أو يثورون عليه، ولا طائفة يتصارعون معها، ولا امتيازا يتسابقون عليه، ولا سلطة يلهثون وراءها. إنهم يخوضون آخر حرب تحريرية في التاريخ، ويدافعون ببسالة وشرف عن وجودهم وعن وطنهم الذي يكاد يضيع منهم، وعن كرامتهم التي لا سبيل إلى الحفاظ عليها الا بمواجهة محتلي بلادهم.
إن مجموع من سقطوا في بلدان الربيع العربي تجاوز ربع المليون قتيل أو شهيد (سمهم ما شئت) هذا عدا عن أكثر من نصف مليون جريح، فلماذا لم تتحرك مشاعر أولئك المتطوعين ولم يقدموا نصائحهم حقنا لدماء أبناء عروبتهم؟ ولماذا تحولوا إلى محرضين على «العنف» وغيورين على «الحريات» فملأوا صفحات الجرائد بمقالات المديح والتمجيد، وقصائد الشعر التي تتغنى بشهداء ربيع العرب، وتحرض على استمرار القتل والتدمير بصرف النظر عن جداول الدماء التي سالت في تلك البلدان من دون أن يحاولوا «حقنها» مثلما يفعلون الآن مع دماء أبناء غزة؟
لم يشهد التاريخ من قبل، عمليات تحريض وكيد لحركة مقاومة ضد محتلي بلادها مثلما يحدث الآن من قبل بعض العرب، وبهذه الخفة والتهافت والجور.
هل يحبون أهل غزة أكثر من بقية العرب؟
بالتأكيد لا، لكنهم لا يظهرون ولا تعلو أصواتهم ولا يجترحون تعاويذ الغفران والصفح إلا حين يتعرض الكيان الصهيوني لمجرد الخدش: تلك هي شفرة الزحف غير المقدس للمتطوعين.
أنكيدو السياسة العربية
وبعيدا عن معارك غزة ودماء شهدائها، وفي اجتهاد وظيفي بحت، حلق نبيل العربي «أنكيدو» السياسة العربية في اجتماع وزراء الخارجية العرب، ثم خرج بمحصلة تُذكر طرفي النزاع بأن «الصلح خير» وعاد بعدها إلى بيته راضيا بحصيلة يومه وصيده الوظيفي الذي قد يضمن له ولاية جديدة في جامعة الدول العربية. من يتذكر أمين عام جامعة الدول العربية؟ شخصيا نسيت رنة صوته، كل ما أذكره منه وعنه تلك النظرات غير المستقرة التي تشي بذعر متأصل غير مفهوم، وتلك الكلمات المترددة غير المترابطة التي تنطلق من فمه عنوة، خصوصا حين يصدح بأحاديثه الرخوية عن القضايا المصيرية للأمة العربية، أمة نبيل العربي.
لماذا يكرهوننا؟
كان السؤال المستنكر الذي أطلقه جورج بوش في ولايته الأولى «لماذا يكرهوننا؟» أقرب إلى سؤال القاتل عن أسباب صياح ضحيته لحظة إقدامه على ذبحها. كان أشبه بالتساؤل عن دورة الأفلاك: لماذا تدور الأفلاك؟
الآن يمعن أوباما وإدارته في دعم الاحتلال الإسرائيلي وجيوشه التي ولغت في دماء الفلسطينيين، يمدونهم بالسلاح والعتاد وقباب الباتريوت، يحيلونهم إلى ضحايا، يحبطون مشاريع حماية أطفال فلسطين من قاتليهم، ويتآمرون عليهم في كل مكان. لكن ماذا لو توالدت بين ظهراني أهل غزة وسواهم منظمات متطرفة تستهدف كل من أسهم في تلك المجزرة في عقر داره؟ المقاومة الفلسطينية هي حركة تحرر وطني، ثمة وطن محتل، شعب يذبح في كل لحظة، وحقوق تواجه بالتنكر والعدوان، فما البدائل التي يرتئيها أولئك الذين لا يكفون عن التساؤل «لماذا يكرهوننا»؟
إن سؤال «لماذا يكرهوننا؟» هو أكثر الأسئلة سذاجة وإفلاسا حين يصدر عمن استباحوا دماء الفلسطينيين وأسهموا في قتل أطفالهم وتمزيق أشلائهم، وقبلها خنقهم وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة.
أوباما يرش الملح
في محاولة مستميتة لإقناعنا بحزنه على أطفال غزة وحرصه على دمائهم، يرش أوباما الملح على الجراح، ويتوصل إلى خلاصة مفادها: إن ما ينقص أهل غزة ليس الخبز ولا رفع الحصار ولا الحرية ولا الحياة الكريمة ولا طبخة اليوم ولا ألوان الرايات ولا ولا.. ما ينقصهم هو التخلص من المقاومة وأسلحتها وطي صفحة الماضي واستبدالها بتغريدات المحبة، التي ـ في حالة غزة – يصير الناس معها سكارى وما هم بسكارى، ويسلمون أمرهم لمن قتل أبناءهم وآباءهم وأمهاتهم، ويقتاتون على ما تقدمه لهم هيئات الشفقة بدلا من خيرات أرضهم وبحرهم.
يحدث هذا في الوقت الذي تبدي فيه حكوماتنا العربية ابتهاجها بتلك الخلاصة العبقرية، وتصر على المشاركة الرواقية في كرنفال المحبة، وتبدي انزعاجها من تزايد الأصوات المطالبة بالاقتصاص من القتلة، إذ ان ما أزعج كثيره فقليله حرام، خصوصا أن بلادنا على أعتاب مرحلة من الرفاه الاجتماعي والاقتصادي لا يعيقها إلا المقاومة الفلسطينية وعنادها غير المبرر.
لكن، حتى الظواهري لم يعد يرش الملح على الجراح، الرجل ملّ سفك الدماء، ودعا الفصائل الاسلامية في سورية والعراق الى عدم الاقتتال وتجنب قتل الأبرياء: صار الظواهري من حمائم «القاعدة» قياسا لصقورها في العراق وسورية، أولئك الأكثر تشددا من الفرنسي ماكسميليان روبسبيير الذي افتتح عهد الإرهاب في التاريخ بقتل وإعدام ستة آلاف من خصومه خلال ستة أسابيع، من أجل تحقيق «عدالته الثورية». حدث هذا قبل نحو مئتي عام من الولادة المبجلة لابن لادن. ومع ذلك لم يخجل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي – قبل ان تخلعه سيسيليا – من القول: إن الإرهاب هو اختراع إسلامي بامتياز، مثلما لم يتورع بوش ـ قبل أن يتلقى ضربة من حذاء الزيدي ـ عن التساؤل الفج «لماذا يكرهوننا»، ومثلما أيضا لم يتردد أوباما عن القول بأن حماس حركة إرهابية وبأن الإسرائيليين هــم الضحية التي تدافع عن نفسها.
مستر باراك أوباما: أنتم تؤسسون لموجة عداء عربية اسلامية جديدة لأمريكا؟ فانتبهوا، لأن أمن شعبكم وأمانه ومصالحه أهم بكثير من نزوات الكاوبوي الصهيوني ومجازرهم.
٭ كاتب فلسطيني
جمال ناجي