منذ وفاة الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد سال حبر كثير حول إرثه السياسي والنضالي الطويل وكيف يمكن أن يستفيد منه نظام الحكم الجزائري ويغتنم الفرصة ويوظفه من أجل الصالح العام.
نظريا، هذا كلام رائع ليس هناك أجمل منه. عمليا، هو هراء وحفر في الماء. بل تجاوز في حق روح الفقيد وما تركه من إرث لا يقدّر بثمن.
بداية ً، تتجاهل دعوات «الاستفادة من إرث» آيت أحمد أن نظام الحكم الجزائري يرفض التعلم لكي لا يتغيّر ولا يفقد هويته الغامضة المعقدة. ناهيك عن أنه يرفض «الدروس» خصوصا إذا جاءته من جزائريين يعتقد أنه مسؤول عنهم ويدينون له بالوجود والولاء والانتماء.
ثانياً، وهذا الأهم، لا الراحل آيت احمد يشبه رجال الحكم في جزائر الاستقلال، ولا هؤلاء يستطيعون مواكبة واستيعاب أفكار وفهمَ الرجل. وفاة آيت أحمد مأساة تشبه حريق مكتبة وطنية، ونظام الحكم الجزائري لا يأبه بالمكتبات الوطنية ولا تهمه.. هذا إذا لم يحاربها ويحرقها ويغتالها وهي على قيد الحياة.
لسوء حظ آيت أحمد أنه كان منذ شبابه سابقا لعصره وأقرانه. لذلك عاش غريبا ومات غريبا. ليس غريبا بالمعنى الجغرافي والبدني، بل الفكري والسياسي والروحي.
تشبه صلة آيت أحمد برجال الحكم في الجزائر بفريق كرة قدم يلعب مباراة، وعندما فاز بشوطها الأول رفض لعب الشوط الثاني وفق القوانين والأعراف، ووفق الاتفاق. عندما جلب أولئك الرجال الاستقلال للجزائر في 1962 بعد كفاح طويل ومرير وثمن باهظ، رفضوا لعب الشوط الثاني الذي من المفروض أن يتعزز فيه الفوز بتسجيل أهداف تكريس نظام حكم ديمقراطي مدني تعددي، وفقا لوثيقة بيان أول نوفمبر المفجّر للثورة. بل عبث «الرفاق» بالملعب كله وتسببوا في فوضى يواصل جزائريون لا ذنب لهم فيها دفع ثمنها إلى اليوم.
لسوء حظ آيت أحمد (مرة أخرى) أن الرجال الذين رفضوا إتمام المباراة فرّخوا وأنجبوا ديكتاتوريين صغارا فاشلين، وتركوا وراءهم جيلا من الحكام يجمع متناقضات تستعصي على الفهم والتفسير: تشعر أنهم من خيرة ما أنجبت الجزائر عندما تلتقيهم على انفراد ويحدّثونك بلا التزام وخارج النص، لكن سرعان ما يذوبون في أتون ماكينة النظام أو تبتلعهم فيتحولون إلى أدوات طيّعة مستلسمة بلا جدوى وبلا شخصية، عندما يلبسون قبعة الانتماء.
بعيداً عن تفاصيل العاطفة والشجون والموقف الجنائزي، لا يستوعب عقلي كيف يقف مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى بكل ماضيه وحاضره السياسي البائس والمحزن، بكل ذلك الخشوع أمام جثمان آيت أحمد وهو لا يشبهه في شيء.. بل وهو حامل لواء تدمير كل ما آمن به آيت أحمد وأفنى حياته يحاول تحقيقه!
ولا أفهم كيف يقف رئيس الحكومة عبد المالك سلال ورئيس البرلمان العربي ولد خليفة وقائد اركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح مثل أويحيى، ولا أحد من هؤلاء جميعا يشبه آيت أحمد أو يؤمن ـ مجرد إيمان ـ بما آمن به.
آيت أحمد أفنى عمراً طويلا مدافعا عن أبسط حقوق الجزائريين وساعيا لتحقيق ما أمكن منها. ربما فشل لأسباب لا تخصه، لكنه سينال، على الأقل، أجر اجتهاده الطويل المضني. في المقابل، أمضى أويحيى الثلاثين سنة الأخيرة يفعل ما باستطاعته لتحطيم وعرقلة جهود ومُثُل آيت أحمد. أمضى كل هذه السنين حاميا ومدافعا عن نظام حكم أقل ما يمكن أن يوصف به أنه فاشل وتعيس.
لا يهم هل قصد أويحيى آيت أحمد شخصيا طيلة هذه السنوات الطويلة أو وضعه في دائرة أهدافه، فالأهم أن النتيجة واحدة. ولا يهم كثيراً الموقف الشخصي، فالأهم أن آيت أحمد انتسب إلى مدرسة تبحث عن الأمل والنقاء والضوء، بينما انتسب أويحيى إلى معسكر عقيم أبدع في إنتاج اللصوصية والفشل تلو الفشل.
قد يأتي من يجادل بأن مثل هذا التحليل يظلم أويحيى، إلا أن المقصود هنا هو أويحيى الرمز أولاً والشخص ثانيا، وأمثاله كثيرون من رجال الحكم الذين ذرفوا دموع التماسيح على آيت أحمد ودعوا لرد الاعتبار له.
لو كان هذا النظام ورجاله أصحاب قدرة على التقاط الرسائل والإشارات والاستفادة منها لاستوعبوا رسالة آيت أحمد (وهي واضحة وسهلة وغير مشفرة) في وصيته بأن يشيّع في جنازة شعبية وفي مسقط رأسه: لا جنازة رسمية، ولا مقبرة العالية!
طلب أن يُدفن مع والدته التي حرمه الديكتاتوريون الآباء من حضور جنازتها مثل ما حرم الديكتاتوريون الورثة اليوم جزائريين آخرين من حضور جنائز أمهاتهم لا لسبب إلا لأنهم اختلفوا معهم أو رفضوا سطوتهم.
بقي التعويل على المجتمع. لكن المجتمع الذي آمن به آيت أحمد ووثق به يعيش حالة تصحر خطيرة بفعل الإبادة الفكرية والسياسية التي لم يتوقف نظام الحكم عن ارتكابها منذ فجر الاستقلال.
أفضل ما يمكن تقديمه للفقيد أن يُترك لينام قرير العين في مرقده، وأن يتوقف التجار عن البحث عن هامش آخر للربح والمتسلقون عن البحث عن جواد آخر هنا أو هناك لامتطائه.
وإذا كان الحكام الجزائريون يعتقدون أن وفاة آيت أحمد فرصة لاسترجاع عذريتهم الضائعة، فقد أخطأوا، لأن جنازة الرجل كانت الضربة القاضية منه ومن الشعب الذي احتضنه وبكاه.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي