يسار يمين يسار

حجم الخط
0

منذ حرب الايام الستة تجذر لدى الجمهور الإسرائيلي الافتراض أن «اليسار» و«اليمين» هي مفاهيم تتعلق بمستقبل المناطق المحتلة. حكومة نتنياهو الرابعة تقول إن علينا انعاش مواقفنا بالنسبة لهذه المفاهيم. التعامل معها بدون الانعاش الضروري يشير إلى الانغلاق تجاه الواقع، إن لم يكن الامر محاولة لتضليل الجمهور.
إن الاعتماد على مفاهيم «يسار» و»يمين» بالمعنى القديم يشير إلى محاولة اخفاء الحرب الداخلية حول هوية ونظام وثقافة إسرائيل، وحرف الصراع إلى الحقول المعروفة حيث يتصور هناك المحرضون أن لهم اغلبية.
يجب القول إن اليسار هو أكثر كثيرا من الرغبة في وقف السيطرة على المناطق المحتلة.
اليسار معناه رفع راية العدالة الاجتماعية والضمانة المتبادلة. اليسار يضمن أن لكل انسان الحق والظروف من اجل تحقيق ذاته وامكانياته انطلاقا من اعطاء الضمانة لحياة معقولة للضعفاء والفقراء. نفتالي بينيت، بدلا من تحديد موقف اجتماعي واضح، يريد الهرب إلى احضان اليهودية. وقد قال في بداية 2013: «الاشتراكية والرأسمالية لا تهمني. فلدينا اقتصاد يهودي عمره 3 آلاف سنة». هل معارضته بصفته وزيرا للاقتصاد، للرقابة على اسعار المواد الاساسية، هي «اقتصاد يهودي»؟.
في عام 2015 انضم إلى نظريته الاقتصادية كل من ميري ريغف وياريف لفين وتسيبي حوطوبلي وموتي يوغف واييلت شكيد، الذين عارضوا اقتراح قانون منع التمييز في السكن. القانون الذي تم اقتراحه يمنع التمييز على خلفية العرق والدين والقومية أو الميول الجنسية، في بيع أو استئجار الشقق. ومن اجل استكمال الموقف الاجتماعي اليهودي أعربت شكيد عن معارضتها لقانون الأجر المعقول والرقابة على ايجار الشقق.
اليسار معناه الايمان بحق كل شعب في الحرية والاستقلال. لذلك يطمح اليسار إلى تطبيق حل الدولتين لشعبين. معسكر اليمين يؤمن أن ارض إسرائيل أعطيت بوعد الهي لشعب إسرائيل فقط. مثل اقوال الحاخام تسفي يهودا كوك «هذه الارض لنا. لا توجد هنا اراضي عربية بل ارض إسرائيل، وهي ملك آبائنا الأبدي وهي تعود للنظام الإسرائيلي بحدودها التوراتية».
وماذا عن سكان البلاد العرب؟ حسب رأي اليمين، يجب اقتلاعهم أو العيش تحت نظام التمييز.
اليسار معناه تأييد الفصل بين السلطات والحفاظ على استقلال محكمة العدل العليا. وظيفة محكمة العدل العليا تطبيق سلطة القانون والحفاظ على حقوق الاقليات والضعفاء. إن ولاء المحكمة لهذه الواجبات تسبب بالهجوم من قبل ريغف، الكين، اورن حزان، ياريف لفين، شكيد، بتسلئيل سموتريتش، بينيت، يانون مغين وموتي ريغف، الذين وجهوا اتهامات لا أساس لها من الصحة للمحكمة: الانفصال عن المجتمع اليهودي، عدم الاخلاقية النخبوية اللاصهيونية واللايهودية واللاديمقراطية والاضرار بالأمن وما أشبه.
اليسار يعني وضع الانسان في مركز الايمان أن كل الناس متساوين أمام القانون. لكن الامر ليس كذلك في اليمين. ريغف، لفين، حزان، حوطوبلي، الكين، يوغف، شكيد وبينيت صوتوا ضد اقتراح قانون اضافة مبدأ المساواة للقانون الاساس: احترام الانسان وحريته.
اليسار معناه السعي إلى الفصل بين الدين والدولة. وموقف موتي يوغف من البيت اليهودي، معاكس تماما. في صيف 2015 زعم أن نية رئيس الاركان تقليص صلاحيات الحاخامية العسكرية هي بمثابة «الحاق الضرر بحصانة الجيش الإسرائيلي وبروح الحرب وأمن إسرائيل». وردا على العملية بالقرب من حاضرة دولف، أعلن أن الكتائب المختلطة للرجال والنساء «لا تستطيع الحراسة أو الدفاع في وجه الحرب» وهي ليست مهنية بما يكفي. وفي نقاش حول كتاب التربية الوطنية قال يوغف «هذه الحكومة تنوي تحويل دولتنا إلى أكثر يهودية… هذه هي طبيعة الديمقراطية حيث أن الاغلبية هي التي تقرر والاغلبية هي اغلبية قومية».
اليسار هو الاعتراف بحرية العبادة للجميع. وعلى عكس ذلك، في نهاية 2015 قدم كل من ريغف وحوطوبلي ويوغف اقتراح قانون يهدف إلى منع استخدام مكبرات الصوت في اماكن العبادة. وهذا الامر بالطبع موجه ضد المسلمين.
اليسار معناه الاعتراف بالتعددية الدينية. وقد استنكر ياريف لفين في بداية السنة التيار الاصلاحي في الولايات المتحدة وادعى أنه خلافا لتوجهات الجالية اليهودية هناك، فانه خلال جيلين إلى ثلاثة اليهود هناك سيختفون في اعقاب الاندماج.
اليسار يعتبر أن حق الملكية هو حق مكفول لكل انسان. في صيف 2015 اقترح يوغف وحزان قانون يسمح ببناء المستوطنين على الاراضي الفلسطينية الخاصة بشرط دفع ثمنها.
اليسار يعني الايمان بحرية الفنون والثقافة. وعلى عكس ذلك، أعلنت وزيرة الثقافة ريغف عن نيتها تقديم اقتراح قانون «الولاء في الثقافة» ـ تعديل لقانون الميزانيات الذي يشترط دعم المؤسسات الثقافية بولائها للدولة. اليسار يعني الايمان بحرية التعبير وحق الاقلية في القيام بحملة جماهيرية من اجل الوصول إلى الرأي العام. وعلى عكس ذلك، بادرت وزيرة العدل إلى اقتراح قانون وسم الجمعيات الذي تمت المصادقة عليه في لجنة الوزراء للتشريع بالقراءة الاولى في الكنيست.
اليسار هو الايمان بأن إسرائيل يجب أن تكون مجتمع في أسرة الشعوب، واحترام القانون والاعراف الدولية واجراء نقاش مفتوح مع الدول التي ترغب في ذلك. بينيت وزملاؤه الذين يريدون أن يعتاد العالم على ضم إسرائيل للمناطق ج والضفة الغربية كلها، يؤمنون باقوال الحاخام شلومو غورين.
«لا يستطيع أي قانون سواء كان قومي أو دولي، تغيير مكانتنا وحقوقنا… إن مصير هذه المناطق حسب التوراة أن تكون تحت سيادة يهودية كاملة وبملكية يهودية». افعال وتصريحات نائبة وزير الخارجية، حوطوبلي، تشير إلى تأييدها للعزلة والانعزال. فقد اعلنت عن تجميد الحوار السياسي مع الاتحاد الاوروبي ردا على وسم البضائع من المستوطنات، وقالت إنها لن تسمح لجهات رسمية في السويد بانتقاد إسرائيل.
الحدود بين المعسكر الذي يتبنى مواقف انسانية وبين المعسكر القومي الديني المسيحاني الذي يقود إسرائيل، يجب اعادة رسمها من جديد وبشكل واضح. من يرغبون بتسمية أنفسهم يسار يجب عليهم أن يفسروا للجمهور عملية تشويش الحدود التي تتم والقول بصوت مرتفع إن من يؤيد التشويش هم الذين ليست لهم طريق سياسية واجتماعية واخلاقية.
إن رسم الحدود سيوضح لمن يحاول الدخول تحت مظلة «الوسط»، أنهم عمليا يتجاوزون البندين. ليست لهم الجرأة والقدرة على بلورة قناعة كاملة. وفوق كل شيء، الخطوط الواضحة يجب أن تبقى أمام ناظر الجمهور الإسرائيلي بشكل يومي، كي يستطيع تصور الدولة التي يريد العيش فيها وتربية اولاده وأحفاده فيها.

هآرتس 23/2/2016

شاؤول اريئيلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية