يقطعونها لغايات التدفئة والتجارة : استمرار مسلسل الاعتداء على الاشجار الحرجية في الاردن

حجم الخط
1

يختارون الليالي الباردة ويتجهون الى الغابات ذات الاشجار المعمرة التي هزمت كل الظروف والكوارث الطبيعية، وصمدت بوجه الرياح العاتية والثلوج الكثيفة وعادات المصطافين السيئة، لتنكسر وتُهزم تحت طمع من يرغبون في تحقيق الربح السريع والمجاني.
احمد شاب في العشرين من عمره، يقطن احدى القرى الواقعة على طريق جرش، لم يتمكن من النجاح في مرحلة الثانوية العامة، فوجد نفسه تحت وطأة البطالة ووقت الفراغ الذي لا ينتهي، فأقنعه ابن عمه شاهين بالذهاب معه ليلا الى واحدة من الغابات ليقوم بمهمة الحراسة اثناء قطعه للشجر، حيث يبيع خالد طن الشجر المقطع بسعر يتراوح ما بين الثمانين والمائة دينار وذلك نظرا لطبيعة الشجر فيما اذا كان اخضرا او ناشفا.
وحينما وجد احمد – الذي رفض الافصاح عن اسمه – ان هذه العملية سهلة وتحقق الربح السريع، قرر ان يزيد من نسبة استفادته وينتقل من مهمة الحراسة الى عملية القطع نفسها والتي تتم بعدة طرق، موضحا: «يعمد بعض الاشخاص الى اضرام النار في الشجرة قبل قطعها، فيما يستخدم اخرون المناشير الكاتمة للصوت، وهنالك اقبال كبير على قطع شجر البلوط كونه يتميز بانتشاره في هذه المنطقة ويزيد من حرارة النار ودفئها. والخشب الناشف اغلى من الأخضر.
الامر اللافت والمحزن في حديث احمد، ان الشخص الذي يتعاقدون معه على نقل الخشب بسيارته «البكم» هو احد الطوافين المسؤولين عن حماية هذه الاراضي من المعتدين على الاشجار الحرجية، مقابل عشرة دنانير في كل مرة يذهبون فيها.
التحديات التي تواجه المناطق ذات الكثافة الحرجية العالية في الأردن كثيرة بسبب الحرائق او المعتدين عليها بالقطع سواء لغايات التدفئة في البيوت او الاتجار بها، وحينما واجهت «القدس العربي» الناطق الرسمي باسم وزارة الزراعة الدكتور نمر حدادين، نفى ان تتحمل الوزارة وحدها تبعات هذه الأخطاء فالمسؤولية مشتركة بين الاجهزة الامنية والمواطنين ايضا.
وأوضح حدادين: «واجهنا في عام 2013 تحديات كبيرة من عواصف ثلجية قوية وقطع للأشجار وسنوات من الجفاف والتذبذب المائي التي ادت الى حرق المساحات الكبيرة من هذه الاراضي الحرجية. على عكس ما يحدث في الدول الاوروبية التي تكون الاغصان من الداخل طرية ولا تشقق وانكسارات فيها كما هو الشجر الحرجي هنا».
وعند سؤاله عن الاسس التي يتم بناء عليها اختيار الطوافين، ابتسم حدادين مستهزئا بطبيعة السؤال، ومجيبا: «هم عبارة عن مجموعة يرتدون اللباس الرسمي ويتجولون في المناطق الحرجية في ساعات مختلفة. مجردين من السلاح، مهمتهم تنحصر في اخذ رقم السيارة التي تحمل الاشجار والتبليغ عنهم».
اما عن مراقبة ادائهم وبخصوص شكاوي اهالي القرى من تورطهم مع المعتدين على الأشجار، بيّن حدادين ان كل ما بوسع الوزارة ان تقوم به هو ارسال دوريات في اوقات مختلفة لمراقبة الطوافين والحرائق وغيرها من المخالفات.
اما عن مراقبة الوزارة للمحلات المخصصة لبيع الخشب، وتعاملها مع الاشخاص غير المرخصين لقطع الأشجار بهدف تحقيق الربح الأعلى فأمتنع حدادين عن الاجابة وأحال المسؤولية الى القضاء الذي اعتبره نزيها في مثل هذه القضايا، إلا انه اشار الى محاولات في مجلس النواب حول تغليظ العقوبات. فيما قرر مجلس الوزراء تخفيض الرسوم على الفحم والأخشاب المستوردة لغايات التدفئة من الخارج.
وذكر حدادين ان الوزارة تنتج 3 مليون غرسة سنويا، يتم زراعة 2 مليون من خلال مشاريع التحريج الوطني بمشاركة العديد من المؤسسات، منها القوات المسلحة والأمن العام والدرك وأمانة عمان الكبرى.
وفي نهاية حديثه اشار الى اهمية توعية المواطنين بالحفاظ على هذه الثروة الحرجية والانتقال الى استخدام البدائل في التدفئة مثل مخلفات الجفت وتقليم اغصان الزيتون.
إلا ان المحسوبيات لها دورها الكبير أيضا ففي حادثة جديدة من نوعها استيقظت مدينة العالوك في احد الايام على ما يقارب الـ 30 شجرة مقطوعة، وهو امر لا يتم بسهولة. واتفق عدد من الطوافين على محاصرته في احدى الليالي الباردة والتي يعتمدها المعتدون لسبيين الاول تلافي وجود الطوفين والثاني ان تغطي اصوات الرياح على اصوات المناشير العالية، وبالفعل تمكنوا من إلقاء القبض عليه ومعرفته، حيث كان شابا في واحدة من الجامعات الخاصة القريبة وحكم عليه بغرامة 5 الاف دينار اردني وحبس لمدة 3 أشهر، إلا ان احد النواب تمكن من اخراجه من الحبس وتغريمه بمبلغ الف دينار فقط.
ﺣﻤﺰﺓ ﺣﻤﺪ ﺍﻟﺨﻮﺍﻟﺪﺓ احد ابناء المنطقة المتضررين من استمرار مسلسل قطع الاشجار دون رادع حقيقي، قال: «ﻣﺎ ﺯﺍلت ﻣﻨﺎﺷﻴﺮ ﺍﻟﻜﻬﺮﺑﺎء ﺣﺘﻰ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﺗﺪﻭﻱ ﻟﻴﻼ ﻧﻬﺎﺭا على الرغم من كل ﺍﻟﺨﻄﻂ ﺍﻟﻤﺘﺒﻌﺔ ﻭﺍﻟﺘﺤﺬﻳﺮﺍﺕ ﺍﻟﻤﺎﺿية، حيث قام ﺍﺣﺪ ﺍﻟﻤﻮﺍﻃﻨﻴﻦ ﺑﻘﻄﻊ ﺍﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺳﺒﻌﺔ ﺍﺷﺠﺎﺭ في ليلة واحدة وأصبح منظرها مشوها».
وأكد الخوالدة ان ما تدعي وزارة الزراعة القيام به من ترقيع للأشجار، أي زراعة اشجار حرجية جديدة مكان التي قطعت، هو امر غير موجود على ارض الواقع. ولا توجد هنالك استراتيجة متبعة من قبلهم لردع الطوافين المتواطئين مع المخربين، حيث يتم اسكاتهم احيانا بوجبة غداء.
ويستغرب الخوالدة من استهتار الجهات الرسمية بمثل هذه الاعتداءات التي تتسبب بنقص المساحة الحرجية، سواء بسبب الحرائق او قطع المواطنين للأشجار او لجوئهم الى الرعي الجائر.
وفيما يتعلق بالاعتداءات والأرقام، اوضح عيد الزعبي مدير دائرة الحراج التابعة لوزارة الزراعة ان الاعتداءات التي حصلت على الاشجار الحرجية عام 2013 بلغت 764 اعتداء فيما قلت النسبة عام 2014 لتصل الى 399 اعتداء وحصل فيها جميعا ضبط وإحضار وتم الحكم في بعض القضايا.
اما عن اكثر الاشجار الحرجية التي يتم الاعتداء عليها، فهي اللزاب، الأكاسيا، السنديان، الخروب، البُطم، والسرو.
وأكثر المناطق التي يتم الاعتداء عليها، هي على الترتيب الأتي: عجلون، جرش، العاصمة عمان، والبلقاء.
يشار إلى أن غابات عجلون تشكل 34 في المئة من مساحة المحافظة البالغة 419 ألف دونم، منها 134 ألف دونم غابات تنقسم إلى 99 ألف دونم غابات طبيعية و17ألف دونم غابات صناعية، و 18 ألف دونم غابات مختلطة وأشجار زيتون.
وبما ان محافظة عجلون هي الاعلى في نسبة هذه الاعتداءات سنويا، لما تتمتع به الأشجار الحرجية من كثافة وتنوع طبيعي وأصناف نادرة من الصنوبر الحلبي واللزاب والبطم والكينا والاكاسيا، تمت اعادة تأهيل عدد من الأبراج وإقامة محطات للحراج في قضاء عرجان وصخرة.
احمد الذي لا يزال مستمرا في عمله بالقطع الجائر للاشجار الحرجية، لن تثنيه محاولات بعض الطوافين اطلاق الرصاصات البلاستيكية نحوه – على حد قوله – حيث سيعود لقطع الاشجار حتى ولو تمت معرفته، فالغرامة المترتبة على هذه المخالفة لا تساوي شيئا مقابل ما يحققه من أرباح، مضيفا: «استطيع خلال سبعة ايام من كل شهر، ان اجمع ما يوازي راتب افضل موظف في الحكومة، أي لا يقل عن 500 – 800 دينار».
تنص المادة (34/أ/1) من قانون الزراعة المؤقت رقم (44) لسنة 2002 على أن عقوبة قطع الأشجار والشجيرات الحرجية أو النباتات البرية دون ترخيص هي «تحرير ضبط مخالفة وإرسالها إلى المحكمة المختصة، الحبس لمدة ثلاثة أشهر وبغرامة مقدارها مائة دينار عن كل شجرة يتم قطعها من الحراج الحكومي وبغرامة مقدارها خمسون دينارا عن كل شجرة من الحراج الخاص، وفي كلتا الحالتين تصادر المواد الحرجية والأدوات القاطعة التي يتم ضبطها».
احمد وابن عمه لم يكملا تعليمهما، إلا انهمت يقومان بهذه الاعتداءات حسب ترتيب معين وخطة محكمة، يختاران فيها الليالي الباردة ويتعاونان مع اشخاص لمراقبة الطرق من كافة الاتجاهات ويعتمدان نغمات خاصة على هاتفيهما، يتواصلان بها لينذرا بعضهم الاخر من وجود الطوافين، ويتفنان بإخفاء السيارة والمركبة المخصصة لنقل الشجر المقطع، بعيدا عن الاعين.
ويضيف احمد: «سواء قمنا بذلك او لا، سيأتي غيرنا في ظل طلب التجار المستمر لهذه الأشجار فهم المستفيد الاول منها، حيث يباع الطن بما يقارب الـ 250 دينارا ويشتريه من غير المرخصين بـ 80 او 100 دينار. وفي كثير من الاحيان نبيعه الى المزارع والبيوت الكبيرة في المنطقة، كونهم يشترون كميات كبيرة ولا يعلمون بهوياتنا. كما ان بعض المشاغل تستخدمه في تصنيع الاثاث وصناديق الخشب للخضروات والفواكه».
وفي كتيب صدر عن وزارة الزراعة بعنوان «الغابات في الأردن» تمت الإشارة إلى أن هناك قطعا غير مشروع وهذا يحدث بما يقارب ألف حالة قطع سنويا للحصول على الخشب لبيعه، أما القطع المشروع فيتم أثناء فتح الطرق أو توسيعها أو لاستخدام الأرض لغايات أخرى وهذا يقضي على حوالي عشرين ألف شجرة سنويا.
وعن الطوافين الذين تعينهم الوزارة، تحدث محمد الحراحشة وهو طواف منذ عشرين عاما، فقال ان جل ما يقوم به عند استدعائه لوجود اشخاص يقطعون الاشجار هو تسجيل رقم قطعة الأرض، طريقة القطع، واسم الشخص الذي قام بالقطع. وبنظرة غضب متذكرا احد المواقف، حينما حاول احدهم الاعتداء عليه، يقول «نحن مجردون من السلاح ولا يوجد ما نحمي به انفسنا، نعمل في اكثر الظروف صعوبة ولسنا في مأمن من ردود افعال الاشخاص الذين يخافون ان يسجنوا او يدفعوا الغرامة».

عمان – آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية