أصبح العالم وأوروبا خصوصاً، يعرف بوجود فنانين تشكيليين مغاربة، اختاروا المهجر، فضاء اختيارياً لبناء مسارهم الفني، واستكمال حريتهم المبتورة ثقافياً، والتي يجربون عبرها مرويات الرسم وخياراته وتجاربه. وهو اختيار تفرضه الرغبة الملحة بالانعتاق وأيضاً بالاحتكاك مع التجارب الغربية والعالمية، والاقتراب من أساسات الفن العالمي، واماكن نبوغته وانتشاره، لا سيما في القارة العجوز.
الفنان إبراهيم بولمينات (المولود في العام 1974) في الدار البيضاء، يعمل في بروكسل، حيث اشتغل منذ العام 1995 إلى العام 2013 في الفن الـ«غرافيك»، والديكور والتشكيل. واحد من الفنانين الذين لم يلتزموا يوماً بالشكل ولا المعايير. يمارس الفن وفق رغباته التصويرية، فهو لا يتوانى عن استدراج الأشكال والتجارب الفردية داخل أعماله.
اللوحة لدى بولمينات نوع من الغوص في عوالم التجدد داخل ساحة الفن المعاصر. إذ لا يتوقف الاشتغال لديه داخل اللوحة على الالوان والخطوط والأسطر والكتل الملونة المنساقة فوق بعضها بعضاً، والرسم ثنائي الأبعاد، بل إلى الاعتماد على أساليب معاصرة وأخرى حديثة، منطلقاً من تقنيات «كولاج» واستدراج العمل التجريدي في التشخيصي ومزاوجتهما.
ينتقل الفنان في خط رفيع بين المدرستين الواقعية والمادية، وهو «اتجاه تصويري ينتمي إلى الفن اللا نظامي ظهر مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية مدعوماً من الناقد الفني الفرنسي ميشيل تابيه».
يمكن ملاحظة هذا المزج في مقترحاته ومفرداته التشكيلية جلها، ما يمكننا أن نضيفه إلى كل تلك المدارس والمذاهب الفنية التي يشتغل عبرها وخارجها، حيث تندرج أعماله ضمن خانة الفن التعبيري. وتقوم هذه النظرية داخل مبدأ ترك الألوان والخطوط والأشكال، إذا ما استُخدمت بحريّة، في تركيب غير رسمي، وهو في تلك الحالة أكثر قدرة على التعبير وجذب البَصَر. وحين تُستخدم وفقاً للمفاهيم الرسمية، أو حين تُستعمل لتمثيل الأشياء، تزداد بهجة. وهذا ما نلحظه بشكل واضح داخل أعماله، المتحررة من كل قيودها الاكاديمية المتداولة.
وتتنوع أعمال بولمينات ويوظف غالباً ذلك اللعب الماهر بالظلال والأضواء، وبصور ظلية (سيلويت) ووجوه من دون ملامح، وأشكال معروفة أحياناً، وأخرى مجهولة، او ملموسة أو متناثرة. إنه سفر وتجوال باطني (صوفي) حيث الحقيقة دائماً مستورة، في عالم بغوص في الدهشة. ومن هنا، من العالم الصوفي، يستلهم هذا الفنان مفرداته وأفكاره ويسقطها على خاماته، التي يبحث على جعلها بقدر المستطاع معبّرة عن هذا العالم الخفي.
عالم صوفي يتحرك عبر رقصات موسيقى صاخبة، في حرارة يمكن أن نلمسها من خلال تلك اللطخات والنقاط والخطوط التي يكوّن بها الفنان خلفياته والألوان الساخنة المستعملة في رسم وجوهه التي يستحيل علينا إدراكها، فهل هي ناظرة إلينا أم إلى الوراء، مما يسمح بقراءات كثيرة للعمل الواحد.
وجوه إبراهيم بولمينات، ليست أبدا ثابتة أو في اعلان ديمومة، بل هي في حركة مستمرة داخل الإطار. إنها داخل عالم متحرك من الألوان. يتداخل الرسم في خلطة باهرة، تدل على مهارات مكتسبة مع التجربة. ويعتمد هذا اللعب الفني على تقنية السيلويت وتُستعمل فيها آليات الاشتغال على الكولاج عبر قطع قصاصات الورق والصحف والمجلات، ولصقها فوق خلفية من الألوان الباردة، او الاعتماد على الصور الظليّة المجوّفة، إذ في هذه العملية يُقتطَع الشكل المطلوب من الورقـة الفاتحة اللون، لتصبح مجوّفة ويغطّى التجويف من الخلف بقماش أو ورق حادّ بالألوان الغامقة.
من الرسم إلى التجريدية، والمادية، يأتي الكولاج كسِمة بارزة داخل اعمال الفنان المغربي، فهو يحضر داخل المنجز كنوع من التكامل. هذا التوظيف، المُحدث من قبل الفنانين التشكيليْين العالميين (بابلو بيكاسو وجورج براك)، يسمح للفنان بإعادة تنظيم الحيز داخل اللوحة، عبر إضافة مساحات مركبة.
ولا تستند أعمال بولمينات على سند واحد، بل يتعدد السند لديه من الورق والورق المقوى والكارتون، والخشب والقماش. مما يعطي للفنان حرية أوسع للتجريب. كما تتعدد آليات الاشتغال لديه من «روسيكلاج» والمزج بين تقنيات مختلفة وتنوع في الصباغ المستخدم.
وتحاول أعمال بولمينات السفر في الذات الإنسانية واستكشاف عوالمها. فما يهم هو أن اللوحة تمثيل لكل أصناف البشر، إذ هي تحضر عبر تلك الرسومات الظلية (الصباغية) التي تهتم بالفرد لا التفاصيل. وقد تأثر بولمينات بمجموعة من الفنانين العالميين أمثال أونطوني تابيس (1923-2012)، وهو تشكيلي اسباني، و بالنحات الروماني كونستانتان برونكوزي (1876-1957) الذي يعتبر أنه دفع بالنحت التجريدي (التجريدية النحتية) إلى مرحلة غير مسبوقة في التقليد الحداثي، وبالفنان أنسليم كيفير (1945) الذي يعدّ من أهم الفنانين الألمان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ناقد مغربي
عزالدين بوركة