أحيانا تكون هناك حاجة لتأكيد الأمر المُسَلّم به، الواضح كالشمس، الحقيقي والصحيح. فنحن نعيش في واقع تتعرض فيه هذه الحقائق للهجوم بلا رحمة من قبل قوى تنبع من أعماق الكذب والغرور.
في السنوات الأخيرة هناك من يشكك بمفعول هاتين الكلمتين «يهودية وديمقراطية»، عند وصف دولة إسرائيل. من جهة اليسار، تتعرض الصفتان للهجوم من مؤيدي دولة كل مواطنيها بدعوى أنه يوجد تناقض بين المفهومين. من جهة اليمين، وبتعليل مشابه، يهاجمهما مؤيدو مسيرة تدين إسرائيل، ممن يعملون على شطب «الديمقراطية» وفرض «اليهودية».
إن مفهوم «دولة يهودية» يعتبره الأوائل كمفهوم يتناقض مع مفهوم «الديمقراطية». وقد نسي هؤلاء الأمر المسلّم به: «اليهودية» كما صيغت في قرار الأمم المتحدة 181، ليست دولة يهودية بالمعنى الديني أو حسب القانون المتبع فيها، بل هي دولة اُقيمت لتجسد الحق الطبيعي للشعب اليهودي في تقرير المصير في وطنه، مثل حق الشعوب الأخرى.
لقد اشترط التزام الأسرة الدولية بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في بلاد إسرائيل، «بشرط واضح ألا يحدث أي شيء من شأنه أن يمس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية»، على حد نص القرار. بمعنى، تقوم دولة للشعب اليهودي، ولكن تعيش فيها أيضا أقليات غير يهودية، تتمتع بمساواة حقوق مدنية ودينية، أو كما أعلن دافيد بن غوريون بعد أربعة أيام من قرار التقسيم: «الآن، ونحن نسير نحو إقامة دولة ينبغي أن نتذكر بأن هذه لن تكون دولة يهودية، هذه ستكون دولة مواطنيها… في داخلها يكون كل المواطنين متساوين».
ومع ذلك شدّد بن غوريون على أن هذه «ستكون دولة يهودية فقط للهجرة والاستيطان»، بمعنى، ستمنح أولوية للمهاجرين اليهود. والأمر لا يتناقض مع المساواة في الديمقراطية، بسبب الظروف التاريخية الخاصة للشعب اليهودي، الذي كان موزعاً على وجه البسيطة وبسبب الحاجة لتوحيده في وطنه من أجل خلق أغلبية يهودية فيه.
في تقرير لجنة التقسيم في 1947 ورد أنه أُعطي «تعهد دولي للشعب اليهودي بعمومه، كان واضحاً، بأن هذه التعهدات لن تكون محدودة فقط للسكان اليهود في فلسطين، إذ في ذلك الوقت كان هناك نحو 80 ألف يهودي فقط. وعليه فقد أدرجت عصبة الأمم في كتاب الانتداب فقرة بموجبها على البريطانيين «تشجيع هجرة الشعوب اليهودية إلى هذه البلاد، كي يتمكنوا من أن يقرروا هناك مصيرهم وأن يبنوا هناك وطنهم». بعد قيام الدولة واصلت هذه الفكرة الوجود من خلال قانون العودة في 1950.
من هنا يبدو واضحاً أنه في نظر الأسرة الدولية والقيادة الصهيونية لم يكن هناك تناقض بين مفهوم الدولة اليهودية والدولة الديمقراطية، كما تعهدنا في وثيقة الإستقلال. وبشكل مشابه يصف قرار التقسيم إقامة الدولة العربية، كتجسيد للحق الطبيعي للشعب العربي في فلسطين. فلم تر فيها دولة يطبق فيها قانون إسلامي، كما كتب في القرار عن الدولتين، بل «الجمعية التأسيسية لكل دولة تضع دستورا ديمقراطياً لدولتها».
من يحاول الاحتجاج على مثل هذا النهج، مضمون له أن يصطدم بحائط مسدود. إذ أنه حسب نهج رجال اليهودية القومية، فإنهم هم وحدهم يفهمون خطى الرب في السياسة مثلما أضاف الحاخام كوك في أقواله عن تصريح بلفور في 1917: «كل ذي روح، فيه قدرة على التوغل والنظر إلى ما يوجد خلف الظاهرة الخارجية الظاهرة للعيان، يعرف أن يد الرب تقود التاريخ».
القيادة الصهيونية على تياراتها المختلفة اعترفت بالتهديد الديني على الخليط اللازم بين «يهودية» و «ديمقراطية». فقد سبق لهرتسل أن كتب: «هل سنسمح للقيادة الدينية أن تحكمنا؟ لا! فالإيمان يرصُ صفوفنا، ولكن العلم يجعلنا أحراراً. وعليه فلن نسمح لرجال الدين أن يحكمونا… مع كل الاحترام الذي يستحقونه، لن نسمح له بالتدخل في قيادة الدولة، خشية أن يتسببوا بالمصاعب من الداخل ومن الخارج».
بعد قيام دولة إسرائيل تطرف الحاخام تسفي يهودا كوك في تفسيره لمذهب أبيه، وادعى بأن الانتصار في حرب الأيام الستة ينبئ بقرب الخلاص وينبغي تعزيزه من خلال بناء المستوطنات. وعن هذا كتب البروفيسور يشعياهو ليفوفيتش أن مذهبه هذا «سيؤدي إلى الانتقال من الإنسانية عبر القومية إلى الحيوانية». إن تعاظم هذه الميول في المجال الرسمي والعام يمنع إمكانية الاعتراف بهويتيّ إسرائيل كهويتين تكملان بعضهما البعض ولا تتناقضان. وهي تجعل بالضرورة الصهيونية عنصرية وتسحب الشرعية الدولية التي اْعطيت لها عند إقامة الدولة.
هآرتس 10/2/2017
شاؤول أريئيلي