القصة معروفة وتتكرر منتصف مايو من كل عام مع اقتراب موعد الزيارة السنوية لليهود إلى كنيس «الغريبة» في جزيرة جربة بالجنوب الشرقي لتونس. بدايتها بيان يصدر عادة عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي للتحذير من وجود «تهديدات جدية» بوقوع هجمات تستهدف اسرائيليين أو يهودا خلال الزيارة، وينصح فيه تبعا لذلك بتجنب السفر إلى تونس.
أما ما يسبق مشهدها الختامي فهو النفي المستمر من جانب المسؤولين المحليين للتحذيرات الاسرائيلية واعتبارها واهية لا أساس لها من الصحة، والتأكيد على أن البلد آمن، وعلى أعلى مستوى من الجهوزية لاستقبال الزوار. وبين التحذير والنفي والاشادة في آخر القصة بمرور الحدث بسلام تطفو مسألة التطبيع على السطح، ويطرح السؤال حول ما إذا كان وصول سياح اسرائيليين إلى الكنيس هو الطريق الالتفافي المختصر لتحقيق تلك الغاية.
النقاش هنا يشبه صراع ديكة لا يخرج منه التونسيون بأي موقف أو نتيجة واضحة وقطعية، سوى أنهم يوضعون مجددا أمام خيار مصيري صعب بين غض الطرف عن دخول الإسرائيليين واعتبار الموضوع عاديا ولا يتطلب كل تلك الضجة، أو رفض العملية والضغط على السلطات لمنع دخولهم، مع ما قد يسببه ذلك من انعكاسات مباشرة على دخل الاف العائلات بفعل الصورة السلبية التي قد تروج في الخارج، وتزيد من حالة النفور والهروب السياحي، الذي يقود في الاخير لنقص وهبوط في عوائد العملة الصعبة. وككل مرة يظل الحسم في الملف مؤجلا ومفتوحا على جميع التوقعات والاحتمالات، ويبقى الكنيس الصغير الذي سمع به العالم قبل أربعة عشر عاما من الآن، حين أقدم شاب تونسي على محاولة اقتحامه بشاحنة تنقل مواد سريعة الانفجار، ما أدى إلى مقتل واصابة عدد من السياح معظمهم من الألمان بمثابة اختبار سنوي دقيق تجتازه التجربة التونسية بكثير من الحذر والتوجس، لما له من تأثير واهمية على الحاضر والمستقبل. ولأجل ذلك لا يفوت المسؤولون الفرصة بعد مرور موسم الزيارة اليهودية بسلام، وبلا حوادث أو مشاكل امنية، بدون الثناء والإشادة بما يعدونه إنجازا باهرا ومؤشرا يقيسون به فشل أو نجاح الموسم السياحي الصيفي، وقبل ذلك يتسابقون إلى الكنيس للتعبير عن أن «تونس كانت وستبقى بلد المحبة والتعايش بين الأديان والتسامح بين الحضارات»، مثلما قالت وزيرة السياحة في حفل الافتتاح أو»أن هذا البلد ليس فيه مشكل دين وليس فيه خلاف بين ابناء الوطن الواحد»، كما جاء في كلمة الشيخ عبد الفتاح مورو نائب رئيس مجلس نواب الشعب في المناسبة ذاتها. إنها فرصة للتسويق لديمقراطية مفتوحة تقبل الاختلاف والتعدد الديني والثقافي، وتضم الجميع بغض النظر عن الانتماءات. ولكن تلك الصورة الحالمة والوردية تخفي وراءها حالة من التشتت والبحث المحموم بأي ثمن ووسيلة عن التشبث بكونية قد يكون مآلها النهائي هو التحلل الكامل من كل القيود والروابط الدينية والقومية، التي جمعت تونس بمحيطها الاصلي والطبيعي.
ما يعمق ذلك هو التركيز المفرط من جانب معظم القوى والحساسيات السياسية والثقافية في تونس على الحضور إلى الكنيس ايام الموسم اليهودي، وكأن زيارته في ذلك التوقيت بالذات صارت مفتاحا ضروريا للعبور نحو منطقة التسامح والمدنية، واكتساب العضوية فيها، أما عدم الحضور فهو الدليل القطعي الذي لا لبس فيه على التحجر والتعصب ورفض الآخر. المفارقة أن ذلك الحرص المبالغ لا يفهمه المتابعون الأجانب كدليل عملي على سماحة التونسيين وقدرة دينهم على الانفتاح والتعايش، بقدر ما يفسرونه على أنه انتصار حضاري لجالية يهودية لا يتعدى عدد افرادها الفا وخمسمئة شخص، امكنها رغم صغر حجمها أن تبقى وتستمر بالعيش وسط أغلبية ساحقة من المسلمين. ولعل ذلك هو أهم استنتاج خرج به ضيفان أجنبيان بارزان حرصا على الوجود في الكنيس، وحضور المراسم الدينية. فقد رأى ايرا فورمان، وهو المبعوث الامريكي الخاص المكلف بمراقبة ومكافحة معاداة السامية ان، «المجتمع اليهودي في جزيرة جربة فريد من نوعه مقارنة بمجتمعات اخرى ليس فقط بسبب الطبيعة الخاصة لحج «الغريبة»، ولكن بسبب التاريخ الطويل لذلك المجتمع والتزامه بالمحافظة على تقاليده».
واعتبر نوكس تامز المستشار الخاص لوزارة الخارجية الامريكية المكلف بالاقليات الدينية في شمال أفريقيا والشرق الاوسط وجنوب ووسط آسيا ان، «الطائفة اليهودية في جربة مثال مهم لأقلية دينية حافظت بنجاح على ثقافتها وممارستها الدينية، رغم التحديات، وهي نماذج إيجابية تعد على الاصابع في عالمنا اليوم». فيما حمل تصريحه تقديرا خاصا وحصريا لما وصفه «التزام الحكومة التونسية حماية المجتمع المحلي»، لأنها غير متوانية عن السماح لليهود بممارسة حرية العبادة، رغم التحديات التي تواجه البلد على حد وصفه. أما بعيدا عن ذلك الالتزام الرسمي، فلم يذكر أي واحد من المسؤولين الامريكيين شيئا عن تجذر ثقافة الانفتاح والتسامح لدى التونسيين، وكيف انها جعلتهم يبنون علاقة ثقة وحسن جوار مع اليهود، بدون الحاجة لأن يفرض عليهم حكامهم بالاكراه والقوة طريقة التعامل معهم. ويبدو انه من الصعب إن لم يكن من المستحيل فصل التصور الغربي لتلك العلاقة عن الصورة النمطية المهزوزة للعربي بشكل عام، أما الاكثر صعوبة من ذلك فهو أن تستوعب الاغلبية داخل تونس طبيعة ودور الطائفة اليهودية التي تقدم رسميا «كأقلية دينية».
الملاحظة الجديرة بالتأمل هنا هي أنه لا وجود داخل تلك الطائفة الصغيرة لإشكال يسمى الهوية أو علاقة الدين بالدولة ولا أثر داخلها لحالة الانفصام والتشتت التي تظهر على معظم التونسيين في نظرتهم لذواتهم أو فهمهم للروابط التي تجمعهم بمحيطهم العربي والإسلامي. إنهم لا يختلفون في إعلان انتمائهم الجغرافي لتونس والديني لليهودية، ولا وجود عندهم لحداثيين يحاولون ضرب المعتقد باسم الحرية والاختلاف ورجعيين وظلاميين يرفضون التطور والتجدد باسم الدين. ولا يبدو انهم يضعون حواجز أو خطوط تماس للفصل بين شخصية ليبرالية مثل رجل الاعمال روني الطرابلسي، منظم الزيارة السنوية إلى المعبد وشخصية دينية مثل حاييم بيتان كبير حاخامات تونس. المال والدين والسياسة عندهم أدوات تصب كلها في خدمة هدف واحد. هم يدركون أن حجمهم الديمغرافي الضئيل ليس مشكلا كما يظن البعض بقدر ما هو امتياز يسمح لهم بهامش أكبر للتحرك والمناورة. ولا يمنعهم ولاؤهم المعلن لتونس من نسج ارتباط غامض بالكيان الاسرائيلي، وحين يواجهون بسؤال واضح وصريح حول موقفهم من الكيان يجيبون بدهاء انهم يرفضون الخوض في السياسة. لكنهم يفسرون تلك الروابط متى صارت مكشوفة وعلنية بضرورات التدين، مثلما حصل في حالة الشاب يواف حطاب، وهو يهودي تونسي لقي حتفه في تفجيرات يناير العام الماضي في باريس، وقررت عائلته دفنه في مقبرة بالقدس المحتلة، لتقول رئيسة الجمعية التونسية للدفاع عن الاقليات حينها في تصريحات للاعلام بان «عائلة الحطاب مثل اغلب اليهود تفضل الدفن في جبل الزيتون لأنها ارض مقدسة في التوراة». لا معنى للجنسية وللحدود ولا قيمة للجغرافيا أمام سطوة المعتقد، والاهم بالنسبة لمن يوصفون بالاقلية ليس في أن يكون اليهودي تونسيا أم لا، بل أن يكون يهوديا وحسب. وحتى التقسيمات بين المتشدد والمعتدل لا تبدو واضحة أو قاطعة بالشكل الذي يحصل داخل الاغلبية. ولاجل ذلك لم يكن غريبا أن يقول روني الطرابلسي لإحدى الاذاعات المحلية حين سألته عن وجود حاخام اسرائيلي متطرف في الزيارة الاخيرة للكنيس إن «السيد الحاخام العظيم رافائيل كوهين هو من أصول تونسية وليس متشددا دينيا»، وأن إطلاق ذلك الوصف عليه «خرافة» ومن شأنه أن يعرض حياته للخطر. ولم يكن ممكنا أو متاحا لأحد أن يسأل عن الحاجة لوجود حاخامات أجانب في تونس مثلما حصل قبل سنوات مع بعض الدعاة الوافدين من الشرق، فضلا عن مطالبة مزدوجي الجنسية مثل الحاخام كوهين بقطع علاقتهم نهائيا بالكيان الاسرائيلي إن كانوا يرغبون بالبقاء تونسيين.
إن خوف الأغلبية من النفوذ القوي للاقلية يدفعها لان تفعل كل شيء حتى لا تزعجها أو تقلقها بقصص جديدة لا تعرف بداياتها او خواتيمها، ولاجل ذلك يفضل الطرفان دوما حلا وسطا، وهو الاستمرار في سرد القصة القديمة المعروفة كلما اقترب موعد الزيارة اليهودية للكنيس، ثم الحديث بعد ذلك باسهاب وحماس عن أن اليهود داخل تونس»اقلية دينية» تعيش بأمن وأمان واحترام في كنف الديمقراطية الواعدة.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية