هل كانت هجرة يهود من فرنسا، تسجل أرقاما لافتة قبل جريمة الاعتداء الأخيرة في باريس، وهل كان لها أثرها في تسريع وتيرة الهجرة من فرنسا؟ خصوصا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استغل وقوع الجريمة، ودعا قبل وصوله باريس إلى هجرة يهود فرنسا، ويهود العالم الآخرين والقدوم إلى إسرائيل؛ لأنها «وطنهم» وأكثر أمنا وأمانا ورفاهية من أي بلد آخر، بحسب مزاعمه. وهذا ما اعتبره العديد من الأوساط تدخلا في الشؤون الداخلية الفرنسية، وفي شؤون بلدان أخرى في العالم. كما اعتبرت تصريحاته طعنا في كفاءة أجهزة الأمن الفرنسية، وعدم قدرتها على حماية مواطنيها من اليهود؛ علما بأن القتلى كانوا من اليهود والمسيحيين ومن المسلمين أيضا.
كما أن الدعوة الفجة للهجرة، هي نوع من الطعن بوطنية اليهود، وأنهم يمكن أن يتخلوا عن أوطانهم الأصلية، لأي عارض طارئ أو مشكلة أو عقبة، أو نتيجة أي أزمة، وهذا ما عبرت عنه احتجاجات من أفراد وجماعات يهودية فرنسية مختلفة، إذ طالب حاييم كروسييه الحاخام الأكبر ليهود فرنسا «بتوفير الحماية والأمن ليهود فرنسا، باعتبارهم مواطنيها، مؤكدا إننا لا نسارع إلى مغادرة فرنسا، وعلى الحكومة أن تضمن أمن وسلامة اليهود». وذكر بوعاز هندل الذي كان مستشارا لنتنياهو لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، «أن فرص يهود فرنسا بتجنب الاعتداءات عليهم، أكبر عند وجودهم في فرنسا، مما هي في إسرائيل، بفعل الأوضاع الأمنية، واحتمالات وقوع عمليات للمقاومة الفلسطينية في مدن وبلدات إسرائيل المختلفة»، تماما كما حصل ويحصل بين فترة وأخرى.
وذكر يهود يساريون فرنسيون للصحيفة السابقة نفسها «نحن فرنسيون ولا شأن لإسرائيل بنا»، في حين لم تتورع كارين، المهاجرة السابقة إلى إسرائيل، عن القول «إن المجتمع الإسرائيلي ينبذ الأفارقة بشكل مريع، وهذا أكبر دليل على عنصرية الدولة الصهيونية التي تدعي أنها أقامت دولة من أجل كل اليهود، لقد اكتشفتُ أن هذا القول هو ادعاء كاذب، ما دفعني للعودة إلى بلدي فرنسا، ولن أعود إلى هناك أبدا، حتى للزيارة».
مع ذلك فإن علينا التدقيق في الأرقام التي سجلتها بعض المصادر عن أعداد يهود فرنسا في مراحل مختلفة؛ فقد ذكر وليم فهمي في كتابه «الهجرة اليهودية إلى فلسطين»، وكذلك الياس سعد في كتابه «الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة»، أن أعداد اليهود في فرنسا في ستينيات القرن الماضي، كانت تقدر بنحو نصف مليون نسمة، في حين أن التقديرات الحالية تسجل رقما لا يتجاوز 600 ألف، وبعضها ذكر 560 ألفا. وهذا يدلل بوضوح أنه لم تكن هناك هجرة كثيفة من فرنسا إلى أي جهة أخرى، وبالذات إلى إسرائيل، علما بأن الكتاب الأول صدر عام 1974، أما الكتاب الثاني فقد صدر عام 1969، على الرغم من الضخ الإعلامي، والدعاية الكثيفة لدفع يهود فرنسا نحو الهجرة، وتضخيم المشاكل والنفخ فيها، أو حتى افتعال بعضها، كالشحن الحاصل والتخويف من بعبع «اللاسامية» وكراهية اليهود، أو تضخيم مشكلة البطالة وارتفاع الضرائب، وغيرها من مشاكل تحدث في المجتمعات كلها بين فترة وأخرى، نتيجة لتكثيف الدعاية والشحن الإعلامي، وبروز ظواهر ثقافية واجتماعية وأمنية، كظاهرة الممثل الساخر ديودونيه المعادي للصهيونية، والتظاهرات والاشتباكات التي حدثت أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.
ويمكن إيجاز عوامل الهجرة الطاردة من فرنسا، بمشاكل أهمها أمنية واقتصادية وعقائدية، وكثافة الشحن الإعلامي، وحتى الديني منه، ما أدى إلى هجرة لافتة في الأعوام الأخيرة، رغم الأخطار الأمنية في إسرائيل، وحروبها المتكررة ضد الفلسطينيين، وغيرهم من العرب الآخرين. وإذا ما كان يهود فرنسا قد تزايدت أعدادهم المهاجرة إلى إسرائيل، فإن نسبة 3 في المئة من بين الإسرائيليين أعربت عن نيتها الهجرة من فلسطين المحتلة، بعد العدوان الأخير على غزة. وفي استطلاع آخر ارتفعت النسبة إلى 37 في المئة من الراغبين في الهجرة، نتيجة مشاكل اجتماعية واقتصادية، إضافة إلى المشاكل الأمنية والحروب التي تشنها إسرائيل على محيطها. من بين ما ذكرته فتاة يهودية في باريس، أن والدها عندما يخرج من صلاته في الكنيس، وهو يرتدي غطاء الرأس اليهودي، يتعرض للاستهزاء والمضايقات، كي تدلل على أن الحرية الدينية تواجه مصاعب في فرنسا، فهل هذا السبب العارض والاستثنائي يمكن أن يدفع عائلة إلى هجرة وطنها؟
كما جاء في الإعلام أن واقعة أخرى مشابهة وقعت لامرأة مسلمة، كانت تهم بالنزول من أحد القطارات، وأخذت تنزع حجابها خوفا أو تحسبا من أي اعتداء يمكن أن تتعرض له، إلا أن امرأة فرنسية مسيحية توجهت إليها، وطلبت منها عدم نزع الحجاب، عارضة عليها مرافقتها إلى حيث تقصد، فهل على هذه المرأة المسلمة وعائلتها مغادرة فرنسا والهجرة منها، بسبب مضايقات من هذا النوع أو مضايقات أخرى؟
إن النفخ بالأخطار الناتجة عن حوادث استثنائية عابرة، كنوع من الفوبيا التي يتم شحنها والمبالغة فيها إعلاميا، ما هذا إلا من نوع الاستنكار والاحتجاج على الممارسات الصهيونية الظالمة والباطشة، والحروب والدمار الذي تلحقه آلة إسرائيل العدوانية بالفلسطينيين وغيرهم من العرب الآخرين. إن احتجاج المواطن الفرنسي وغيره من البشر الأسوياء في العالم على الممارسات الظالمة الصهيونية، إنما هو تجسيد لرفض هذا الظلم وتلك الممارسات، وهو بطبيعة الحال ليس ضد اليهود أو اليهودية، على الرغم من إصرار الأجهزة الإعلامية الصهيونية على عدم التفريق بين ما هو صهيوني ويهودي، وعلى دمغ كل احتجاج ضد الممارسات الصهيونية الظالمة بكونه «لا سامية» ومعاداة وكراهية لليهود واليهودية. وقد تم تسجيل هجرة 800 الف يهودي من إسرائيل، من بين أربعة ملايين يهودي وصلوا إليها ضمن الهجرة الكثيفة في السنوات الأولى لإعلان الكيان عام 1948 وما تلاه، وفي الهجرة الكثيفة التي حدثت بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق، في حين يذكر أن وزارة الاستيعاب تسعى إلى استقطاب عدد من مهاجرين يهود من فرنسا إلى إسرائيل، يصل إلى أربعة آلاف مهاجر عام 2014، وخمسة آلاف عام 2015، وستة آلاف مهاجر عام 2016.. إلا أن الأرقام التي تم نشرها فاقت توقعات مدير عام وزارة الاندماج، إذ وصلت إلى 6960 مهاجرا فرنسيا عام 2014، وحسبما هو متداول في أجهزة الإعلام، فإن الرقم قد يرتفع إلى عشرة آلاف مهاجر من فرنسا عام (2015). وهذا يدلل بأن تناميا في الجهد والدعاية والإعلان، واستغلال أي حادث مع اليهود أو ضدهم والنفخ فيه، وجعله من الأخطار التي تستدعي الهجرة.
ومؤخرا قالت صحيفة «هآرتس» (11/1/2015) أن هناك تزايدا في أعداد اليهود المهاجرين من أصول فرنسية في السنوات الأخيرة إلى إسرائيل، بفعل القلق من تنامي قوة الحركات الفاشية والعنصرية، والشعور بعدم الأمان، والتخوف من العداء للسامية. وهذه كلها من ضمن «الفوبيا» التي تم حقنها والنفخ فيها كما ذكرنا، إلا أن هناك ما يشير إلى هجرة معاكسة وتنام فيها بين سنة وأخرى؛ حيث ذكر أن إسرائيل تشهد هجرة معاكسة بزيادة نسبتها 10 في المئة عام 2014 عن العامين السابقين، وأن 765 إسرائيليا تخلوا عن جنسيتهم الإسرائيلية عام 2014، بعد أن كان العدد 645 عام 2013.
هكذا استغل نتنياهو والإعلام الصهيوني الجريمة الأخيرة التي وقعت في باريس، وضربا على «الحديد وهو حام»، كي يساهما ليس في التقليل من الحوادث الإرهابية، بل كي يساهما في زيادة أعداد المهاجرين الفرنسيين من وطنهم فرنسا، حيث سيكتشف المهاجرون إلى فلسطين المحتلة أن مسلمين ومسيحيين، إضافة إلى اليهود يسكنون بالقرب منهم، في أي مكان يمكن أن يصادر من الفلسطينيين كي يمنح لهم. وأنه توجد مشاكل اجتماعية واقتصادية أيضا، كما توجد ضرائب ومشاكل في السكن والحياة والعمل وغير ذلك. كما يوجد مشاكل أمنية وظلم فاحش من قبل الدولة التي هاجروا إليها للفلسطينيين، أصحاب الأرض الأصليين، وأن جيشهم وشرطتهم المفترضين، حيث يمكن أن يصبحوا في عدادهما، يعتدون ويقمعون ويقتلون ويهجّرون مئات من الفلسطينيين من بيوتهم ويدمرونها بشكل يومي تقريبا، فهل هذا هو ما سعوا للمشاركة فيه بهجرتهم هذه؟
٭ كاتب فلسطيني
سليمان الشّيخ