يهود وعرب ثاكلون يحيون ذكرى أبنائهم ونتنياهو خطير على أمن إسرائيل

حجم الخط
13

أقيم مساء يوم الثلاثاء الأخير في تل أبيب، تجَمُّعٌ تذكاري، شاركت فيه عائلات ثكلى من اليهود والعرب، سقط أبناؤها أو استشهدوا خلال سني الصراع بين الشعبين.
لقاء ذوي الضحايا هو حدث إنساني كبير، وهو ليس جديداً، فقد بدأ مثل هذا النشاط منذ أحد عشر عاماً، وهناك من ما زال متمسكاً به من الطرفين، رغم كل الإحباطات المتراكمة، ويرى بأنه طريق لفهم الآخر والإحساس بمشاعره وآلامه، ومنحه أيضاً فرصة للتعبير عن مشاعره وإنسانيته تجاه الآخر، رغم فقده لأغلى ما يملك، ومن ثمّ يُسهم في التخفيف من التحريض والكراهية، والرغبة بالانتقام، وربما يسهم ولو بقليل لفتح الطريق الذي قد يوصل إلى حل للصراع يرضي الطرفين، ويدفعهما للتعايش السلمي، ووقف نزيف الدماء للشعبين ولشعوب المنطقة.
لا شك في أن أكثرية من شاركوا من اليهود ليسوا من ذوي الضحايا، ولكنهم جاؤوا للشّد من عَضُد ذوي الضحايا، والقول لهم، نحن موافقون على طريقكم.
هذه اللقاءات الإنسانية يعارضها غالبية الإسرائيليين، ويرون فيها تنازلا من قِبل اليهود، لأنها تساوي بين أبنائهم «الضحايا» و»المخربين» القتلة كما يسمونهم.
في الوقت ذاته، لا شك في أن معظم الفلسطينيين يرون في هذا ظلماً لهم ولشهدائهم، فشهداء فلسطين، سقطوا وهم يدافعون عن بلادهم وأهلهم، في مواجهة احتلال غاشم، وبعضهم استشهد حتى وهو في بيته، فكيف يمكن أن يحتفلوا بذكراهم مع ذوي من قُتلوا أثناء قيامهم في مهمة قمع الفلسطينيين في أرضهم المحتلة، أو خلال حروبهم مع العرب؟
في هذا اللقاء اشترك أكثر من ستة آلاف من الإسرائيليين في تل أبيب، أبرزهم الكاتب التقدمي دافيد غروسمان، الذي فقد ابنه الجندي أثناء العدوان على لبنان عام 2006، وبضع مئات في مدن أخرى، واشترك من الفلسطينيين حوالي ستين شخصاً فقط، وذلك أن دخول الفلسطينيين ليس متاحاً، كذلك لصعوبة اتخاذ قرار كهذا، فالضغوط المحيطة بالفلسطيني أكثر صرامة، فقد يُتّهم المشارك فوراً بالخيانة والتواطؤ والتطبيع، وغير هذا من أوصاف، خصوصاً أن الفلسطيني هو الضحية، ولا يختلف بهذا إلا قلة شاذة تُحمّل الضحية مسؤولية ما تتعرض له من عنف وقتل. من ناحيته فإن وزير الدفاع الفاشي ليبرمان، أصدر قراراً بمنع الفلسطينيين من المشاركة، فلجأ المنظّمون إلى قرار من المحكمة الإسرائيلية العليا ضد قرار ليبرمان، ليستطيعوا إدخال الفلسطينيين المعنيين من الضفة الغربية إلى تل أبيب، علماً أنه لا يتاح لأحد من قطاع غزة الدخول، حتى لو أراد ذلك. لا شك في أن هذه اللقاءات تؤنسن الضحايا وذويهم من الجانبين، وتستعيدهم من لوحة الأرقام إلى بشر من لحم ودم ومشاعر، وهو أمر سعت وتسعى المؤسسة الإسرائيلية لمنعه وتلافيه على مدار سبعة عقود، فأكل الحقوق والقمع والاحتلال الوحشي والطرد والقتل يحتاج كثيراً إلى تغييب الضحايا وآلامهم معهم، من خلال إلغاء إنسانيتهم، وشيطنتهم وتحويلهم إلى أرقام، كي يصبح تجاهل حقوقهم وحتى قتلهم أكثر سهولة. الأغلبية في إسرائيل ترفض هذه اللقاءات، لأنهم لا يريدون رؤية الضحية على حقيقتها الإنسانية البسيطة.
هذه اللقاءات هامشية، ولا حاجة لتهميشها أكثر، وكنت سأفرح لو أن بضعة آلاف من الإسرائيليين صاروا ملايين من المتعاطفين مع الفلسطينيين، وأصبحوا أصحاب القرار، ولكن الواقع مختلف للأسف. علينا احترام من يرى بهذه اللقاءات من أبناء عائلات ثكلى خطوة لربما تسهم في التخفيف من العداء، علما أن أرض السياسة تختلف عن الأحلام، وخصوصاً في عصر بيبي، الذي رأى فيه ستة من قادة الموساد السابقين خطراً على أمن إسرائيل، فلماذا رأوا به هذا الخطر؟ سأختصر أهم الأسباب، بنظر هؤلاء السّتة، كما جاء في لقاء مطوّل معهم أجرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» قبل ثلاثة أسابيع.
– أولا لأنه أغلق كل فسحة أمل، فأدخل الفلسطينيين وكثيراً من الإسرائيليين، إلى حالة اليأس من إيجاد حلّ.
– بعكس ادعاء بيبي، يوجد شريك للمفاوضات، وهو السلطة الفلسطينية، بل حتى مع حماس ممكن الحديث، فقد أعلنت أنها تقبل بحدود مؤقتة لدولة إسرائيل، هي حدود الرابع من حزيران عام 1967، وهذا جديد وممكن البناء عليه.
– نتنياهو يستفز الدول التي دعمت إسرائيل، وبسياسته الاستيطانية الرافضة يجعلها تميل لصالح الفلسطينيين، بعدما كانت سياسات السابقين قد أقنعت الأوروبيين بأن إسرائيل داعية سلام، بينما العرب والفلسطينيون هم الرافضون.
– بقتله لحل الدولتين، وبسط سيطرة إسرائيل من النهر إلى البحر، يتساوى العرب واليهود عددياً، وهذا يفقد إسرائيل طابعها اليهودي، وحتماً ستكون دولة أبرتهايد على نمط نظام جنوب إفريقيا السابق، وهذا سيعزلها دولياً.
– في الوقت الذي تتفق أمريكا وأوروبا مع إيران على الملف الذي يحد من قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي، ويبقيها تحت المراقبة، يصرّ بيبي على إعادة صياغة الملف ويدفع ترامب إلى هذا، وهذا قد يلغي الرقابة الحالية على إيران، ولا أحد يعلم نتائج نقض اتفاق كهذا.
– وسّع بيبي شقة التقاطب بين الشرقيين والغربيين، وبين العرب واليهود، وبين العلمانيين والمتدينين اليهود، فمنح المتدينين قوة أكثر في القرار بشأن إدارة الدولة ورضخ لهم، في قضية إغلاق المحلات التجارية والمواصلات العامة في السّبوت، كذلك إعاقتهم لتهويد مئات آلاف الروس رغم خدمتهم في الجيش.
بيبي اصطف إلى جانب ترامب بشكل كامل قبل وبعد الانتخابات الأمريكية، وهذا يسيء لعلاقة اليهود مع المحيط الرافض لسياسة ترامب في أمريكا.
– تأسيسه حلقة من المنتفعين والانتهازيين من حوله، الذين يضعون مصالحهم المالية الخاصة فوق مصلحة إسرائيل.
– محاولته السيطرة على وسائل الإعلام، ومسخ دور القضاء.
– بيبي لا يتحلى بأخلاق رئيس حكومة يفترض أن يكون نموذجاً في القيم، فهو يبحث عن ثغرات قانونية ليبرر فيها فساده على حساب مصلحة الدولة.
وبرأيي المتواضع هناك ما لم يذكره رجال الموساد الستة، هو أن بديل الأبرتهايد سيكون ارتكاب جرائم طرد جماعية لمئات الآلاف أو حتى للملايين من الفلسطينيين، كي تحافظ إسرائيل على طابعها اليهودي، وهذا ستكون نتائجه كارثية على الجميع. استعداء العالم الإسلامي، من خلال السماح للقوى المتطرفة من اليهود بالاقتحام المستمر للمسجد الأقصى. التحريض في كل فرصة على العرب الفلسطينيين في إسرائيل ودفعهم إلى خانة اليأس والعداء. وأخيراً الغرور والتنفّج المبالغ فيه والذي حتماً يطيح بصاحبه.
كاتب فلسطيني

يهود وعرب ثاكلون يحيون ذكرى أبنائهم ونتنياهو خطير على أمن إسرائيل

سهيل كيوان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية