للأسف لا يذكر اسم يواكيم يوتفيل، هذا الفنان المهم حينما يكون الكلام عن العصر الذهبي الذي ينتمي إليه مشاهير الفن في القرن السابع عشر في هولندا، أمثال فيرمير أو رامبرانت، وربما السبب يرجع إلى الجرأة التي يتسم بها يوتفيل عند رسم الأجساد العارية، والتي امتاز بها في ما انشغل نظراؤه من تلك الحقبة ذاتها برسم الطبيعة والبورتريهات. أما يوتفيل، فقد ركّز على التفاصيل في أجساد الشخصيات الأسطورية وأغلبها في حالة من العري، بل برع في رسم الأجساد العارية التي تحتشد في أغلب الأحيان في عمل واحد وكأنها مجون جماعي، إذ يصور أحيانا أكثر من خمسين شخصية في مساحة لا تزيد على الأربعين سنتمترا، وكأن الفنان قاص محترف وليس فقط رساما بارعا كما في «زواج تيطس وبيليس» المرسومة على النحاس.
يجري حاليا عرض أعمال يوتفيل في إحدى قاعات متحف الناشينونال غاليري للفن في العاصمة الأمريكية، إذ خصصت إحدى صالاته لعرض أكثر من سبعة وثلاثين لوحة وأعمال كثيرة له من مخطوطات ورسم على قطع نحاسية كلها تكشف عن براعة الفنان في تصوير الجسد البشري، لكنه يوازن بين حسية الجسد في الأساطير القديمة والشخصيات الدينية الورعة كما وردت في الكتاب المقدس بعهديه.
ورغم أهمية الإرث الفني الذي تركه يوتفيل إلا أنه بقي لقرون عديدة مغمورا وغير معروف سوى في مدينته أوتريخت العريقة، حيث ولد ومات فيها «1566ـ 1638 ويصح لفظ لقبه «أوتفيل» أيضا ويكتب بالهولندية Wtewael، اسم غريب بلا شك! ربما لغرابة اسمه بقي الفنان هذا غير معروف للعالم الغربي والشرقي على حد سواء، فمنذ صغره اتجه يوتفيل نحو الفن سالكا درب والده في النقش على الزجاج، ثم في شبابه سافر إلى فرنسا لغرض الدراسة ثم رجع إلى بلدته أوتريخت وبدأ في رسم اللوحات، العديد من أعماله معروضة بشكل دائم في متحف اللوفر في باريس، وأشهرها استشهاد القديس سباستيان.
شخصيات الكتاب المقدس التي رسمها يوتفيل لم تشفع له، إذ تعرضت الكثير من لوحاته إلى التخريب عبر القرون، وعمد بعض أعداء الجمال من المحافظين إلى تشويه بعض لوحاته لإزالة عورة الشخصيات. بعض من أعماله تُركت في قبو متحف هولندي وتم ترميمها في ثمانينيات القرن المنصرم، حينما قام بعض المهتمين بفن يوتفيل إلى التنبيه عن أهمية لوحاته وتجميعها.
أما من أشهر أعماله المعروضة في العاصمة الأمريكية فهي قطعة صغيرة من النحاس رُسم عليها مشهد خلوة الرّبة فينوس مع حبيبها مارس، إذ يتمتعان بلحظات الحب، كما وردت الحكاية في كتابات الشاعر الروماني أوفيد، وهكذا يحضر في القطعة هذه (رسم على النحاس) كل من إله الحب كيوبيد بسهمه وقوسه مع أبولو، إذ كلاهما يرفرفان فوق سرير الشهوة، الإله جوبيتر ترك علياء سمائه ونزل ليرى مشهد الحب الذي ينتهي بالدراما حيث يحاول زوج فينوس أن يرمي بشباكه ليوقع زوجته حرفيا في فخ الخيانة، فهكذا هي أعمال الفنان الهولندي يوتفيل، إذ يستعرض مشاهد ميلودرامية مستعارة من الميثولوجيا والأساطير الإغريقة ويوظفها بطريقة فنية، كما في رائعته «قضاء باريِس» إذ يحتار الأمير الإله بارِيس لمن يهب التفاحة الذهبية، بينما أقدامه مكبلة بالأغلال ومن حوله ربات الإغريق الثلاث: هيرا، أفروديت وأثينا وهّن يتنازعن في ما بينّهن في أيهّن الأجمل! من ضمن لوحات يوتفيل ذات الطابع الديني المعروضة، لوحة موسى يضرب الصخرة، أيضا لوط مع ابنتيه والأهم هي قيامة لعازر من بين الأموات.
لقد عاش الفنان في إيطاليا في باكورة حياته الفنية لكنه اعتنق المذهب «التأنقي»، حيث تمادى الفنان بشكل ملحوظ في صقل المادة التي يرسمها بعناية والتركيز على الألوان الصارخة باستخدام الباستيل، بلا شك فإن كل من يقف أمام لوحاته ورسوماته، فإنه لابد أن يضع يوتفيل في صفوف نظرائه من البلاد المنخفضة الذين تألقوا في العصر الذهبي.
يستمر عرض أعماله في العاصمة الأمريكية حتى يوم الرابع من تشرين الأول/أكتوبر من هذا العام، بعدها ستحظى مدينة هيوستن في ولاية تكساس بالمعرض نفسه في الأول من شهر تشرين الثاني/نوفمبر من هذه السنة.
روائية وناقدة عراقية ـ واشنطن
ليلى قصراني