من المعارك الحاسمة في الحرب العالمية الأولى كانت معركة غاليبولي أو حملة مضيق الدردنيل. وهي الحملة التي حاول من خلالها الحلفاء تأمين المضيق والدخول إلى شبه الجزيرة والزحف منها إلى الباب العالي/اسطنبول وفتح الطريق أمام روسيا الطامعة باستعادتها وضمها لأرض القيصر.
بدأت الحملة في 25 نيسان/إبريل وانتهت في 9 كانون الثاني/يناير 1916. كانت كما تخيلها وزير الحرب لورد كيتشنر سهلة في ضوء خسائر العثمانيين أو قل نظام حزب الإتحاد والترقي الذي تمثل بالثلاثي أنور باشا وجمال باشا وطلعت باشا ولكنها توسعت لحرب طويلة امتدت على شهور.
أعظم انتصار
كانت غاليبولي من أعظم انتصارات العثمانيين في الحرب العالمية الأولى وجاءت بعد خسائر باهظة مثل الحملة التي قادها أنور باشا في القوقاز ضد الروس وكلفت الدولة كامل الجيش الثالث. وحملة لاحتلال قناة السويس قادها حاكم الولايات العربية جمال باشا واستطاع الإنسحاب مؤمنا الجيش الرابع وحملة في بلاد الرافدين لاستعادة البصرة في العراق التي انتحر فيها القائد سليمان العسكري. وبالنسبة للبريطانيين تركت غاليبولي جراحا عميقة فقد كانت خسارة فادحة ومضيعة للمصادر والطاقات البشرية في وقت كانت فيه بريطانيا تخوض معاركها على الجبهة الرئيسية في فرنسا. ولم تؤد غاليبولي لنهاية الحرب بل أطالت أمدها. وقوت المعركة التحالف التركي- الألماني حيث مدت الخطوط الحديدية المباشرة بين البلدين ووصل السلاح والمال والجنود للدولتين المتحالفتين. واكتشفت بريطانيا أن الدولة العثمانية عدو لا تهزمه إلا الجيوش الكبيرة، ولهذا حشدت لها الحشود في بلاد الرافدين وفلسطين. وكانت هزائم الدولة العثمانية في الولايات العربية والثورة العربية التي أعلنها شريف مكة الحسين بن علي على الخليفة العثماني هي التي وضعت النهاية لدولة تسيدت التاريخ العالمي لقرون.
رؤية غربية للحرب
وجاءت هزيمة الدولة بعد ثلاثة أعوام مضطربة في التاريخ العثماني ما بين 1908 – 1913 شهدت فيها ثورة الإتحاد والترقي وتنحية السلطان عبد الحميد الثاني وثلاث حروب خسرت فيها الدولة كل مناطقها في البلقان وشرق أوروبا وليبيا التي كانت آخر بلد تحت السيادة العثمانية المباشرة في شمال أفريقيا. ورغم مرور مئة عام على غاليبولي التي تحتفل بذكراها بريطانيا كل عام، وذكرى الحرب العظمى ورغم المعلومات التاريخية الهائلة المتوفرة عنها في المكتبة البريطانية إلا أن قصة الدولة العثمانية نفسها لا تذكر إلا نادرا فيها. ففي معركة غاليبولي لا تذكر المصادر آلاف الجنود الأتراك والعرب وأبناء الإمبراطورية الذين قاتلوا في غاليبولي. ويرى الأكاديمي يوجين روغان، المحاضر في التاريخ الحديث بكلية سانت أنتوني بجامعة أوكسفورد ومؤلف الكتاب الهام «العرب» أن التجارب التركية والعربية لم تلق اهتماما كبيرا من مؤرخي الحرب العظمى. والكتب القليلة التي صدرت عن جبهات الشرق الأوسط لم تعكس سوى تجربة الحلفاء، فغاليبولي كما أظهرت الدراسات هذه كانت «كارثة تشرتشل» وحصار الكوت كان «استسلام تاونسند» أما الثورة العربية فقد قادها لورنس العرب وكانت الحرب هي «دخول الجنرال مود» بغداد و «غزو اللنبي» القدس.
ورغم نشر عدد كبير من مذكرات ويوميات الحرب العالمية الاولى باللغتين التركية والعربية إلا أن المؤرخين الإجتماعيين الغربيين الراغبين بقراءة التجربة عبر منظور الجنود في الميدان وتجاوز الرواية الرسمية ليست لديهم المهارات اللغوية لقراءتها، كما أن الأرشيف العسكري التركي والدراسات الإستراتيجية في أنقرة والذي يحتوي على أكبر كم من المواد الأرشيفية للحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط من الصعب دخوله ويجب على الباحثين الحصول على إذن من الأمن. ومع التخليد الحافل لمعركة غاليبولي في تركيا التي تنتشر فيها التذكارات والنصب، فلا أحد يتذكرها في المدن العربية رغم أن كل مدينة وقرية في الولايات العربية – الدول العربية الحديثة شاركت بطريقة أو بأخرى في الحرب العالمية الأولى. ولعل الإهمال الحاصل في الدول العربية نابع من تعامل العرب مع الحرب كفترة مورس فيها أشد العذاب عليهم. ففي العالم العربي يتذكر سكانه الحرب بالفترة التي علق فيها أحرارهم على أعواد المشانق في «ساحات الشهداء» ببيروت ودمشق.
وإزاء هذا الجهل الغربي بالمنظور العثماني في الحرب العظمى، يخوض روغان مغامرة مهمة من أجل إعادة الجبهة العثمانية لمكانها الصحيح في التاريخ. فهذه الجبهة مهمة لأن دخول العثمانيين في نزاع أوروبي حوله إلى حرب عالمية. فبعيدا عن المناوشات الصغيرة التي نشبت في الشرق الأقصى وشرق أفريقيا فالمعارك الكبرى التي خاضها المتحاربون كان ميدانها وعلى مدى أربعة أعوام، الشرق الأوسط. وكل معركة فيها كانت دولية بكل المقاييس، شارك فيها: أستراليون ونيوزلنديون وهنود شمال أفريقيا وسنغاليون وسودانيون وفرنسيون وإنكليز واسكتلنديون وويلزيون وأيرلنديون قاتلوا الأتراك والعرب والأرمن والأكراد والشركس مع حلفائهم الألمان والنمساويين. وكانت الجبهات العثمانية مزيجا من الأمم والشعوب التي لم تشهدها حرب في التاريخ الحديث. وأثبتت الدولة العثمانية أنها أهم الجبهات رغم اعتبار قادة الحلفاء أن الحرب معها هي عرض جانبي للجبهات الرئيسية في غرب أوروبا. فقد اعتقد كل من هوراتيو هيربرت كيتشنر ووينستون تشرتشل الشخصيتان المؤثرتان في الحرب أن هزيمة سريعة للدولة العثمانية ستكسر جبهة دول المحور وبالتالي ستؤدي لانهيار الدولة الألمانية. وقاد سوء تقدير الحلفاء لقوة الدولة العثمانية إلى فتح جبهات في القوقاز والعراق وفلسطين وبالتالي إطالة أمد الحرب. وهو ما ترك آثارا سلبية وخلق أزمات في بريطانيا. وأدى الفشل على الجبهة العثمانية لتحالف رئيس الوزراء الليبرالي أتش أتش أسكويث مع المحافظين وهو ما عجل باستقالته. كما أن الهزيمة في العراق والدرنديل أديا إلى تحقيقين برلمانيين. وعلى الجانب الآخر من الصراع غير دخول العثمانيين لصراع محلي- أوروبي وتحويله لصراع دولي منطقة الشرق الأوسط. فالحرب كانت بحاجة إلى دعم القدرات البشرية العربية حيث تم تجنيد أبناء الولايات العربية مات الكثيرون منهم في القوقاز والجبهات الأوروبية وغاليبولي، ومنهم من قاتل في معارك أخرى جرت على حواف الدولة في اليمن وفلسطين والأردن والعراق وإيران وسوريا ولبنان. وجرت الحرب معها المجاعات والأوبئة. ومن هنا فسقوط الدولة العثمانية كان حدثا كبيرا ليس لأن الدولة تسيدت العالم لستة قرون ولا لأنها خسرت معظم أراضيها مع الصحوة الأوروبية والتقدم العلمي الغرب بل لأن قادتها «الشباب» ظنوا أنهم قد يعيدون مجد الإمبراطورية بل أدخلوها في أشد مراحلها اضطرابا وورطوها في حرب كبيرة كانت المسمار في نعش «رجل أوروبا المريض» ومنح كل الدول التي كانت تتكالب عليها الفرصة لتقسيم الإرث المتبقي من الدولة العظيمة. ويا لها من قصة حزينة يقدم تفاصيلها روغان في كتابه الهام الذي صدر نهاية العام الماضي وصدرت طبعته الشعبية بداية العام. واختار روغان عنوان «سقوط العثمانيين: الحرب العظمى في الشرق الأوسط 1914- 1920».
المجد الضائع
كانت استعادة أمجاد الدولة العثمانية التي حملها القوميون الأتراك من زمرة الإتحاد والترقي عاملا في ضياع الدولة، فانقلابهم على السلطان عبد الحميد الثاني عجل بنهاية البلقان. وعندما تحالف أنور باشا مع القبائل الليبية ضد الغزو الإيطالي، فتح الطليان له جبهة البلقان فخسرت الدولة بقية مناطق سيادتها وحرمت بالتالي من مصدر مهم للخزينة والجيش في هذه المناطق التي رفدت الاقتصاد والمؤسسة الحاكمة برجال الجيش والإدارة طوال عمر الدولة. بل وأدى سقوط العثمانيين في البلقان لموجات رحيل جماعية زادت من أعباء الدولة. ولعل دخول الإتحاد والترقي في وقت متأخر من عام 1914 كان دافعه استعادة مصر وليس غريبا أن يودع الناس جمال باشا وهو في طريقه إلى سوريا من محطة حيدر باشا في اسطنبول ولقبوه بـ «منقذ مصر» وأقسم لهم أنه لن يعود إلا بعد تحريرها من نير الإستعمار البريطاني. ولكنه فشل في حملته عبر سيناء وأدت سياساته القمعية مع العرب وإعدامه لأحرارهم وترحيله مئات الألوف من أبنائهم إلى تركيا من أجل تحييد النزعات القومية العربية لحالة سخط عامة. فالمطالبة بالحقوق العربية بدأت تظهر بين الطلاب العرب في اسطنبول وباريس. وزاد من حنق العرب التعبئة العامة لكل الشبان القادرين على حمل السلاح فيما أطلقت عليه الذاكرة العربية «سفربلك» وهو الذي أفرغ القرى والمدن من أبنائها وترك النساء والأطفال يعملون في أرض لم يترك فيها الجراد الذي حل على منطقة بلاد الشام في عام 1916 أي شيء. ففي تلك السنة دمر الجراد نسبة 80-90٪ من المحاصيل الزراعية. ودفع العرب ثمن نزوات قادة الإتحاد والترقي عندما منعت دول الحلفاء قدوم السفن للشواطئ العربية لإغاثة المنكوبين، فسياسة التجويع والتركيع التي يستخدمها بشار الأسد في سوريا ليست جديدة، ولم تفلح محاولات أنور باشا مناشدة بابا الفاتيكان التدخل لرسو ولو سفينة واحد. ولكن أنور باشا وزملاءه في الإتحاد والترقي هم المسؤولون عن النهاية الفظيعة للدولة العثمانية، فإما أنهم لم يقرأوا الظرف التاريخي الحرج والأطماع الدولية بالدولة أو أنهم بالغوا في الطموح وخسروا كل شيء.
التردد ثم الموت
ومن هنا فالقصة التي يسردها روغان مؤلمة، ويكشف كيف دفعت الرومانسية الحالمة بشن جهاد عالمي ضد الدول المتحالفة إلى جر الدولة العثمانية لنهايتها. ويشير الكاتب أن الثلاثي في اسطنبول تردد كثيرا في الدخول للحرب رغم تعجل الألمان الذين ظنوا أن إعلان السلطان الجهاد سيخلق المشاكل لدول الحلفاء في مستعمراتها المسلمة. وحاول قادة الإتحاد تأخير الدخول واتصلوا مع الفرنسيين للدخول معهم في تحالف وبل ومع الروس حتى جاءت اللحظة الحاسمة وأعلنوا دخولهم الحرب وخسروا حواف الدولة في اليمن والبصرة. والغريب أن دعوة السلطان للجهاد لم تلق استجابة من المسلمين خاصة مسلمي الهند الذي أعلنوا ولاءهم لبريطانيا، وسيتخذون موقفا ناقدا من الثورة العربية عندما اتهموا الشريف حسين بن علي بالتمرد على السلطان. والمثير في الأمر أن صناع السياسة في لندن وباريس وبرلين أيضا عولوا كثيرا على فكرة الجهاد التي كانت مبررا لقمع السكان المحليين. بل وجاء دعم بريطانيا للطموحات العربية التي عبر عنها أمير مكة وأبناؤه، على الأقل في جزء منه لإيجاد رؤية مضادة لدعوة الجهاد. ورغم تلقي الكثير من أبناء الولايات العربية للثورة العربية بحماس إلا أن ضباطا عربا في الجيش العثماني أكدوا على أهمية البقاء في دولة عثمانية واحدة بعد إصلاحها. ولم تثمر الثورة العربية لخلق رأي عام مسلم ضد الدولة، فالشريف حسين الذي طمح ببناء مملكة عربية لم يجد إلا الثورة على العثمانيين في الحجاز. وكما يشير روغان فقد كانت مراسلات الشريف مع المفوض السامي في مصر مكماهون، محاولة لحماية نفسه من محاولات قادة الإتحاد تنحيته. واتسمت الوعود بعمومية ولم تشمل الترتيبات التي رسمها سايكس- بيكو.
ورغم غنى الكتاب بالشهادات التي كتبها عرب وأرمن وأتراك عن ميادين الحرب إلا أن قراءة فصول الحرب والتجويع والتهجير والمذابح خاصة تلك التي ارتكبت ضد الأرمن الذين يقدم الكاتب قصتهم بتفصيل، مؤلمة وصارخة. الغريب أن الدولة العثمانية في السنة التي سبقت اندلاع الحرب، شهدت أحسن فتراتها ازدهارا. ثم جاءت التعبئة العامة فأنهت حلما بإعادة بناء الدولة وفتح الطريق أمام الطامعين. في النهاية قـاتل جنود الدولة بشجاعة وعانوا من توزع الولاءات والخيانات والأخطاء وتهور القادة.
Eugen Rogan: The Fall of The Ottomans: The Great War in the Middle East 1914- 1920
Allen Lane, London 2015
485 pages
إبراهيم درويش