يوسف متي نموذجاً: التجريب السردي في ضوء تداخل الأنواع

حجم الخط
1

قد يبدو الحديث عن التداخل بين نوعين سرديين أمراً غير معتاد بدرجة معينة، بينما يكون حديثنا عن التداخل بين شكلين أدبيين أحدهما شعري أو مسرحي مع آخر سردي أو التداخل بين الأدب وفن من الفنون، كالسينما، أو علم من العلوم كالتاريخ، أمراً معتادا وطبيعيا.
وإذا كانت المعتادية واللامعتادية مطروحة للنقاش على أرضية مرحلة نقدية توصف بأنها ما بعد حداثية، فما بالنا إذن لو علمنا أن مثل هذا التداخل حصل في مرحلة كلاسيكية وتحديدا في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، بين شكلين سرديين أحدهما القصة القصيرة والآخر الأقصوصة أو القصة القصيرة جدا.
ثم كيف سنفسر هذا التداخل؛ أهو مؤطر في نظرية أدبية ما؟ أم هو تجريب يسابق التنظير؟ أم أنه تجريب شكلي لا علاقة له بنظريات الأدب والنقد؟
لعل التساؤل الأخير هو الأقرب إلى المنطق، أقول هذا وأنا بصدد القصة القصيرة «حطام» ليوسف متي، المنشورة عام 1934، التي حظيت ببعض الاهتمام النقدي في إطار التناول الموضوعي ومعطياته الاجتماعية ومضامينه الأخلاقية، ما يضعها في خانة قصص المضمون العاطفي الذي شاع عند القصاصين الثلاثينيين في العراق بحسب عبد الإله أحمد.
صحيح أن الاهتمام بالبعد الموضوعي يكشف عن جانب كبير من مقدرة القاص وموهبته في توظيف هذا الفن توظيفا دلاليا، يجعل القصة بمثابة درس حياتي غزير المعاني، كثير الخبرات واسع المعطيات، بيد أن هناك جانبا مهما آخر لا يقل أهمية في الكشف عن براعة القاص وتفوقه السردي في استثمار التخييل، لصنع قالب فني يصب فيه المحتوى الموضوعي، وبالشكل الذي لا نكاد معه نفصل الفكرة عن قالبها الذي تصب فيه. وكثيرا ما يُقصر النقد الأدبي في التدليل على الكفاءة السردية للبناء، بسبب هذا التغاضي عن رؤية الشكل خلل المضمون، ليسدل الستار على تلك الكفاءة وليغض الطرف عن الثراء الفني الذي ينماز به فن القصة القصيرة.
وهو ما نال من قيمة قصة «الحطام» القصيرة نيلا سلبيا، كونه أشّر على عاطفية المحتوى، وتناسى تجريبية الشكل المبتكرة والمستحدثة، بما يسبق نظريات الأدب الحداثية أصلا.
وقد أظهر القاص يوسف متي، وعيا عاليا بصناعة القالب القصصي القصير من خلال تقسيم سطح الورقة إلى مقطوعات قصصية قصيرة جدا، تتألف كل مقطوعة من كلمة أو اثنتين، هي بمثابة عتبات عنوانية محصورة عادة بين قوسين كبيرين ومتخذة إحدى صيغ الإنشاء البلاغي كأن يكون استفهاما (كيف تراني؟) أو يكون نداء (جميلة) أو أمرا (قبلني) أو إخبارا (بضاعة مزجاة) ليأتي بعد عتبة العنوان مقطع يتألف من بضعة أسطر، حتى إذا ما قطعناه وفصلناه عن ما قبله وما بعده، فسيبدو كقصة قصيرة جدا، وفي الآن نفسه سيندرج مع سائر المقاطع، جزءا من الكل العام لبناء القصة القصيرة «حطام» ومن ذلك هذا المقطع الذي به تفتتح القصة (هل أجرب؟) «وهز رأسه بعنف وهو يحدّث نفسه، وانعطف على جانب من الطريق، وصمم على أن لا يتعب نفسه بالتردد وإعمال الخاطر، وقابله زقاق مظلم لمح فيه رجالا يسيرون كالأشباح فتحامل على نفسه واستمر في سيره».
إن هذا المقطع له صلة بما سيليه، ومع ذلك يتمتع باستقلالية عما بعده، وقد توفرت فيه عناصر البناء الفني من حبكة مسببة وزمان مسترجع ووصف مكاني وتكثيف لغوي وراو عليم بضمير الغائب، وبوجهة نظر موضوعية، ليأتي المقطع الثاني قصة قصيرة جدا أيضا، بيد أنه يكمل البناء العام لقصة «حطام».
هكذا تتشكل القصة القصيرة من توالي أحداث تتركب اثنتي عشرة مرة على شكل حبكات سردية جزئية. وما هذا القطع والوصل في طريقة بناء الحبكة السردية إلا تكنيك فني يعكس المحنة التي تدلل عليها ثيمة العنونة، بمعنى أن الحطام هو صورة تالية لحالة الوئام وصورة سابقة لحالة إعادة اللملمة من جديد.
وكان مارتن والاس قد نقل عن جريماس وفي معرض حديثه عن التكثيفات الزمانية، كيف أن المنطق المزدوج في السرد يتوالى من أجل تحقيق ما سماه بروب «المحنة» من خلال ثلاث خطوات هي: 1ـ مواجهة 2 ـ انتصار 3 ـ انتقال شيء ما.
وعلى هذه الخطوات يتوزع التأزم العاطفي والتحطم النفسي، وما يرافقه من فاعلية سردية بين الشخصيتين الوحيدتين في القصة، شخصية الرجل الشاب القوي البنية والعزيمة، وشخصية المرأة التي تحمل اسم جميلة، لكنها جمعت الجمال بالرذيلة والجاذبية بالسقوط. وإذ تبدو القصة من الناحية الموضوعية موباسانية، تدخل عالم الإغواء الأنثوي من باب السقوط الأخلاقي للجسد، فإنها تجعل المرأة تبدو في صورة أفعى مغوية هي سبب الخطيئة، وأساس الرذيلة، وهذا موضوع أثير من موضوعات كتابة القصة القصيرة، وقد شاع توظيفه في الأدب الكلاسيكي.
ويتولى السارد العليم مسك زمام السرد، مستعملا صيغة الغياب، واصفا العالم الخارجي بدقة، نافذا في الوقت نفسه إلى أغوار الشخصية مستنبطا دواخل الجسدين المذكر والمؤنث، بأسلوب تتّابع فيه الأحداث، وفق زمانية استرجاعية، وقد عملت التساؤلات الموظفة في تضاعيف السرد على الدفع بالحبكة نحو التصعيد بسرعة والتأزم بمرونة.
ولا خلاف أن هذه القصة القصيرة تندرج في إطار أدب الواقعية النقدية، كونها ترسم صورة متأزمة للجسد الذي يقوده اثنان العقل وما يلتزم به من مبادئ والقلب وما تكتنفه من مشاعر مضطرمة، فيندفع إما إلى إشباعها خاسرا رهان القيم، وإما يطفق نابذا لها، فيربح الرهان وبذلك تتغلب الفطرة على أساليب الشيطنة والعفرتة.
ولئن كان أساس التصعيد في القصة عاطفيا، والأزمة نفسية لذلك تحتدم مشاعر العفة مع الرغبة، والدناسة مع البراءة، والدناءة مع الطهر، والسمو مع الضعة، ويعمل توظيف الحوار الخارجي على تدعيم هذا التأزم عند الشخصيتين معا، كما يكون للاستبطان دور مهم في انفراج المحنة وبلوغ التأزم خط النهاية.
ومن أمثلة استبطان دواخل الشخصية قول السارد: «وانمسح من ذهنه أثر الفتاة العذراء التي أحبها كثيرا، وخسر في سبيلها كثيرا، واستطاب هذا النقاء وداخله فرح وحشي امتلأ به صدره فانطلق في أثرها».
وحقق توظيف الوصف دورا تفسيريا ليكون جزءا من التحبيك القصير، ومن دلائل البراعة السردية من ناحية التجريب الشكلي، توظيف الراوي العليم لرائحة الياسمين بشكل عمّق الأزمة النفسية ودلل عليها بفاعلية النزوع النفسي للخير أو الشر، كما أبان عن الفارق بين الظاهر الذي لا يمكنه أن يخفي ما هو مدنس ومتشظ، والباطن وما تزدحم فيه من المشاعر السامية المهذبة، أو الأحاسيس المادية المبتذلة.
يضاف إلى ما تقدم قدرة السارد على توزيع الأحداث، بطريقة حافظت على ازدواجية البطولة في القصة، وجعلت الشخصيتين تكابدان الأزمة نفسها أزمة الوقوع في الإغواء أو مقاومته، لتكون المحصلة سقوطا محتما للجسد المؤنث وتساميا عاليا للجسد المذكر، وهكذا كان مصير الأول البكاء والندم والانتحاب والنشيج، ومصير الجسد الثاني الانتقام والحزم والغيرة والإباء.
وستتجسد المفارقة في تكرار عبارة «عطر الياسمين» إذ يظل هذا العطر مرافقا الجسدين معا في إشارة اليغورية إلى تضادية الكيان الإنساني، بين أن يكون ضحية لفتنة الإغواء، أو يكون جلادا لذاته بقوة الإرادة ومتانة اليقين، فيجتمع الواقعي المأساوي بالمنحى الجمالي، ويتلاقى المتضادان الانتقام والغرام والقصاص والشفقة «ولمع في عينيه أثر الانتقام على شفته المرتعشة وقد تغضن وجهه الخشن وهو يتنفس بسرعة، ورفع يده وأنزلها على وجهها بلطمة شديدة ثم أخرى وثالثة. وتركها يشيعه نشيجها المتقطع العالي مع شذا عطر الياسمين».
وبذلك يكون القاص يوسف متي أبا للتجريب القصصي القصير في العراق الذي احتفى بالشكل احتفاء كبيرا، ولم ينس المحتوى الذي جرّب فيه الشكل فأحسن التجريب، ليكون رائدا من رواد القصة العربية القصيرة في القرن العشرين.

11RAI

يوسف متي نموذجاً: التجريب السردي في ضوء تداخل الأنواع

نادية هناوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية