يوميات طالبة

حجم الخط
11

بعد غياب دام قرابة شهرين عن الجامعة قررت الرجوع إلى المدرجات لإستكمال دراستي، وكانت بداية ذلك اليوم أجمل مما توقعت، إذ طرقت باب القسم ودخلت بعد إستئذان وإذا بالدكتورة نادية «وهي أستاذة تدرس كل ما له علاقة بالجانب التطبيقي في الإعلام من إخراج تلفزي وإذاعي، تقديم… « ترحب بي وتعبر لي عن مدى سعادتها بإلتحاقي بالدراسة امام الطلاب الذي كان حضورهم ضئيلا في الساعة الأولى،لم أذهب فارغة اليدين فقد أحضرت لها عملين أخبرني زملائي بضرورة إنجازها قبل نهاية الأسبوع كي أسلمها إياهما، وقد فعلت. عندما إطّلعت على العمل الأول الذي كان من إختياري وهوعبارة عن بطاقة فنية لرواية الخيميائي لباولو كويلو،مرفق بتصوري لطريقة إخراجه على شكل فيلم سينمائي، وكنت قد تقمّصت دورالمخرج على ما يبدو، حيث أرخيت العنان لخيالي تصورت أماكن التصوير وإقترحت مدينة وهران أو تلمسان لتشابه العمران والمناخ إلى حد ما بينها وبين إسبانيا والمغرب، و صحراء الجزائر الشاسعة لتصوير معارك القبائل…..وبعض المشاهد قرب الأهرامات في مصر…تحدثت عن الإضاءة و الديكور وحتى الماكياج والإكسيسوارات…وتماديت في الخيال وإقترحت أسماء نجمين عربيين ونجوم من هوليوود.
قدّمت الواجب و إستحسنت الأستاذة نادية إجتهادي وتفاعل الطلاب مع العمل بشكل إيجابي. تلت هذه الساعة والنصف ساعة الأعمال الموجهة في مقياس دراسة الجمهور القت فيها طالبتان بحثا، تلاه نقاش حاد في بعض جوانبه ؟ المفاجأة كانت عندما طلب الأستاذ منّا كتابة أسئلة الإمتحان التطبيقي بعد نهاية البحث،…يا ربي إمتحان؟ الآن؟ هذه أوّل ساعة لي في المقياس، تلا علينا الأسئلة الأربعة وطالبنا بإجابة مختصرة لا تتجاوز سطرا أو سطرين للسؤال الواحد، أنهيت الإمتحان وسلّمته الورقة،طالبني بتبرير الغياب عند المناداة. تبين لي في ما بعد أن الإمتحان ليس أسوأ ما ينتظرني يومها…..
تحدثت معي زميلتي وأخبرتني أنّ أستاذة المقياس الأخير لهذا اليوم غير متساهلة بتاتا مع الغيابات، أنصحك بطلب ورقة دخول من إدارة القسم كي تسمح لك بإجتياز الإمتحان، أخذت بنصيحتها وتوجّهت إلى رئيس القسم مباشرة، أخبرته بأني لم أكن أنوي مواصلة الدراسة هذه السنة لذلك حضّرت طلب توقيف السنة إلى السنة المقبلة، لكني عدلت عن أمر وقررت المواصلة، لذلك أطلب منك ورقة الدخول… فقال لي لا يمكنن أن أعطيك ورقة الدخول لأنك تغيبت مدّة طويلة والإمتحانات الأسبوع المقبل وذكر لي تفاصيل إدارية وقانونية كان محقا في جلّها تمنعه من التدخل، أخبرني بأن المشكلة متعلّقة بالأستاذ هو من لديه صلاحية قبول دخولك أو إقصائك، ونصحني بأن أتحدث للأستاذة ،قال لي إذا أصرّت على الإقصاء أنصحك بتوقيف السنة، لأن الإقصاء يضر بك في «الماستر» وإذا قالت لك ستأخذين علامة صفر في الإمتحان دون إقصاء فإعتبري هذا فتحا من الله عليك؟.
رجعت إلى القسم أجر ذيل الإحباط والخوف من الإقصاء، أترقب مجيء الأستاذة،دخلت وقد بدت عليها ملامح الحزن إلى حد ما….يبدو أن أحد أقربائها توفاه الله.
كانت أطول ساعتين ونصف لي في الجامعة، ما إن فرغنا من البحث والدرس معا، توجهت اليها،بادرتها بالسلام والتعزية،أخبرتها بغيابي وبأني لا أجد ما أبرر به لكن أطمع في كرمك وتفهمك للموضوع….قالت لي آسفة ستقصين من المقياس؟…. حاولت تمالك نفسي كي لا أنهار كطفلة صغيرة قلت لها يا أستاذة أنا لاأقيم هنا وو….قالت لي هناك متزوجات وعاملات يأتين دون غياب قلت لها أنا أيضا متزوجة وأم لأطفال…إقصاء ياأستاذة؟ خفّت حدتها قليلا ثم قالت سأكون كريمة معك ولن أقصيك لكن ستأخذين صفرا في المقياس، تذكرت نصيحة رئيس القسم…قلت لها هل أحضر الإمتحان الأسبوع المقبل؟ قالت لي إحضريه….أضافت لو كنت مكاني لفعلت الشيء نفسه كيف أساوي بينك وبين الطلاب الذين يتركون مشاغلهم ويحضرون بإنتظام، قلت لها ليس من عادتي هذا، فأنا طالبة ملتزمة بمحاضراتي وواجباتي ولم أتغيب في السنوات الماضية، إستشهدت لها بزميلاتي وقلت لها بإمكانك سؤال أساتذتي الذين درّسوني…أصرّت هي على موقفها، وحقيقة لم أجد أنا ما أقول….
الأساتذة في الجامعة لهم أساليب مختلفة في التعاطي مع الطلاب، فمثلا هناك من لا يسجل الغياب بتاتا لكنه يلزم الطالب بالواجبات في الأعمال الموجهة لأن عليها نقطة تساعد من رفع علامة الإمتحان الأساسي للمقياس، هناك من يسجل الحضور، ويكرم الطلبة المواظبين على حضور المحاضرة والأعمال الموجّهة يكرمهم بنقطتين أو ثلاث كل حسب رؤيته لكيفية المساعدة أو تعبيره عن الرضى، وهناك من الأساتذة من يعتبر الحضور إلزامي بحيث يعتق الطالب من الإقصاء فقط، ولا يحلم الطالب بشيء آخر.
حقيقة لو كنت أستاذة لما أقصيت طالبا بسبب الغياب، الجامعة ميدان بحث يفترض أن يكون الإمتحان هو الرابط بين الأستاذ والطالب إن أحسن أو أساء، الطالب الذي يواظب ويجتهد في الحضور تكون له حظوة عند الأستاذ يساعده يغدق عليه ما يشاء من النقاط إكراما لإنضباطه وإحترامه للأستاذ والمحاضرة معا، أما الذي لا يحضر أتعامل معه حسب عمله وجهده في الإمتحان بلا زيادة ولا نقصان. لأن الإمتحان هو الأصل وهو حق للطالب، العبرة بالعمل المتميز والإجتهاد،لا يمكن أن أضع صفرا على ورقة فيها بذل وجهد وأحرم صاحبها من حقه في العلامة أيا كانت جيدة أو ضعيفة بحجّة الغياب.

منى مقراني – الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية