يومَ بكته في الخريف

حجم الخط
1

يوم قلق كباقي أيامها، تقف كل صباح أمام ذاك الباب الزجاجي المطل على فناء المنزل، تتأمّل السماء أكثر من أي شيء آخر. تمرّ عليها أيام كهذه، تكون أكثر تعلقا بالطبيعة، تنتظر بلا أمل، لربّما سيعود إليها كسابق عهده، محملا بالاشتياق. لكن الغريب أنّها ترقب عودته من مكان آخر، كلّما لفحتها نيران الشوق إليه تعلّقت بالسماء أكثر، كأنّها تنتظر عودته من السماء.
الأفق ضيّق من هذه الزاوية، في الخارج السماء أكثر انشراحا وصفاء، وإن لبّدتها الغيوم، لماذا أشعر كلّما تأملتها أكثر بأنني قريبة من الوصول الى حقيقة ما؟ السماء كأنها تنظر إلينا.. تراقبنا.. تتحكّم فينا وتعبّر عن رضاها وسخطها بحالتها، تارة صافية وتارة غائمة وتارة ساحرة مختفية، تنسحب أمام النجوم لنفتتن بعتمتها المرصّعة بالنجوم .. ليتني أستطيع فهم ما الذي حال بيني وبينه حتى صرنا هكذا.
قلبي الآن أشبه بصحراء شاسعة لا غدير ولا نخلة أستريح تحت ظلّها.. ولا حتى سراب يوهمني لدقائق فقط أن أملا ما هناك في القريب البعيد.
تلبس ثوبا رماديا فاتنا يصل إلى ركبتيها. شعرها كستنائي قصير ناعم على خديها، إزدادت نحافتها ليس بسبب الحمية، بل بسبب حزن دفين سكنها منذ عام، وجهها شاحب يبدو أنها لم تذق طعم النوم ليلة البارحة. فتحتْ المذياع على صوت أغاني الصباح، حديث سائقي السيارات المتجهين إلى أعمالهم باكرا، تحب سماع دردشتهم مع المذيعين، حديثهم اليومي البسيط الصادق، عن حال الطريق وقصص الازدحام الخانق والقهوة والخريف وطقوسه. الساعة تشير إلى السابعة، أيقظت صغيريها، تناولا الفطور بصخبهما اللذيذ المعتاد، ينشرح محيّاها عندما تراهما سعيدين لا يدركان ما الذي يحدث بين أبويهما، قبّلتهما عند الباب وذهبا الى المدرسة. تحاول أن تتماسك ولا تذرف الدموع عن حالها وما آل إليه مع هذا الرجل. تائهة لا تقوى على التركيز في شيء، كل ما في بيتها يذكّرها بما لا تقوى على تحمّل ذكراه، هنا كنا نجلس كل صباح نحتسي فنجان القهوة مع بعض ونخطط لعطلتنا أين سنمضيها، ذاك المكتب الصغير الأنيق اشتراه لي هدية، حتى لون الجدران الأخضر الزاهي قمنا بدهنه مع بعضنا، كم كان محبا لي وسعيدا لأني زوجته، خوفه عليّ من أن يصيبني مكروه، حتى نزلات البرد التي كانت تصيبني، كان يأخذ فيها عطلة ليومين كي يعتني بي وبالصغيرين، أين دفن كل هذا أين اختفى؟
ترفع صحنا تضع كأسا، تفتح الثلاجة تنظر ما في داخلها، تعيد إغلاقها… حتى مرّ من أمامها، رمقته بنظرة فيها استغراب، مزيج من الشوق والكره معا. ما بك؟ خصامك طال بلا مبرّر، ألا تمل من عنادك أبدا؟ إغرورقت عيناها وهي ترتجف، لم أعد أعرفك، أصبحت غريبا عني… كيف تجرؤ على إهمالي وإلغائي كأني لست معك تحت سقف بيت واحد، كأني لا أنام بجانبك كل ليلة… كأني كائن غير مرئي؟ تحدّثه وهو يسير في الممر لا يلتفت اليها وهي تتبعه، أمسكته من ذراعه بقوة ليلتفت إليها، ما إن نظرت إلى وجهه وكأنه العائد من سفر طويل حتى انهارت أمامه تماما، اليوم عيد زواجنا التاسع … تذكره أليس كذلك؟ لكنّك تريد أن تئد هذه الذكرى المشؤومة هااا؟ قل لي فقط ما الذي تريده وأقسم لك أني على استعداد أن أترك لك البيت،
ـ تأخّرت عن العمل كثيرا دعيني أذهب.
مشى بضع خطوات فاعترضته هذه المرّة، لن تخرج حتى تُفهمني لما تبدّد كل ذلك الحب، نسيت قُصاصات الشعر التي كنت تدسّها في كراريسي؟ نسيت مولد بسمة، نسيت مولد منير؟ نسيت عطري؟ نسيت عناقي؟ ألا تشتاق لي؟، نسيت اسمي… لم تعد تناديني به، أنت لا تنظر إلي الآن وأنا أحدثك… تتحاشاني، سقطت من قلبك كورقة صفراء في فصل الخريف، أنا التي أحببتك كما ينبغي لك ولي، وظننت أنّك كذلك… ظلّت تترجّاه وتحاول أن تعيده اليها بصوت مخنوق مرتعش، تقدّمت نحوه بخطوة لعل حنينها اليه يذيب ذاك الصعيق الذي لبس روحه، الآن دعيني أخرج وفي المساء نكمل حديثنا؛ تركها جامدة في مكانها كأنها قطعة من جليد، تسمّرت وهي مذهولة ومرعوبة من قسوته التي فاقت الاحتمال. خرج وأغلق الباب بهدوء، بدا عليه حزن شديد، لا يعرف متى أو لماذا كفّ عن حبّها، ولا في إمكانه إخبارها الحقيقة التي ستعلن مراسم دفنها لأنّها ميتة أصلا.

كاتبة جزائرية

يومَ بكته في الخريف

منى مقراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية