أحيا الفلسطينيون في هذه الأيام يوم الأرض و الأمة مثخنة بالجراح تئن تحت سياط الارهابيين و وطأة احتلال غاشم و حكومة إسرائيلية منهمكة في سياساتها الرامية لتهويد القدس و سلب و طمس هوية المقدسات الاسلامية و المسيحية و الامعان في اغتصاب الأرض و انتهاك حقوق الانسان و المواثيق و المعاهدات الدولية
و في خضم هذه التحديات الجسام التي تعصف بكينونة الأمة ظلت القضية الفلسطينية على قائمة الأولويات و ظلت فلسطين أرضا و شعبا و حضارة أرض الآباء و الأجداد مهد الديانات السماوية و شعبا عصيا على الانكسار و حضارة موغلة في جذور التاريخ.
ظلت فلسطين حصينة منيعة على الطامعين بصمود و ارادة شعبها ذكرى للعز و الاباء و مدرسة للتحدي و الشموخ لا تثنها عواصف الدهر مهما عظمت الخطب و الأحداث الكبار و لا تقيدها أغلال الصلف و العناد الإسرائيلي و لا تحجمها الأفاعي الداخلية تعطي على الدوام بعدا و طنيا عربيا قوميا و اسلاميا و معنويا للعرب و المسلمين و كما قال الرئيس أبو مازن لديها الكثير مما تقول للأشقاء في قمة شرم الشيخ.
لقد شهد الشعب الفلسطيني على مدى عقود كل أنواع الصلف و التشرد والاضهاد و اللجوء و لكنه أثبت طيلة مسيرته النضالية بأنه مشروع نصر و قصة فخار وكبرياء لم تستطع ترسانة الأسلحة و الاعلام الإسرائيلية و حلفائها أن تحصر أو تحجم قضيته في مخيمات اللجوء.
و ما توالي اعترافات برلمانات العالم بالدولة الفلسطينية و رفع التمثيل الدبلوماسي الفلسطيني في معظم الدول الأوروبية الا دلائل بأن الشعب الفلسطيني استطاع بنضاله و حكمة قيادته الشرعية على اظهار مأساة الشعب و مخاضه الأليم رغم الأحداث المأساوية التي تشهدها أغلب الدول العربية و التي عول عليها الاحتلال الإسرائيلي كثيرا لحرف نظر العالم عن قضية العرب و المسلمين المحورية للانهماك في مخططاته الرامية لاستباحة الدم الفلسطيني و تهويد القدس و الآثار الاسلامية و تشويه الصورة الحضارية للشعب الفلسطيني و تمزيق نسيجه الوطني و الاجتماعي و تقطيع أوصال الوطن بالتوسع في بناء المستوطنات اليهودية و المماطلة في مفاوضات الحل النهائي.
ان هذا في حد ذاته يشبه المعجزة أن تبقى فلسطين نبض و جدان الأمة و عنوان كرامتها و عزتها هو حقا ضرب من الخيال كيف لا و القدس زهرة المدائن و رؤى و مهوى الأفئدة و الجوارح.
لقد قدم هذا الشعب الآلاف من الشهداء الذين ارتقوا الى ملكوت الله أصحاب حق و قضية عادلة وسط أهازيج نسوة لمن يصعدون الى حتفهم باسمين و خوف الطغاة من الذكريات فبقي شعب و باعتراف الملايين يستحق الحياة.
ان نضال الشعب الفلسطيني أذهل العالم و انقسم الى ثلاثة نضالات متوازية في الشتات ما يزال الملايين يحتفظون بمفاتيح بيوتهم منذ شردتهم النكبات المتوالية وفي داخل الخط الأخضر ظل أهلنا صامدين في وجه التمييز و العنصرية متمسكين بهويتهم العربية الاسلامية المسيحية و في الضفة الغربية و قطاع غزة لا يزال أهلنا يقارعون أطول احتلال عرفه التاريخ المعاصر. و كما أشار الكاتب و النائب السابق حمادة فراعنة علينا أن نوحد الجهود فقد أثبت شعبنا و أكدت الانتخابات الإسرائيلية على كذب يهودية الدولة الإسرائيلية و تشبث أناس بهويتهم الوطنية و العرقية و الدينية.
و هنا يكمن علينا مؤازرتهم و فتح قنوات اتصالات معهم فقد بقوا رغم الزمن و التهميش الأصل و الرمز و ديمومة البقاء
في الأمم المتحدة كان الفلسطينيون بزعامة و مبادرة الرئيس أبو مازن شعب انحنى له التاريخ لا يقبل التفريط بحقوقه الثابتة و لا يقبل أنصاف الحلول و فتات العيش كيف لا و قد قدم تضحيات جسام تفاخرت بها الأجيال و شهداء عظام ضمخوا ثراها بأريج دمائهم و أسرى بواسل وجرحى و أيتام و أمهات ثكلى في ظلال حصار جائر و معاناة و آلام تشهد عليها مخيمات اللجوء في الأرض و الشتات.
و اذا كان عهد الزعيم الخالد ياسرعرفات قد شهد اطلاقة الرصاصة الأولى و بزوغ فجر الثورة فان أبو مازن يعد بحق محقق الحلم الفلسطيني ببناء دولة اعترف بحقها بالعيش القاصي و الداني و أرسى دعائم التعددية الحزبية بأول انتخابات اشتركت فيها كل قطاعات و شرائح الشعب الفلسطيني و رفض أن يستأثر أحد بالمشروع الفلسطيني المستقل و حافظ على استقلالية القرار الفلسطيني و على النسيج الفلسطيني رغم السنوات العجاف التي شهدتها الساحة العربية عامة و الفلسطينية خاصة و التي أعاقت المسار و شوهت النضال النبيل و جعلت القضية الرمز تجاذبا لقوى اقليمية و تبعية لهذا و ذاك
لكن كل المحاولات باءت بالفشل فما زال الشعب الفلسطيني صامدا كصخرة عتيدة لم تنجرف الى غياهب النسيان ففلسطين هذه لم و لن تقسم و لن تكون تجاذبا لقوى اقليمية و دولية تسير في فلك الغير فعلى هذه الأرض سطرت الذاكرة الانسانية أنبل القيم السامية بالعهدة العمرية التي فاخرت بها الأجيال و تربعت على قمم المجد كأول و ثيقة دولية دعت الى التآلف و العدل و التسامح الديني و شرف الكلمة و حسن المعاملة و العيش السلمي.
لطالما حملت هذه السفينة مفاتيح الآباء و الأجداد و سط الأمواج العالية و خضاب الأمنيات فما وهن قبطانها و لا لانت عزائم طواقمها و حان الوقت في ظل استشراء الحكومة الإسرائيلية في الطعن بقرارات الشرعية الدولية و رفض مبدأ الدولة الفلسطينية. كما أعلن نتنياهو علنا في برنامجه الانتخابي لأن توجه الادارة الأمريكية و الكونغرس الأمريكي وغيرها من مراكز صناعة القرار العالمي دعوة للرئيس أبو مازن لشرح وجهة النظر الفلسطينية في انهاء النزاع العربي الإسرائيلي و وضع حد لدوامة العنف والاستيطان و التهويد و اللجوء و القدس و الحدود و المياه و الجدار و تجفيف ينابيع الارهاب و التطرف المحلي و الدولي.
ان شعبا كهذا شهد ارهاصات الألم و قدم قوافل من الشهداء علمتنا أن فلسطين هي مشروع كفاح و جسر عبور للأجيال نحو قدس المدائن لن يكون له الا النصر.
الدكتور منجد فريد القطب