يوم التحفت حلب بالسواد

حجم الخط
10

مرّت في وسط الطريق ،على الجنبات لهيب مستعر، رمقت السماء بعينيها الحزينتين، حيث لا نجوم ولا شمس، تتساءل هل هو اللّيل أم النهار؟ تلفح حواف ثوبها الحمم، تحاول خطفها من أسفله، ثوبها طويل جدا، ثوبها واسع جدا، تزيحه بخفّة، بسرعة، تلتفت يمينا ويسرا، تنظر أسفل قدميها، تتبع الصوت الذي يدميها. ما بالي لم أعد أعرف الطريق؟ أين الممر ؟ أين الجسر؟
تسمعه من بعيد…أمي ..أمي، أعمدة الدخان ممزوجة بسواد يلف الفضاء، عتمة الظلم ،عتمة القهر، عتمة القلوب الموغلة في الشر. ها أنا صغيري أنا قريبة منك، سألبيك ..ناداها…لا يا أمي ..لا تعبري ..أنا ألبيك…إبق مكانك ،لا تكثر الضجيج، سيسمعونك يا صغيري، ،تلفّها الأحزان لفا، يعصر الأسى قلبها ألما، وتسأل: هل هذه أنا ؟أم أنا…؟ مدّ يديك يا صغيري، هاتها ،إنتشلته ، كان مرميا أسفل زيتونة مكسوّة بالرماد، صغيري …أين ذراعك ؟.. لا أدري يا أمي ..سقطت هناك، بعيدا عن هنا ..إنّهم يحتفظون بها، من؟.. الشقر والسمر وآخرون ،هم كثر لا أقوى على عدّهم، يُومْ ..هل ستعيدين لي ذراعي؟….
لفّت أمتار شعرها الأشقر، وإقتطعت غصن زيتون غرسته بين ثنايا كومة الحرير تلك لتثبّتها .هزّت صغيرها بين يديها وعبرت به الأسلاك والأشواك والحجارة . مشت ومشت ومشت، لا اللهيب خمد ولا أعيتها المسافات الطوال التي قطعتها حافية.
أمي.. لم أكن أعرف أنّ عينيك من الكريستال، بلى حبيبي هما كذلك، تحجّرت دموعها من هول فاجعتها، وغدر أصحابها الذين أطعمتهم قمحا أيام الجوع أيام «روزانا» فردّوا الجميل بفيالق الشر والطائفية، لأجل كل ذلك وغيره الكثير، تجمد الدمع في المآقي، حتى ظنّ الوليد أن عيون أمه من الكريستال.
أمي إشتقت لحضنك كثيرا…أمي رائحتك زكية لم تتبدل…أمي أشعر بالبرد …. سأدفّئك …ألقت عليه قطعة من الحب حانية لفت بها جسده المرتعش. أمي…في ذلك اليوم …الذي مضى، هل تذكرينه ؟ نعم يا صغيري لا أنساه …سمعت إبراهيم ينادي : حرية ،حرية، حرية،..يُوم… وحياة الله سحرتني الكلمة، لم أشعر بذاك الشعور من قبل، وجدتني في الطريق أردد معه، حرية ،حرية، حرية. لم أكن أعلم أنها تحرق وتقطع الرؤوس، لم أعلم أنها تستجدي الروس والسوخوي والطوائف، وكل ناقم على الماضي القريب والبعيد والحاضر والمستقبل، إعتقدت أنني سأتمكّن أخيرا من شراء فستان الحرير لك مثل فستان السيدة فيولييت، هي ليست أحسن منك ، أريد أن أراك مثلها ….لا …بل أحسن منها، إعتقدت ، أنه سيصبح بإمكاني، لقاء أحلام كل يوم، إعتقدت أنه سيصبح لي جناحان أحلق بهما معها في السماء ،كل ما ضايقني البشر والضجر. كنت سأتزوجها في يوم من أيام ربيعنا الجميل، كنت سأنجب منها بنات وأولادا عدد أصابع يدي العشرة…. ما بالهم لا يحبون الحرية؟ …أتراهم ما ذاقوا حلاوتها قط؟ ..
يُومْ، زعلانة منّي لأني خرجت من البيت يومها؟ والله يا أمي كنت سأقتني خبزا وزيتا، شمعا وبطانية لأخوتي، سلّة فواكه وقطع من حلوى ، حتى فكّرت في إعادة بناء السقف، سقفنا إهترأ منذ عقود عدّة، لماذا لم يسمحوا لنا بإعادة بنائه؟
عندما خرجت، وجدت جلّ أصحابي هناك، أحمد وعلي وجورج ويسمينة وفيصل وديما، كلّنا هتفنا بصوت واحد، سلمية …سلمية ولكن بعد ما اقتلعوا حنجرة إبراهيم لم نقدر على العودة للبيوت ،ذبحوه لأنّه قال له «إرحل». دخل في هيستيريا ضحك بطعم البكاء.. وصار يردد: ذبحوه لمجرد أنّه قال إرحل … كان علينا المضي قدما….أم كان علينا الرجوع؟
ظلّت تستمع لحديثه الغارق في الذكرى، المثقل بالوجع والحسرة والإنكسار، حتى جفّ حلقه. بلغت به مكانا قصيا، لا يصله قاطعو الأذرع والرؤوس، أسندت رأسه على أرض يكسوها بعض العشب، وقفت تلتفت هنا وهناك كأنها تنتظر زائرا.
حلّق طائر ابيض من بعيد، كان كبيرا جدا، معلقا في عنقه سلة من الحلفاء، هبط الطائر كنسر شامخ ،تقدمت نحوه بخطى ثابتة، وإنشرح محيّاها، سلّت القفة من رأسه بلين، بعد أن طأطأ لها رأسه . وخطت خطوتين للخلف، رفّ جناحاه العملاقان وطار بعيدا فحرّك كل ساكن، حتى إنسدل شعرها الأشقر من جديد، عندما غاب في السماء، رجعت مهرولة لصغيرها وهي تحمل القفة بيمينها. أخرجت منها قنينة ماء عذب، وقنينة من سائل أخضر ووشاح.
سقت الشهباء صغيرها رشفة ماء، وقالت له : دعني أدهن كتفك كي تستعيد ذراعك، قهقه وهو يقول: يٌوم ..قلت لك أعيدي لي ذراعي المبتورة كي أدفنها، كيف تعود لتنبت من جديد بعد أن قطعوها؟
صغيري، هل صدقت طائرا يحمل الدواء ولم تصدق جدوى الدواء؟ سكت وهو في شك مما سمعه، قامت بدهن كتفه ثم لفتها بالوشاح. عادت ذراعه وهو مذهول من هذا المشهد الغرائبي العجيب. أمي…هذا سحر بعينه، قالت: بل هو رحمة بعينها. قام مزهوا وهو يلمسها تارة ويحركها تارة أخرى. مع بزوغ فجر اليوم الثاني ،أفاق من نوم لم يذق طعمه من سنين، قبّل جبين الشهباء، وركع بين يديها قائلا : سأعود لأحمل سلاحي، ولن تُسْبي يا يُوم، وفي أبنائك عرق ينبض .
عد، وإبحث عن الصادقين من بين أصحابك، وإعلم أني ما كنت لأغضب وأبنائي يسعون لخلودي ،قل لهم أني لم أترك الدعاء لكم يوما ،ولست بالشهباء إن غفت عيني عن من أذاقكم صنوف الموت والدمار، وغضبي يغضب له الربّ في علاه.

كاتبة جزائرية

يوم التحفت حلب بالسواد

منى مقراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية